وكأنّ معاناة اللبنانيين وبؤسهم حكاية لا نهاية لها. فآخر مرّة سُجّلت البيانات فيها هي في ٢٨ شباط/ فبراير ٢٠٢٦ أي اليوم الذي شهد لبنان هجومًا “استباقيًا” وضع المعتدين الإسرائيليين والأمريكيين في مواجهة مباشرة مع الثيوقراطيين الأيديولوجيين الإيرانيين في حرب متبادلة. وقد دان وحسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذه الأفعال فورًا على انها قد انتهكت المادة ٢ من ميثاق الأمم المتحدة من جانب أطراف النزاع الثلاثة.
ولكن، على الرغم من كل الخطابات وما كان يفترض أن يتيحه الإدراك الأعمق للواقع، بدأت صواريخ حزب الله وطائراته المسيّرة وما تبعتها الترسانات العسكرية الأكثر تدميراً التابعة للجيش الإسرائيلي تُستخدم انطلاقاً من لبنان وضده. ومن منظور الأول من آذار/ مارس، لم تكن النتيجة الوحيدة الممكنة التوقّع سوى حصيلة مدنية مروّعة في أعداد القتلى، إلى جانب دمار اقتصادي هائل على الجانب اللبناني، وهو دمار لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع مسؤولية الجهات العربية التي أشعلت هذه «الردود».
يتكّرّر المشهد عينه في كلّ مرّة. فلن يقتصر الأمر على تكبّد سكان لبنان المتنوعين آلامًا فورية موجعة للغاية بل سيتراجع النمو الاقتصادي كما ستشلّ مخاوف المستثمرين المبرّرة كل خطط التنمية الاقتصادية التي تضعها الحكومة اللبنانية البائسة. ووفق التقدير المدروس لهيئة تحرير Executive، إذا يتطلب الانتقال إلى دورة ذات نمو اقتصادي حقيقي ومستدام العناصر x وy وz حيث x عدد السنوات وy إصلاحات وابتكارات هيكلية متأخرة وz إنفاقًا رأسماليًا بقيمة تتراوح بين ٨٠ و١٠٠ مليون دولار، فإنّ المتغير الأول انتقل إلى x+1 سنة أو حتى أكثر كما ارتفع الإنفاق الرأسمالي إلى ما بين ٩٠ و١٢٠ مليون دولار.
غير أنّه، عند التذكير بأحدث النكبات التي تضرب الأوضاع المحلية، لا بد من عدم نسيان أنّ عدم الاستقرار الإقليمي والاعتداءات المتعمدة ليسا السببين الوحيدين للعلّة المزمنة التي يعانيها البلد. فثمة نقطة ضعف بنيوية محددة، ضمن طيف واسع من المشكلات النظامية، تكمن في عمق الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي في لبنان، وهي غياب ذكاء اقتصادي مؤسساتي يوجّه عملية صنع القرار. ولذلك، يركّز هذا التحليل على هذه المسألة، لأنّها قد تكون العنصر الوحيد في مرجل الكوارث الحالية الذي يستطيع اللبنانيون التخفيف من حدته ومواجهته.
عمل لبنان طوال عقود من دون إطار منهجي يمكّنه من استباق المخاطر الاقتصادية أو محاكاة نتائج السياسات أو مواءمة السياسات المالية والنقدية والقطاعية. ومن أجل تصحيح تصور خاطئ شائع لدى الجهات المحلية المعنية فورًا، لا بد من التوضيح أنّ هذا الضعف البنيوي لا يعود إلى غياب كامل لجمع البيانات وتحليلها. إذ يواصل مصرف لبنان نشر مؤشرات نقدية ومالية، لكن بعض مكوّناتها لم يُحدَّث في السنوات الأخيرة. كذلك أصدرت وزارتا المالية والاقتصاد تقارير وإحصاءات، إلا أنّ النشر غاب في الأعوام الأخيرة. أما إدارة الإحصاء المركزي، فقد حافظت على النشر الشهري لمؤشر أسعار المستهلك، بعد أن كان فصليًا في ٢٠٠٧، لكن مجموعات بيانات حيوية أخرى لم تُحدَّث بالوتيرة نفسها.
