Home تحليلالسلام الاقتصادي في لبنان

السلام الاقتصادي في لبنانARFREN

: ضجيج كبير وفخّ أكبر

by Thomas Schellen

يمثّل السلام الاقتصادي المستدام أو الدائم الشرط المسبق للإنقاذ الاجتماعي في لبنان. وتبدو هذه حقيقة بسيطة يمكن وصفها بالبديهية ولا سيما في ظل محيط عالمي يرزح منذ زمن طويل تحت وطأة صراع مزمن ودائم. وقد أكدت الأمم المتحدة ذلك مجددًا في ٥ حزيران/ يونيو من العام ٢٠٢٦، إذ قدّرت حاجات لبنان الملحة للبقاء بتمويل قدره 331،5 مليون دولار للفترة الجارية الممتدة على ثلاثة أشهر. ونتيجة لذلك، رفع هذا الطلب الإضافي إجمالي النداء العاجل للأمم المتحدة لعام ٢٠٢٦ المخصص للدعم الأكثر إلحاحًا للبلاد إلى ٦٣٩.٩ مليون دولار بين آذار/ مارس وآب/ أغسطس من العام عينه.

كما ترسخت محليًا في العام ٢٠٢٦، كما ترسخت من قبل في العامين ٢٠٢٤ و٢٠٠٦، بل وقبل ذلك أيضًا، الحقيقة الخالدة بشأن ضرورة تجنب الكارثة الإنسانية المتعددة الأبعاد التي تخلّفها الحرب. وبذلك، يتحول درس الحروب الثلاث إلى قناعة راسخة مفادها أن السلام لا غنى عنه للتنمية الوطنية من مختلف منظورات السيادة التقليدية والمعاصرة بالنسبة إلى دولة صغيرة مثل لبنان.

يُعد الاقتصاد المستدام أي الاقتصاد الذي لا يعيد إنتاج التقلبات الحادة بين نمو في السنة الأولى وركود بين السنة الثانية والخامسة والذي يستثمر الإبداع المحلي الأصيل والإنتاجية المندمجة عالميًا ويحقق المعايير العالمية في موازنة الحسابات الوطنية على مستوى التجارة والمدفوعات ويحافظ على أصوله الطبيعية والبشرية والاجتماعية وينمو من دون الدخول في برامج نقدية مولّدة للتبعية ويستطيع إعالة السكان من دون الحاجة المتكررة إلى مساعدات غذائية خارجية بسبب الطوارئ الاجتماعية، هدفًا قابلًا للتحقق في لبنان. غير أن ذلك لا يمكن أن يحصل إلا في زمن السلام.

وقبل الشروع حتى في الحديث عن أسس السلام العملي في لبنان، ينبغي الإقرار بأن السلام الاقتصادي ليس إلا طرحًا بالغ الصعوبة. إذ إن السلام الاقتصادي المستدام في القرن ٢١ عمومًا وفي الشرق الأوسط خصوصًا ليس فكرة يسهل تسويقها وذلك من وجهتين نظر متعارضتين.

تتمثل وجهة النظر الأولى في أن مبدأ السلام يعرّف عن نفسه من خلال الواقع التاريخي لبناء السلام كونه وجهة نظر ومثلًا أعلى أكثر من أن يكون أساسًا اجتماعيًا دائمًا. ومن وجهة النظر هذه، لا بد من الاعتراف بأن السلام الكامل والطويل الأمد لا ينتج من عقود مثالية بين جمهوريات مستنيرة وذات سيادة. بل هو مثال رؤيوي يستحق السعي إليه لكنه لا يتحقق بناءً على سيادة أمة واحدة مهما بلغت قوتها الأمة. إنه واقع سياسي متخيّل لا يملك في السياق اللبناني حتى سابقة عابرة.

