قبل شهر آذار/ مارس ٢٠٢٦، بدت العوائق التي عثّرت الطريق الى تعافي الاقتصاد اللبناني المتشظي هائلة إلى حد كبير، لكنها لم تكن معدومة الأمل بالكامل. فقد وقفت شبكات فساد متجذرة في وجه الإصلاح في الإضافة إلى العدوان الإسرائيلي المتواصل تحت غطاء وقف إطلاق النار الذي أعقب نزاع العام ٢٠٢٤ الذي شرّد أكثر من مليون شخص وألحق أضرارًا بمليارات الدولارات في البنية التحتية. وبعد الهجوم الأميركي والإسرائيلي غير المبرر على إيران في ٢٨ شباط/ فبراير، سرعان ما تحوّل تجدد ذلك النزاع النشط في لبنان إلى سيناريو تهديد تصاعدي بحيث باتت الكلفة البشرية وأضرار البنية التحتية خلال العامين الماضيين مهددتين بتجاوز مستويات سابقة كما ارتفعت مشاعر انعدام الثقة والتوترات الاجتماعية إلى حد جديد.
ومع أنّ القرارات المرتبطة بالحرب الجديدة وتصعيدها الإقليمي لم يكن في مقدور الحكومة في بيروت التأثير فيها في أي وقت، فيرسّخ هذا النزاع الذي قد يغيّر وجه العالم درسًا ذات أهمية بشأن ضرورة السيادة الكاملة. فتتطلّب إدارة بلد يعيش أزمات متراكمة اتخاذ قرارات سريعة وغالبًا تحت الضغط وبالاستناد إلى معلومات غير مكتملة. ومع ذلك، تعاني قدرة لبنان على قياس اقتصاده بنفسه أي على احتساب ما ينتجه وما يدين به ومن يعمل ومن لا يعمل من قيود شديدة. وهنا يبرز ما يحدث عندما تعجز دولة مأزومة عن العد بصورة موثوقة.
تفعيل البيانات
لا تجري عملية جمع البيانات في لبنان عبر نظام واحد متكامل، كما أنّ لا تُنشر جميع مجموعات البيانات بصورة منهجية تتيح للجمهور الوصول إليها. فلا توجد منصة مركزية واحدة يمكن من خلالها النفاذ إلى كل البيانات الاقتصادية ذات الصلة في مكان واحد. وفي العموم، يعتبر التعاون واجب لكن التوحيد القياسي وسهولة الوصول والتجميع لا تزال محدودة. فيعمل النظام على هذا الأساس لكنه يعتمد إلى حد كبير على الجهد الإداري.
ومن منظور المالية العامة، يتوافر الوصول إلى المعلومات بصورة عامة. وغالبًا ما يبدأ الحصول على بيانات الموازنة والبيانات المالية بطلبات رسمية. وتقول المحللة الاقتصادية ومحللة بيانات في معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي طونيا سلامة: “انطلاقًا من تجربتي الشخصية، لم يحصل أن لم نتلقَّ البيانات”. وتضيف: “أحيانًا تصل البيانات بسرعة كبيرة وأحيانًا لا، لكننا نتلقاها”.
وتتعاون المؤسسات عمومًا. لكن التحدي يبدأ بعد وصول البيانات.
فبدلًا من أن تتدفق المعلومات عبر أنظمة رقمية موحدة، قد تصل في على شكل ملفات PDF ممسوحة ضوئيًا أو جداول Excel غير منظمة أو حتى وثائق مطبوعة تتطلب إدخالًا يدويًا. وتشرح سلامة: “لكل مؤسسة صيغتها الخاصة. لا توجد صيغة موحدة يستخدمها الجميع”. وتضيف: “أحيانًا نتلقى أوراقًا أيضًا، ونتولى نحن إدخال البيانات”.