بناءً عليه، لا تتمثل المشكلة في الغياب الكامل للبيانات، بل في تفاوت دورات النشر وافتقار المؤسسات إلى الاتساق والاستمرارية. ونتيجة لذلك، اتُّخذت القرارات في كثير من الأحيان تحت الضغط، من دون تقييم المفاضلات الاقتصادية الأوسع أو العواقب الطويلة الأمد.
في الحالة اللبنانية، تغذّي البيانات الرؤية الفكرية والحجج والنقاشات وخرائط الطريق، وتشكّل خارطة الطريق الاقتصادية الخاصة بـ Executive دليلًا واضحًا على ذلك، شأنها شأن أوراق استشارية أخرى ودراسات صادرة عن المجتمع المدني. لكن الدرس المحلي يفيد بأنّ هذه البيانات لا تقود القرارات. فما ينقص ليس الخبرة التقنية، بل نظام مؤسساتي يربط البيانات بالتحليل وبالسياسات على نحو منظّم. وهذا النظام هو الذكاء الاقتصادي. فهو القدرة على تحويل البيانات إلى تحليل، والتحليل إلى سيناريوهات، والسيناريوهات إلى خيارات سياسية قائمة على المعرفة.
ما هو الذكاء الاقتصادي؟
يشكّل قرار الحكومة الذي صدر في منتصف شهر شباط/ فبراير من هذا العام في ما يختص برفع أجور القطاع العام وتمويل ذلك من خلال زيادة أسعار المحروقات والضرائب على القيمة المضافة مثالًا واضحًا لقرار مالي اتُّخذ تحت الضغط وأثّر في النظام الاقتصادي بأكمله. فإجراءات كهذه تؤثر في التضخم وفي القدرة الشرائية للأسر وفي كلفة الأعمال. لذا، لا يمكن التعامل مع هذه القرارات بوصفها تعديلات مالية معزولة. بل تتطلب تقييمًا دقيقًا للمخاطر وللنتائج المتوقعة وللمفاضلات قبل التنفيذ. وهذه القدرة المنظّمة على استباق الآثار ومواءمة السياسة مع الظروف الاقتصادية هي ما يعرّف الذكاء الاقتصادي.
يمثل الذكاء الاقتصادي وظيفة أساسية من وظائف الحوكمة الحديثة. فهو يعزز الصمود الاقتصادي ويمكّن من اتخاذ قرارات مستنيرة، ولا سيما في فترات عدم اليقين. وعلى الرغم من أنّ هذا المصطلح لا يُستخدم على نطاق واسع في لبنان، فإنّ المفهوم يحتل موقعًا مركزيًا في الطريقة التي تدير بها الحكومات الفعالة اقتصاداتها.
لا تولّد البيانات الوضوح وحدها. فالإحصاءات تصف الحدث لكنها لا تفسّر السبب ولا كيف تتفاعل المتغيرات ولا ما قد يترتب على تغيّر السياسات من نتائج. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تحليل التضخم وفهمه بمعزل عن غيره. وقد ينجم ارتفاع الأسعار عن تراجع قيمة العملة أو نقص في العرض أو السياسة النقدية أو التوسع المالي أو صدمات عالمية في أسعار السلع. ومن دون إطار يرسم هذه العلاقات، يعمل صانعو السياسات انطلاقًا من نقاط بيانات منفصلة بدلًا من التعامل مع نظام مترابط. وفي جوهره، يتمثل الذكاء الاقتصادي في جمع المعلومات الاقتصادية وتحليلها بصورة منهجية من أجل توجيه السياسة العامة. كما يتطلب رصد المتغيرات عبر الأشهر والسنوات، كي يتمكن صانعو السياسات من تحديد الاتجاهات والدورات.
وإلى جانب البيانات، يتطلب الذكاء الاقتصادي قدرات تقنية ومؤسساتية. إذ ينبغي أن تكون الحكومات قادرة على بناء النماذج الاقتصادية وتفسيرها. وتمثل هذه النماذج أدوات تحليلية تحاكي كيفية تفاعل المتغيرات الرئيسية وكيف يمكن للتدخلات السياسية أن تؤثر في النتائج. كما تبني هذه النماذج علاقات بين متغيرات مختلفة وتمكّن السلطات من اختبار سيناريوهات بديلة قبل تنفيذ الإصلاحات.