أما وجهة النظر الثانية، التي لا تقل أهميّة لكنها تكاد أن تكون معقّدةً تعقيدًا في معضلة السلام العملي فتستند إلى ملاحظة اقتصادية وسياسية ثلاثية. أولًا، لا تكون المقاربات ذات المحصلة الصفرية في المنافسة الاقتصادية بما في ذلك تلك التي تنطوي على تداعيات عسكرية أدنى اقتصاديًا دائمًا من المقاربات التعاونية والمتبادلة المنفعة؛ إذ إن الافتراض القائل إن الربح المتبادل هو دائمًا الخيار الأفضل لا يصمد. ثانيًا، ندرك اليوم مدى اتساع وترابط المكاسب والخسائر المحتملة من خلال المجالات البيئية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية أي أن حربًا كبرى في القرن ٢١ قد تفضي إلى نتائج غير قابلة للتنبؤ فعلًا وتهدد وجود البشرية ككل. ثالثًا، لم تعد الاتفاقات الرامية إلى تجنب النزاع العسكري والعداء السياسي كافية لضمان قدرة الدول الفردية على استدامة اقتصاداتها أو الحفاظ على حقها في تقرير مصيرها الاقتصادي وقد تكون هذه الفجوة في العصر الرقمي الراهن أوسع مما كانت عليه سابقًا.

سيتعين صوغ السلام العملي في العصر الرقمي من قبل المجتمع العالمي المترابط اقتصاديًا بين الأمم وذلك على أساس فهم مفاده أن الحرب، بغض النظر عن أي حصيلة أولية توحي بمحصلة صفرية قائمة على رابح وخاسر، تتحول على المدى الطويل إلى لعبة يخسر فيها الجميع وبقابلية تنبؤ تصل نسبتها إلى ١٠٠٠ في المئة.

وعلى الرغم من أن هذه الخلاصة الأخيرة في التفاعل السياسي والاقتصادي بين الحرب والسلام لم تكن في صلب الاهتمام العالمي خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، فإن الصراعات التي تعصف في منطقة الشرق الأوسط في عامنا هذا أعادتها بقسوة إلى الواجهة. ودعمًا لهذا الرأي، وعلى الرغم من انطواء مسائل الحرب والسلام بوضوح على مكاسب وخسائر عند النظر إليها من زاوية سياسية واقتصادية، فإن أسواق الطاقة الدولية في ربيع هذا العام وصيفه تقدم حجة بالغة الإقناع على أن قرارات الحرب والعدوان تخلّف آثارًا عالمية غير متوقعة ومضرّة في شبه جميع الاقتصادات الوطنية.

وفي هذا السياق، لا يمثل النفط الخام سوى نموذج اقتصادي واقعي واضح للغاية ضمن سلسلة من الحجج المتصاعدة ضد تفكك العالم الاقتصادي. كما أن يتمثل درسًا سياسيًا واقتصاديًا ملموسًا آخر من حرب إيران في العام ٢٠٢٦ في التعقيد الذي يربط بين كلفة الفرصة البديلة للحرب وضآلة عوائد السلام. فقد أدى توسع البنى المالية الفوقية التي تحكم التجارة العالمية خلال العقود الأربعة الماضية إلى تضخم التدفقات المالية العالمية لكنه زاد أيضًا وبشكل جذري الهشاشة النظامية والحاجة إلى رقابة مكلفة والمخاطر المرتبطة بالتفكك. ووفقًا لورقة بحثية صدرت في حزيران/ يونيو من العام ٢٠٢٦ ضمن مبادرة المنتدى الاقتصادي العالمي بشأن الإبحار في تفكك النظام المالي العالمي، على سبيل المثال، قد يصل خطر التفكك المالي النظامي بما يشمل الرسوم الجمركية والصراعات التجارية في أسوأ السيناريوهات إلى مبلغ ٦.٩ تريليون دولار أي أكثر من ٦ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وبذلك، يظهر تاريخ الشرق الأوسط في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين أنه أكثر من مجرد معلّم أخلاقي صارم وعنيد يؤكد أن السلام رؤية تستحق السعي إليها. فهو يبيّن للعالم أن السلام الاقتصادي هو الأساس الذي لا غنى عنه لحالة السيادة المستدامة. وترى مجلة Executive، على نحو لافت، أن هذا «السلام العملي» يمثل أساسًا لدولة لبنانية سيادية.