ونتيجة لذلك، يمضي المحللون وقتًا كبيرًا في تحويل مجموعات البيانات وتعريبها قبل أن يتمكنوا من بدء تحليل واضح. فبدلًا من التركيز مباشرة على التفسير، يُطلب من المحللين توحيد البيانات الخام وتسويتها مما يزيد التأخير ويفتح المجال أمام التباينات. وتشير سلامة إلى البنية الإدارية والرقمية الأساسية فتقول: “إذا لم يكن البرنامج متاحًا، فلا يمكن جمع بيانات عالية الجودة. وإذا كان البرنامج قديمًا ولم تكن كل الأمور مؤتمتة، فكيف ستُجمع البيانات؟”
ومن منظور القطاع الخاص، تجمع غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان التقارير الاقتصادية من خلال الاستناد إلى مصادر رسمية متعددة، هي إدارة الإحصاء المركزي ومصرف لبنان ووزارة المالية والسلطات الجمركية والمؤسسات الدولية علمًا بأن كل جهة تعمل ضمن إطارها الخاص في إعداد التقارير. وقد تحدثت Executive مع ممثلين اثنين من غرفة التجارة فضّلا أن تُنسب تصريحاتهما إلى الغرفة ككل بدلًا من نسبها اليهما شخصيًا. ويشرح أحد الممثلين: “نحصل دائمًا على البيانات من المصادر الرئيسة من أجل ضمان الدقة”. لكنه يضيف: “أحيانًا لا تتطابق الأرقام”.
وقد تختلف تقديرات الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملحوظة بين الجهات المحلية والدولية بسبب اختلاف المنهجيات. ووفقًا لأحد ممثلي غرفة التجارة الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، بلغ التفاوت “حوالي ملياري دولار” في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للعام ٢٠٢٣ إذ تراوحت تقديرات صندوق النقد الدولي بين ٢٣.٦ و٢٤ مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، كشف توقع النمو عن فجوة واسعة، على حد تعبير الممثل نفسه، إذ قال: “حتى صندوق النقد الدولي يتحدث عن نمو بنسبة ٣.٥ في المئة في حين تقول الحكومة أنّه قد بلغ ٥ في المئة”.
ولا تعني هذه الفروقات ضرورة وجود تلاعب. بل تعكس اختلافات منهجية وغياب آلية مركزية للتجميع والتحقق. ومن دون تسوية مؤسساتية، تمسي مهمة التحقق المتقاطع مسؤولية المحللين الخارجيين بدلًا من أن تضطلع بها الدولة نفسها. وتظهر تحديات مماثلة في إحصاءات العمل. فتتفاوت تقديرات البطالة تفاوتًا واسعًا بين التقارير إذ تتراوح بين نحو ٣٠ في المئة وما يزيد على ٤٠ في المئة. فيعود أحدث تحديث شامل عن سوق العمل إلى العام ٢٠٢٢.
وفي القطاع الزراعي، يقدّم مركز البحوث والدراسات الزراعية اللبنانية نموذجًا ثالثًا يقوم على جمع ميداني مستمر للبيانات بدلًا من المسوحات المتقطعة. ويقول رئيس المركز رياض سعادة: “الإحصاءات مستمرة”. ويضيف: “هنا يكمن الفرق”.
ويقوم نظام المركز على تمويل ذاتي، كما طُوّر على مدى عقود. وهو يتتبع الإنتاج الزراعي عبر المواسم والمناطق والمتغيرات الاقتصادية الجزئية. ويشرح سعادة: “نحن لا ندرس منتجًا بل ندرس الموسم”. وبما أنّ الإنتاج الزراعي يختلف بحسب المنطقة والمناخ وأساليب الري ودورات الإنتاج، يصبح الرصد الموسمي أكثر دقة من المتوسطات الوطنية العامة.
ويعتمد المركز على مهندسين ميدانيين مندمجين في المجتمعات المحلية من أجل تتبع المساحات المزروعة والمساحات المنتجة والمردود وأساليب الري وكلفة الإنتاج وأسعار المزارعين. كما تُراجع البيانات مرتين وتُحدّث باستمرار وبالتالي تنتج صورة مفصلة عن الأداء الزراعي.