لكن هذا وحده لا يكفي. إذ ينبغي أن تنسّق الهيئات الإحصائية ووزارات المالية والمصارف المركزية وهيئات التخطيط في ما بينها، كي تعمل ضمن نظام متكامل يتدفق فيه التحليل مباشرة إلى عملية اتخاذ القرار السياسي. وتعتمد جهات عابرة للحدود، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما تعتمد حكومات في دول متقدمة ودول نامية حول العالم، عادة من خلال وزارات واسعة القدرات ومصارف مركزية أو مجالس مستقلة للخبراء الاقتصاديين، على أطر نمذجة منظّمة لإنتاج توقعات وتحليلات اقتصادية كلية. ولا تقتصر هذه التمارين على كونها تقارير إحصائية، بل تقيّم أيضًا الأوضاع الراهنة والسيناريوهات السلبية، وتكمّي المخاطر، وتساعد صانعي السياسات على فهم عواقب الخيارات المختلفة.
كيف تُبنى النماذج الاقتصادية؟
قد تبدو النماذج الاقتصادية معقدة أو تقنية، لكنّها في الواقع تُبنى عبر تسلسل منطقي ومنظّم. تبدأ العملية ببيانات موثوقة. فتجمع الحكومات والمؤسسات معلومات تتعلق بالدخل القومي والتضخم والتوظيف والمالية العامة والتدفقات التجارية وأسعار الفائدة وأداء القطاعات. غير أنّ البيانات الخام وحدها تبقى وصفية وغير كافية. فهي تخبرنا بما يحدث، لكنها لا تشرح لماذا يحدث ولا ما الذي قد يأتي لاحقًا. ثم تأتي المرحلة التالية، وهي طرح الأسئلة الصحيحة حول كيفية تفاعل المتغيرات ذات الأثر الكبير. فعلى سبيل المثال، كيف يستجيب التضخم للتغيرات في سعر الصرف الوطني؟ وكيف يمكن أن تؤثر التغييرات الضريبية في الإيرادات وفي سلوك الاستثمار وفي النتائج التوزيعية؟ وكيف ستؤثر أسعار الطاقة في كلفة الإنتاج عبر القطاعات؟
لا تُفترض هذه العلاقات افتراضًا، بل تُقدَّر استنادًا إلى الأنماط التاريخية والتحليل التجريبي. ومن ثمّ، تتضمن النماذج مجموعة من الافتراضات. وتعكس هذه الافتراضات الاتجاهات المتوقعة في النمو والسياسة المالية والأوضاع النقدية والتحولات الديموغرافية والعوامل الخارجية، مثل الأسعار العالمية للسلع. كما أنّ الافتراضات تحدد في كثير من الأحيان اتجاه التوقعات.
وبعد تحديد العلاقات والافتراضات، تولّد النماذج سيناريوهات. وقد تعكس هذه السيناريوهات السياسات الحالية والاتجاهات المتوقعة، كما قد تتناول التكيف المالي أو الإصلاح الاقتصادي أو صدمة خارجية. ومن خلال مقارنة هذه النتائج، يستطيع صانعو السياسات تقييم العواقب المحتملة قبل اتخاذ القرارات وتنفيذها. لكن يجب تفسير نتائج النمذجة الاقتصادية ضمن السياقات المؤسساتية والسياسية والاجتماعية.
ينقل الذكاء الاقتصادي عملية صنع السياسات من منطق رد الفعل على المشكلات إلى منطق التخطيط. ولا يكمن الفرق في حجم البيانات المتاحة، بل في القدرة على استخدام هذه البيانات بطريقة منظّمة. فالنماذج الاقتصادية أدوات تساعد الحكومات على توقع العجوزات المستقبلية وعلى تقييم ما إذا كان الدين العام يتجه إلى مستوى غير مستدام، أو كيف يمكن للصدمات أن تؤثر في قطاعات مختلفة. غير أنّ فعاليتها تتوقف على ما إذا كانت المؤسسات قادرة على تفسير النتائج وإدماج خلاصاتها في عملية صنع السياسات.
دروس من تجارب الذكاء الاقتصادي
لا يقتصر الذكاء الاقتصادي على الاقتصادات المتقدمة. إذ تشترك دول كثيرة خاضت تحولات هيكلية في سمة مؤسساتية واحدة، وهي أنّها بنت أنظمة أتاحت لها استباق التطورات الاقتصادية بدل الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الأزمات. ولم يأت نجاحها من امتلاك بيانات أكثر، بل من تنظيم هذه البيانات ضمن أطر للتوقع المنظّم والتخطيط المنسّق واتخاذ القرار القائم على السيناريوهات.