فخ الانقسام الذاتي

يمكن وصف العقبة الأساسية أمام تطبيق السلام العملي على مستوى الدولة في لبنان بأنها «الفخ اللبناني». ويحاول هذا المصطلح جزئيًا تقنين واقع عمره قرون مفاده أن الكيان السياسي اللبناني كان حدثًا هامشيًا في الجغرافيا السياسية لكنه كان أيضًا لقمة مغرية للإمبراطوريات التوسعية. فقد استخدم المستعمرون والغزاة والقوى الاستعمارية الجديدة الممر الساحلي العسكري والسياسي في شرق المتوسط كما جلسوا إلى موائد صنع القرار المحلي إما مباشرة وإما بالوكالة.

شكّل الوجود داخل حدود ضيّق للغاية مصير كثير من الكيانات السياسية الصغيرة القائمة في أراض يصعب الدفاع عنها. لكن في لبنان، زاد غياب الهدف المشترك بين جماعاته المتنوعة ثقافيًا واقتصاديًا من حدة هذا التشظي إلى جماعات صغيرة. قد يشكّل هذا التنوّع مصدر قوّة كبيرًا، غير أنّه أفضى تاريخيًا، بدلًا من ذلك، إلى تعميق بُعدٍ شبه مستعصٍ من القيود التي تكبّل هذا الكيان السياسي الصغير، أي الفخّ اللبناني.

وعلى امتداد آلاف السنوات، أعاد الغزاة والإمبراطوريات الغازية والزعماء المحليون نصب هذا الفخ مرارًا عبر استراتيجية «فرّق تسد». علاوة على ذلك، استفاد كثير من مغتصبي السلطة من منافسة محلية بين الجماعات يمكن تلخيصها بعبارة «انقسموا بأنفسكم كي تُحكموا». وعند فحص الذهنية اللبنانية المعاصرة في القرن الواحد والعشرين، يجدر التذكير بأن كل لبناني كان يعرّف نفسه كشخصٍ آتٍ من طيف واسع من الجماعات القائمة على الانتماء الديني وذلك قبل وقت طويل من نشوء التنظيمات الطائفية السياسية والاقتصادية الحالية الحاملة السلاح علنًا أو سرًا في محطات مختلفة في القرن الماضي.

يمثل هذا التشظي التاريخي وهذا التنوع قاعدة لبنان الثقافية. فهو قيد من جهة وفرصة ذهبيّة من جهة أخرى. لكن يمكن تحويل هذه الفرصة إلى الفخ اللبناني بثلاث طرق. الأولى، عندما تبقى الجماعات المتنوعة في البلاد عرضة للفساد. والثانية، عندما يذعن الكيان السياسي مرارًا للإمبراطوريات الأجنبية وأشباه الإمبراطوريات الحديثة عند اتخاذ القرارات الوطنية. والثالثة، وعندما تميل الجماعات المحلية إلى تجنب تحمل المسؤولية عن سلوكها على الرغم من أنّها تشكّل أساس السيادة. ونتيجة لذلك، تتشكل ذهنية خضوع معلن للقوى الخارجية،تقترن بتبادل وقح للاتهامات بين الجماعات.

التشبّث بأوهام السيادة

يشكل المثال الإقليمي بالفعل مادة نموذجية لدراسة عيوب تجربتين فكريتين حظيتا بشعبية واسعة في القرن العشرين عند بناء السلام العملي أي بناء السلمية السياسية وعوائد السلام الاقتصادي. فتتمثل البيئة التي أتاحت هذه الدراسة في الحضور الواسع للأديان والأيديولوجيات المتنوعة التي تنافست على ولاء الكيانات السياسية والمجتمعات في أنحاء المنطقة. إضافة إلى ذلك، شهدت المنطقة، على مستويات المجتمعات الشبيهة بالقبائل والدول القومية والقوى الطامحة إلى الهيمنة منافسة نشطة لاستقطاب الالتزام الشعبي بأنظمة هوية تراوحت تاريخيًا بين الإسلاموية المكرّسة والصهيونية الراسخة والحكم الوراثي والليبرالية الرأسمالية المطلقة واليوتوبيات الاشتراكية والشمولية اللاادارية، وصولًا في الآونة الأخيرة إلى فوضى وسائل التواصل الاجتماعي.