ومع ذلك، عندما سُئل سعادة عمّا إذا كانت وزارة الزراعة تعتمد بصورة منهجية على هذه البيانات في صنع السياسات، جاء جوابه واضحًا: “لا، على الإطلاق”. كما تشير التقييمات المستمرة للمركز إلى أنّ القطاع الزراعي في لبنان على الرغم من تلقيه تمويلًا خارجيًا كبيرًا على مدى العقود الماضية، لم يسجل نموًا في الإنتاج يتناسب مع هذا الاستثمار. ووفقًا لسعادة، يعود أحد أسباب ذلك إلى أنّ كثيرًا من المشاريع لم تُكيّف بفاعلية مع السياق اللبناني ولم تستند إلى بيانات محلية. وبدلًا من ذلك، غالبًا ما تتبع هذه المشاريع نماذج دولية موحدة يقودها مديرو مشاريع أجانب.
فيتكرر النمط نفسه في مختلف القطاعات. فالبيانات موجودة وعندما تُجمع بجهد تُعد موثوقة لكنها لا تُدمج بصورة منهجية في القرارات السياسية.
ضعف البنيوية كامن في الأرقام
يكمن قيد أعمق في البنية التحتية الرقمية نفسها. فلا تُرقمن جميع البيانات الحكومية بالكامل. وفي بعض الحالات، توجد مجموعات البيانات لكنها مخزنة في أنظمة قديمة أو في أرشيفات ورقية. ومن دون أتمتة كاملة، يصبح الاستخراج والتجميع المنهجيان أكثر صعوبة. وبذلك، لا تقتصر التحديات الإحصائية في لبنان على مشكلات التنسيق الشكلي بل تعكس حقائق بنيوية أعمق.
ويعمل جزء كبير من النشاط الاقتصادي في القطاع غير الرسمي. فثمة مؤسسات غير مسجلة وعمالة غير مصرّح عنها ودخول لا يُبلّغ عنه بالكامل. وحتى أكثر الأنظمة الإحصائية تطورًا لا يمكنها أن ترصد بالكامل نشاطًا يفلت من الرقابة الرسمية. وتقر سلامة من معهد باسل فليحان قائلة: “نعم، إن حصة القطاع غير الرسمي في لبنان مرتفعة جدًا”. وتضيف: “ولذلك، لا يتوافر جزء من البيانات من أجل تحليله”.
كما يفاقم عدم الاستقرار السياسي انقطاع الاستمرارية. ففي السنوات التي عجز فيها البرلمان عن إقرار قوانين الموازنة السنوية، فقد الإبلاغ المالي اتساقه. وتوضح سلامة: “لدينا بيانات لبعض السنوات، ثم لا تكون لدينا بيانات لسنوات أخرى”. وتضيف: “على سبيل المثال، لم يُقَر قانون الموازنة في العامين ٢٠٢١ و٢٠٢٣. كانت لدينا المسودة، لكن لم يكن لدينا القانون”. وقد استمر الإنفاق، لكن الموازنة السنوية لم تُقر رسميًا في البرلمان. وبذلك، لم تكن المشكلة غياب الأرقام بل انهيار الإيقاع المؤسسي.
وأضاف تقلب سعر الصرف طبقة أخرى من الاضطراب. ففي فترات تعدد أسعار الصرف، افتقدت القيم الاقتصادية إلى نقطة مرجعية واحدة. ولذلك، اضطر المحللون إلى احتساب مكوّنات العملة كلٌّ على حدة. ويقول أحد ممثلي غرفة التجارة: “لا يمكن بناء اقتصاد قوي مع تعدد التسعير”. وبذلك، لا يربك عدم اتساق العملة الأسواق فحسب، بل يربك القياس أيضًا. فتضعف قابلية المقارنة الإحصائية فعندما تعمل الأسعار والأجور والحسابات العامة وفق معايير مختلفة.
ويطرح مركز البحوث والدراسات الزراعية اللبنانية نقدًا مختلفًا لكنه مرتبط بالموضوع عينه أي تصميم المشاريع الإحصائية الممولة من الجهات المانحة.