تُعد اليابان على نطاق واسع من بين أكثر أنظمة الذكاء الاقتصادي تقدمًا واتساقًا في العالم. فقد اضطلعت وزارة التجارة الدولية والصناعة بدور محوري في صياغة الاستراتيجية الاقتصادية لليابان، من خلال مواءمة السياسة التجارية والتنمية التكنولوجية والتخطيط الاقتصادي الكلي. وجرت بصورة متواصلة دراسة البيانات القطاعية وأداء الصادرات واتجاهات الأسواق العالمية لتوجيه القرارات الاقتصادية الاستراتيجية. كما ترسخ الذكاء الاقتصادي عبر المؤسسات المختلفة، إذ جمعت الوكالات الحكومية المؤشرات الاقتصادية الكلية وحلّلتها، وقدّمت الشركات معلومات سوقية آنية، فيما دعمت المؤسسات البحثية منهجيات التوقع. وبذلك، أوجد هذا التنسيق المؤسسي بيئة أصبحت فيها القرارات السياسية مستندة إلى تحليل استشرافي لا إلى تعديلات ارتجالية.
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا مختلفًا لكنه لا يقل أهمية من حيث الدلالة. إذ أدركت الدولة مخاطر الاعتماد الطويل الأمد على النفط، ولذلك أدرجت التخطيط القائم على السيناريوهات والاستدامة المالية في صميم استراتيجياتها الوطنية للتنمية. ولم ينشأ التنويع في مجالات الخدمات اللوجستية والطيران والسياحة والخدمات المالية والطاقة المتجددة بصورة عفوية، بل وُجّه من خلال تقييمات منظّمة للتدفقات التجارية العالمية وللتغيرات الديموغرافية وللتوقعات المالية ولتقلبات أسعار الطاقة. وعوملت عائدات النفط بوصفها متغيرات غير مؤكدة ضمن سيناريوهات مالية كلية، لا باعتبارها ضمانات دائمة للنمو. وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاقتصادي آلية لإدارة المخاطر. إذ سمحت نمذجة تقلبات الإيرادات وضغوط الإنفاق للسلطات بمواءمة قرارات الاستثمار مع الصمود الطويل الأمد بدلًا من التوسع القصير الأجل.
وتقدم السعودية حالة أخرى في مجال الذكاء الاقتصادي عبر برنامج رؤية ٢٠٣٠، الذي أُطلق في ٢٠١٦ بوصفه استراتيجية وطنية للتحول تهدف إلى تقليص الاعتماد على عائدات النفط وتوسيع القطاعات الاقتصادية غير النفطية. وتترافق رؤية ٢٠٣٠ مع برامج إصلاح مفصلة تركز على الاستدامة المالية وإعادة هيكلة الدعم وإصلاح سوق العمل وتنمية القطاع الخاص. وضمن هذا الإطار، توسعت قدرات النمذجة الاقتصادية عبر الوزارات والمؤسسات العامة. واستُخدمت تحليلات الاستدامة المالية ومحاكاة إصلاح أسعار الطاقة وتوقعات سوق العمل لتوجيه توقيت الإصلاحات وتسلسلها. وبالتالي، أصبح الذكاء الاقتصادي عنصرًا محوريًا في إدارة الانتقال من الاعتماد على الهيدروكربونات إلى قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا.
وفي كل هذه الحالات، لم يُلغِ الذكاء الاقتصادي حالة عدم اليقين. فقد شهدت اليابان فقاعات مالية وتباطؤًا اقتصاديًا. كما واجهت الإمارات انهيارات في أسعار النفط وتأثرت بشدة بالصدمات الخارجية، ولا سيما الصدمة المالية العالمية التي انعكست في تجربة دبي خلال الركود الكبير بين ٢٠٠٧ و٢٠٠٩، بالإضافة إلى الصدمة التي أطلقتها الحرب في المنطقة. وما زالت السعودية تواجه تقلبات خارجية.