لا تتحقق السلمية السياسية والسلام الاقتصادي في المجتمعات الأكثر تطورًا كما أنهما لم يظهرا أثرًا نظاميًا في البلدان الأقل نموًا التي تكافح من أجل البقاء الأساسي. لكن، في السياق العربي الإقليمي، ووفقًا للمفكر والكاتب الاقتصادي اللبناني نسيم طالب “لقد أثّر المشرق بشكل هائل على الاقتصادات بشكل لم يتوقعه أحد.”ٍ

وعندما نتعمّق أكثر في لغز الذهنية اللبنانية، نكتشف أن الحكمة ضرورية في اللجوء الى الأبحاث العلمية بشأن تطور العقليات من منظورات الذاكرة والانتقاء المعرفي والعقل. فقد أقنعت سنوات من الأبحاث معظم الناس حول الذاكرة الترميمية والبنائية بأن الذكريات ليست تسجيلات ثابتة للوقائع. على سبيل المثال، جرى تسليط الضوء في منتصف القرن الماضي على التنافر المعرفي بوصفه آلية للتكيف مع التناقضات المستعصية عبر الإقصاء الذهني. أما مَلَكة العقل البشري نفسها، فقد أُشير إليها في وقت سابق من القرن الحالي من زاوية منفعتها الاجتماعية ومنفعة رأس المال الاجتماعي أي القدرة على استخدام التفكير لبناء الحجج بعد وقوع الحدث وكسب القبول الاجتماعي وهو ما يراه طالب أيضًا مكوّنًا أساسيًا في حادثة “البجعة السوداء”.

ويتفوق هذا الجانب التبادلي من العقل، وفقًا لدراسة في «لغز العقل»، على الوظيفة الفكرية للعقل كأداة لاكتشاف الحقيقة أو تحسين اتخاذ القرار وهو أمر يبهج السياسيين والصحافيين. وفي سياق الاقتصاد السلوكي، كما في الدراسات السلوكية الأوسع، اكتسبت النقاشات حول الذاكرة والعقل ومجموعة واسعة من العمليات والتحيزات المعرفية صفة الحقائق البديهية. ويمكن لفهم هذه الحقائق أن يوضح الانقسام المعرفي اللبناني والقتامة التي تطبع الذهنيات التي صاغتها صدمة بعد صدمة، وأثرت فيها سردية زائفة بعد سردية زائفة كما يبدو الحال في المجال الذهني اللبناني بعد قرون من واقع هش وغير سيادي وهو واقع أنتج عبر البنى التطورية ذهنيات لبنانية معاصرة كأدوات للبقاء والاندماج الاجتماعي.

يبقى السلام رؤية لم تُسقطها الصدمات التاريخية في القرن الماضي بسبب الرعب من عبارة «لن يتكرر ذلك أبدًا» إلى شر أسلحة الدمار الشامل. لكن السلام الكامل لم يتحقق قط حتى مع كل المهارات والتكنولوجيا وتراكمات المعرفة في القرن العشرين. ومع ذلك، ينبغي أن تكون المقاربة الأكثر عقلانية هي أن السلام العملي حالة وجودية جديرة بالسعي وقابلة للتحقق، لكن كذلك أن السلام الاقتصادي والديمقراطية الاقتصادية في ظل الوقائع الإقليمية خلال الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، لا يشكلان بعد منصة وجودية قابلة للتحقق واقعيًا بالنسبة إلى أشخاص يميلون إلى النزاع أي الإنسان غير العاقل.

وعلى الرغم من هذا التشاؤم، تبدو إعادة تشكيل نطاق السلام الاقتصادي والديمقراطية الاقتصادية وربما يتوسّع. وتتمثل المسألة في السيطرة على الأرض وعلى عالم افتراضي ثلاثي الأبعاد وعلى السردية في العالم الرقمي ضمن اقتصاد عالمي تبلغ قيمته تريليونات من الدولارات وحيث تسيطر أكبر قوتين فيه وهما الولايات المتحدة والصين، على نصف الإنتاجية الإجمالية رغم تناقضهما الأيديولوجي والثقافي والاجتماعي وحيث باتت الحروب التي تبلغ كلفتها تريليونات الدولارات تتحول إلى قاعدة في النزاعات المسلحة.