ويقول سعادة: “عادة ما يكون مديرو المشاريع من الكوادر الدولية، ويطبقون المنهجية المعيارية حرفيًا”. ويضيف: “غالبًا لا يُكيَّف المشروع استنادًا إلى المعرفة بلبنان وسياقه”. وتنطوي حجته على بعد منهجي. فهو يؤكد أنّ النماذج الإحصائية يجب أن تعكس التنوع المحلي وأنماط الإنتاج والوقائع الاجتماعية والاقتصادية، بدلًا من الاعتماد الحصري على قوالب دولية موحدة.
وتُعدّ اللاشكلية وعدم الاستقرار السياسي وانعدام الأمن الوطني وتقلب سعر الصرف قيودًا يعزّز بعضها بعضًا. فيضيّق اقتصاد غير رسمي واسع نطاق القاعدة الضريبية ما يضعف القدرة المؤسسية وما يخفّض جودة الإحصاءات وبالتالي يمسي تصميم سياسات تعيد النشاط غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي أكثر صعوبة.
تأثير البيانات، إذا وُجدت، على تشكيل السياسات؟
في معهد باسل فليحان، تلاحظ سلامة تزايد الطلب على التحليل القائم على الأدلة. وتقول: “نجد طلبات أكثر على البيانات”. وتضيف: “الجميع مدرك أننا نحتاج إلى معلومات قائمة على الأدلة من أجل اتخاذ القرارات”. كما تقول: “يتأثر الجميع إذا لم يستند القرار إلى الوقائع”.
أما في غرفة التجارة، فتبدو النبرة أقل تحفظًا. إذ قال أحد الممثلين الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم في إشارة إلى الأزمة الاقتصادية متعددة الطبقات: “لو كانت القرارات تستند بالكامل إلى الأرقام لما كنا في هذا الوضع منذ ست سنوات”. وفي الوقت عينه، أشارت الغرفة إلى أنّ تحسينات التي جرى التخطيط لها في مجالات مثل إيرادات المرفأ ومراقبة الضرائب. وتُظهر الجهود الرامية إلى تعزيز تحصيل الإيرادات وتقليص الهدر أنّ البيانات والرقابة يمكن أن تدعما إصلاحات محددة ولا سيما في سياق الانهيار المالي. غير أنّ هذه التحسينات لا تزال محدودة، ولا تندرج ضمن تغيير منهجي شامل.
أما لسعادة رأي آخر إذ قال: “تُبنى القرارات إما على بيانات غير مكتملة أو على بيانات غير صحيحة”.
ويعكس هذا التباين في النبرة حالة أعمق من عدم اليقين، إذ قد تُطلب البيانات لكن دمجها في تصميم سياسات منظم لا يزال غير متّسق.
تتراكم العواقب تدريجيًا عندما تمضي القرارات قدمًا من دون قياس موثوق. فقد تسيء الشركات تقدير ظروف الاستثمار. وقد يواجه المواطنون تدابير ضريبية أو دعمًا غير مضبوطين على نحو مناسب وقد يُساء تخصيص الإنفاق العام كما قد يضعف تسلسل الإصلاحات. وبذلك، لا يعزل نقص الدقة أو عدم اكتمال البيانات المخاطر بل ينشرها في أنحاء النظام.
وفي الوقت عينه، تتداول الأرقام الاقتصادية اليوم بسرعة في بيئة رقمية مسيّسة ومشحونة. وتقول سلامة: “نحن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا ومن السهل جدًا على أي شخص أن ينشر أي رقم ثم ينتشر على نطاق واسع سواء كان صحيحًا أم لا”.
فعلى سبيل المثال، في بداية الأزمة الاقتصادية، انتشرت عبر الإنترنت مزاعم تفيد بأن لبنان يحتل المرتبة الأولى عالميًا في احتياطات الذهب ثم تبيّن لاحقًا أنّ هذا الادعاء مضلل. فعلى الرغم من امتلاك البلد لاحتياطات كبيرة من الذهب لكنه لا يحتل موقعًا بين أكبر الحائزين على مستوى العالم.