لكن ما يميّز البلدان التي تمتلك قدرات في الذكاء الاقتصادي ليس الحصانة من الصدمات، بل وجود آليات مؤسساتية صُمّمت لاستباقها ونمذجتها وامتصاصها. إذ يخفف الذكاء الاقتصادي من العمى الاستراتيجي، لأنّه يتيح للحكومات فحص المفاضلات قبل تفاقم الأزمات، واختبار مسارات الإصلاح قبل التنفيذ، وربط الطموحات الطويلة الأمد بقيود اقتصادية قابلة للقياس. وعلى الرغم من الانفجار الأخير في حالة عدم اليقين العالمي والإقليمي نتيجة التصاعد المستمر في الحروب الدموية والمدمرة اقتصاديًا والتي لا ضرورة لها وفق أي تقييم عقلاني، فإنّ تجارب أكثر الدول العربية النظيرة تطورًا خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية توضح كيف يمكن للذكاء الاقتصادي أن يصوغ الاستراتيجية الاقتصادية. ومن هنا، يبرز السؤال: أين يقف لبنان اليوم؟
لبنان اليوم: أين يقف في هذا المسار؟
يتسم المشهد الاقتصادي اللبناني بارتفاع مستويات اللاشكليّة، واستمرار التدخل السياسي، وتكرار الصدمات الخارجية والداخلية، من الانهيار المالي إلى الاضطرابات الإقليمية والمحلية. وتؤدي هذه الظروف إلى تعقيد عملية صنع السياسات، كما تجعل الحوكمة الاستباقية أكثر صعوبة. ويعمل جزء كبير من النشاط العمالي والتجاري خارج الإطار التنظيمي الرسمي. وعندما تبقى شرائح واسعة من الاقتصاد غير مسجلة أو ناقصة الإبلاغ، تصبح الصورة المعلوماتية والإحصائية غير مكتملة. ولهذا، تضعف أسس النمذجة والتوقع لأنها تعتمد على بيانات موثوقة وشاملة.
تنشر مؤشرات أساسية عبر وزارات ومؤسسات عامة مختلفة، من بينها الناتج المحلي الإجمالي ومؤشر أسعار المستهلك وميزانيات مصرف لبنان وإحصاءات الكتلة النقدية. غير أنّ المنهجيات الإحصائية ليست متسقة دائمًا، كما أنّ التقارير لا تُنشر بانتظام، وقد تتأخر تحديثات البيانات. وتأتي مجموعات بيانات أساسية، مثل الحسابات القومية وإحصاءات العمل والإسكان والتعليم والمؤشرات القطاعية، بفجوات زمنية تحدّ من فائدتها في التخطيط والتوقع الآنيين. وبالتالي، لا يفتقر لبنان إلى البيانات، ولا يفتقر إلى الخبرة، لكنه قد يفتقر إلى الاستمرارية في بعض السلاسل الإحصائية.
يمتلك البلد اقتصاديين أكفاء وباحثين ومهنيين مهرة موزعين على الجامعات والمؤسسات العامة والمنظمات الدولية. لكن ما ينقص هو الطابع المؤسسي. فقد تدعم البيانات النقاشات والحوارات، لكنها لا تقود القرارات على نحو ثابت. فالذكاء الاقتصادي غير منظّم بوصفه نظامًا على مستوى الدولة يربط بصورة منهجية بين جمع البيانات والنمذجة التحليلية وصنع السياسات. كما أنّه لا يمكن العثور، لا في المؤسسات العامة والإدارة ولا في الهيئات الخاصة المستقلة أو منظمات المجتمع المدني، على إطار دائم للنمذجة المالية الكلية ينتج بصورة منتظمة توقعات وسيناريوهات للإصلاح أو للصدمات من أجل توجيه التخطيط المتوسط والطويل الأجل.
فاقم الانهيار المالي هذه الثغرات البنيوية، كما زاد اللجوء إلى “حلول” قصيرة النظر. فقد ظهرت أسعار صرف متعددة، وخُفّض الدعم فجأة ومن دون تنسيق، وأُدخلت تدابير مالية بصورة منفصلة ومن دون خطة واضحة. وهذا يعكس، ليس فقط الضغوط السياسية، بل أيضًا غياب آلية متكاملة لتقييم المفاضلات الاقتصادية قبل اعتماد السياسات. وإذا لم تُؤجَّل القرارات الحاسمة إلى ما لا نهاية وبشكل ضار بسبب التردد السياسي أو التأثيرات الفاسدة، فإنّها كانت تُتخذ تحت وطأة الاستعجال، وغالبًا ما كانت تعالج القيود الفورية من دون تقييم كامل للعواقب الأوسع.