بالنسبة إلى العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع، يأتي النطاق الجديد لمخاطر الحرب والسلام في بيئة سياسية واقتصادية رقمية في وقت أُعيد فيه التأكيد على ارتفاع خطر النزاع وفي وقت أكد فيه النموذج الإيراني استعداده للعمل كفاعل صراعي مصمم وغير مقيّد عندما يكون تحت التهديد. كما يأتي ذلك خلال مرحلة انعطاف في الاقتصادات العربية. إذ تسعى الاقتصادات السلطوية المصدرة للنفط في الخليج إلى إعادة صياغة أدوارها لتصبح مراكز للنقل والسياحة والتجارة والخدمات وذلك جزئيًا عبر جهود متقدمة لاعتماد الذكاء الاصطناعي وطموحات في ريادة الأعمال.

وتساهم هذه العوامل في تحولات القوة الإقليمية وفي بروز أخطار جديدة لاختلال التوازن وتزداد هذه الأخطار ثقلًا في لبنان بسبب أن إسرائيل اليوم ليست مجرد اقتصاد متطور ضمن شريحة الدخل المرتفع للرأسمالية المتقدمة مع صادرات تكنولوجية وعسكرية ضخمة. ففي العام ٢٠٢٦، تقف إسرائيل كلاعب مهيمن إقليميًا يمتلك خطة أيديولوجية وسياسية واقتصادية توسعية. وربما تتمثل أوضح صور التحول في موقع إسرائيل في تزايد صادرات الأسلحة الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة وفي محاولتين جديدتين للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة كي تصبح إسرائيل شريكًا استراتيجيًا في بنى تحتية عسكرية تكنولوجية بالغة الأهمية.

في ظل هذه الظروف، لا تفيد المقارنات بين الماضي والحاضر ولا ذكريات المصالحات شبه المكتملة سابقًا بين لبنان وأي جار أو قوة إقليمية. فقد برزت مراكز قوة جديدة ومتنافسة ذات إمكانات نزاع إقليمي في إسرائيل وإيران ومجلس التعاون الخليجي. وعند مقارنة لبنان بالمصالح المتزايدة لهذه الدول وبقدراتها على المنافسة الاقتصادية، يبدو أن الإمكانات السياسية والاقتصادية اللبنانية ذات أقل أهمية قد بلغت أدنى مستوياتها منذ عقود عدة. وكما أثبتت حرب آذار/ مارس من العام ٢٠٢٦ مرة جديدة، يعاني البلد عجزًا عن الدفاع عن أراضيه كما أنه واضح من خلال التوغلات في أراضيه أو أمام ما يسميه منتقدو إسرائيل «غَزونة» من دون رادع.

وأخيرًا، إنّ تتمثل قاعدة الفخ اللبناني المادية في اجتماع ضيق مساحة الدولة وضعف قوتها السياسية ومحدودية قدراتها العسكرية مع جاذبية البلاد للغزاة المحتملين. ويجمع هذا الفخ بين تجربة امتدت قرونًا من الهشاشة الشديدة أمام الضغوط الخارجية بما في ذلك الرعاة الأجانب للاقتصاد وبين استعداد كيان سياسي منقسم داخليًا لنبذ جماعات بدل بناء مسارات اندماج.

يغيب الدليل على أنّ السيادة قد حمت لبنان يومًا ودفعت هذه الدولة إلى حد يجعلها منافسًا ندًا مقارنة بالدول المجاورة كما يغيب الدليل على مفهوم صحيح للسيادة الوطنية يمكن التعويل عليه كركيزة لنجاح لبنان مستقبلًا. علاوة على ذلك، لا تملك بيروت أي ورقة ضغط سياسية أو عسكرية أو اقتصادية يمكن توظيفها في هذا الوضع. لكن يبقى السير قدمًا متاحاً من خلال إعادة تشكيل طريقة التفكير والعقلية في صميم الفخ اللبناني. ففي هذا الإطار، يمكن للبلد تغيير مساره.

You may also like