وتشدد سلامة على أهمية التحقق من المصادر. فليس كل رقم يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي أو على شاشات التلفزيون جديرًا بالثقة، كما أنّ البيانات الموثوقة ينبغي أن تصدر عن مؤسسات معترف بها. ومع ذلك، لا يزال الوصول إلى هذه البيانات غير متكافئ. وتضيف: “ليس الجميع يعرف أين يمكن العثور على هذه البيانات”. وعلى الرغم من أنّ الإحصاءات الرسمية قد تكون منشورة، فإن العثور عليها ليس سهلًا دائمًا، كما أنّها لا تُعمَّم على الجمهور بصورة واسعة.
ويتفق ممثل غرفة التجارة مع هذا الرأي، إذ يرى أنّ التغطية الإعلامية غالبًا ما تتضمن إحصاءات انتقائية أو يساء تفسيرها، لكنه يصر على أنّ الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات معترف بها تبقى موثوقة على نطاق واسع.
ولا تكمن المشكلة بالضرورة في إنتاج البيانات. بل تكمن في تفسيرها وفي غياب التجميع. فعندما تتداول أرقام متعددة من دون تسوية واضحة، قد يحل الالتباس محل الوضوح، حتى عندما تكون البيانات الأساسية موثوقة.
ما بعد الإحصاء: ما الذي يتطلبه الإصلاح؟
يتمثل التحدي الاقتصادي في لبنان في غياب التكامل المؤسسي الذي يتيح للخبراء العمل ويجعل مجموعات البيانات تُسهم في صياغة السياسات. لذلك، على الإصلاح أن يبدأ في تعزيز النظام الإحصائي عينه. فتحتاج الوزارات والمؤسسات العامة إلى منهجيات منسقة وصيغ رقمية موحدة وجداول نشر منتظمة ويمكن التنبؤ بها. كما ينبغي أن تستند عملية جمع البيانات إلى صلاحيات مؤسساتية واضحة بدلًا من أن تعتمد بصورة أساسية على مشاريع موقتة أو على تمويل خارجي. ثمّ، تصبح الموازنات المستقرة والاستثمار التقني عنصرين أساسيين لضمان الاستمرارية.
ولا تقل مسألة ربط الإنتاج الإحصائي أهمية بتقييم سياسات منظم. فيفتقر لبنان إلى قدرة دائمة داخل الحكومة على إعداد نماذج الاقتصاد الكلي والمالية العامة. ولذلك، ينبغي تقييم القرارات السياسية الكبرى، بما فيها مقترحات الموازنة والتدابير الضريبية وإصلاحات الدعم وتعديلات الأجور في القطاع العام في ضوء توقعات اقتصادية شفافة قبل تنفيذها. وفي لبنان، تغييب الآليات الرسمية التي تُلزم صانعي السياسات بإثبات أنّ قراراتهم قد استندت إلى الأدلة المتاحة. وهذا الغياب هو بحد ذاته خيار سياسي.
ويجب أن تصدر القيادة المؤسسية من الحكومة ولا سيما عبر الجهات البحثية والإحصائية. لكن ينبغي أن يمتد التنسيق إلى ما هو أبعد من الحكومة. فعلى القطاع الخاص ومؤسسات البحث والهيئات المتخصصة أن تعمل ضمن منظومة منظمة تتكامل فيها عملية إنتاج البيانات والتحليل وتصميم السياسات وتكون متاحة للجميع.
لا تقتصر القضية على الجانب التقني فقط. ففي بلد يواجه أزمات متزامنة وقدرة محدودة على السيطرة على الصدمات الخارجية، تمسي القدرة على قياس الاقتصاد بصورة موثوقة أمرًا أساسًا لاتخاذ قرارات مدروسة ومستقلة. ومن دون ذلك، تُتخذ القرارات تحت الضغط ومن غير فهم واضح لتداعياتها.