لذلك، لا يمكن تفسير أزمة لبنان انطلاقًا من خيارات سياسية مضللة فحسب. فهي تعكس أيضًا عجزًا بنيويًا أعمق، إذ لم يُؤسَّس الذكاء الاقتصادي مؤسساتيًا في الماضي، وما زال غائبًا اليوم بوصفه وظيفة أساسية من وظائف الحوكمة. ومن دون أنظمة بيانات متكاملة، وقدرات ثابتة على النمذجة، وروابط منظّمة بين التحليل والسياسة، تصبح الإصلاحات قصيرة الأمد ومجزأة. وعندما تكون الإصلاحات قصيرة الأجل وغير منسقة، يميل عدم الاستقرار إلى التفاقم بدلًا من الانحسار.
الإصلاح المؤسسي
لم يكن الانهيار الاقتصادي في لبنان مجرد نتيجة لخيارات سياسية غير كافية أو لصدمات خارجية. بل كان أيضًا نتيجة لضعف مؤسساتي أعمق وللفساد ولغياب نظام منسّق قادر على تحويل البيانات إلى تخطيط للمستقبل. تمسي الإصلاحات ارتجالية وقصيرة الأجل وذات الإدارة السيئة من دون إحصاءات متكاملة وأطر نمذجة متسقة وروابط منظّمة بين التحليل وصنع السياسات.
يبدأ الخروج من هذا البؤس بجعل الذكاء الاقتصادي وظيفة أساسية في كيفية عمل الدولة. ويبدأ ذلك بتحسين نظام البيانات في البلاد. إذ يحتاج لبنان إلى منهجيات إحصائية منسقة بين الوزارات والمؤسسات العامة وإلى نشر منتظم ومتوقع للبيانات وإلى تكامل رقمي أفضل للسجلات الإدارية مثل بيانات الضرائب والجمارك ومعلومات الضمان الاجتماعي والتقارير القطاعية. كما ينبغي ألّا يعتمد إنتاج البيانات على مشاريع مؤقتة أو على تمويل خارجي. بل يجب أن يستند إلى ولايات مؤسساتية واضحة وهياكل مستقرة وموارد كافية. ويُعد تعزيز استقلالية النظام الإحصائي الوطني وقدراته التقنية أمرًا أساسيًا لاستعادة المصداقية وإعادة بناء الثقة في صنع السياسات الاقتصادية.
لكن إصلاح البيانات وحده لا يكفي. إذ يتطلب الذكاء الاقتصادي أيضًا إنشاء قدرة دائمة على النمذجة المالية الكلية داخل القطاع العام. ويشمل ذلك إنتاج توقعات منتظمة وسيناريوهات إصلاح ومحاكاة للصدمات من أجل توجيه التخطيط المتوسط والطويل الأجل. كما ينبغي تقييم مقترحات الموازنة والتعديلات الضريبية والزيادات على الأجور العامة وإصلاحات الدعم واستراتيجيات الاستثمار العام في ضوء توقعات اقتصادية شفافة قبل اعتمادها ووضعها موضع التنفيذ. كذلك يجب أن تضمن آليات التنسيق المؤسسي أن يوجّه التحليل القرارات بصورة منهجية لا متقطعة.
من شأن أنظمة البيانات الأقوى والنمذجة الأكثر فعالية أن تحسن التخطيط المالي وتقلل عدم اليقين وتعزز صدقية السياسات. كما أنّها ستقوي موقع لبنان التفاوضي مع الشركاء الدوليين لأنّها ستستند إلى توقعات متماسكة وشفافة وستشجع في الوقت نفسه الاستثمارين المحلي والأجنبي. ولا يُعد الذكاء الاقتصادي مفهومًا تجريديًا، كما أنّه لا يزيل عدم اليقين ولا يضمن الاستقرار لكنه يخفض المخاطر ويحسن تسلسل السياسات ويزيد المساءلة. وفي المقابل، فإنّ عدم إضفاء الطابع المؤسسي على الذكاء الاقتصادي يشكّل ضمانة للغباء الاقتصادي ولا يمكن أن يدل إلا على أنّ التسبب في بؤس اللبنانيين ليس مجرد أداة خارجية للعنف والعدوان والقمع بل هو أيضًا أسلوب محلي.
