Home البنوك والماليةهل قانون الفجوة

هل قانون الفجوة
ARENFR

استراتيجية خروج لبنان أم حجز نهائي على ما تبقّى؟

by Jean Tawile

إن مشروع «قانون الفجوة» معروض اليوم على مجلس النواب وهو الوسيلة التشريعية الوحيدة المتاحة حاليًا لإنهاء الفراغ الذي بات عدونا الأكبر. لا يمكننا تحمّل رفض القانون، لكن يتعيّن علينا المطالبة بتنقيحه. يستحق القانون الإشادة لأنه يفرض إطارًا رسميًا كان لا بدّ منه. يسعى إلى إرساء المساءلة، على الرغم من أنّ ذلك يحتاج إلى تعزيز، وإلى معاقبة من استغلوا الأزمة. وعلى غرار خطط سابقة أُجهضت، يهدف إلى حماية صغار المودعين واحترام تدرّج الحقوق في المطالبات، وإن كانت هذه المبادئ تحتاج إلى نصّ أكثر صراحة. غير أنّ السماح بمروره كآلية بسيطة لتوزيع الخسائر على مدى عقدين لا يعني حلّ الأزمة، بل يعني فقط تحويلها إلى واقع مُؤسّس ومُقونن.

يعيش لبنان منذ أكثر من خمس سنوات في حال من الشلل الذي صنعه بيديه. ومنذ انهيار العام 2019، عُرف اقتصادنا بما سمّاه تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان» الصادر عن مجموعة البنك الدولي في خريف العام 2020 «كسادًا متعمّدًا» واصفًا الأزمة بأنها نتيجة «شلل سياساتي مقصود»، إذ أصبح غياب الفعل السياسي الفعّال هو القاعدة. وببساطة، تُبقي الطبقة السياسية ثروة البلد تتبخّر تدريجيًا بدل اتخاذ القرارات الصعبة وتحمّل المسؤولية الآن. ومن خلال تجنّب الإصلاحات الفعلية والاكتفاء بحلول قصيرة الأجل، تُهدر فرصة بناء اقتصاد أقوى وأكثر تنافسية لمستقبل لبنان. ويجب أن يقوم هذا النموذج على منافسة عادلة ونموّ تقوده آليات السوق، لا على الزبائنية السياسية.

في خلال هذا الفراغ، خسر الناس مدّخراتهم وغادر كثير من العاملين الموهوبين البلاد. وفي الوقت عينه، يواجه القطاع الخاص القانوني معركة غير قابلة للاستدامة على الرغم من صلابته واستمراره في القتال من أجل البقاء رغم كل الاحتمالات. فغياب إطار منظّم يقوم على الواقعية والوضوح والشجاعة السياسية لا يجعلنا نخسر الثروة فحسب، بل يستنزف أيضًا المحرّك الوحيد القادر على دفع تعافينا الوطني.

هندسة الفشل: ما وراء الفجوة المحاسبية
احتُجز النقاش حول «قانون الفجوة» رهينة رقمٍ خلافي، وهو «الفجوة المالية» التي تتراوح بين 72 مليار دولار و100 مليار دولار، أي العجز بين ما تدين به المصارف اللبنانية من ودائع بالعملات الأجنبية وبين السيولة المتبقية فعليًا لديها في مصرف لبنان وفي المصارف نفسها. ويظل الخلاف محتدمًا حول مقدار ما يمكن الاعتراف به من دين الدولة لمصرف لبنان على أنه «قابل للاسترداد» مقابل ما يُعدّ «خسارة». وبينما يتجادل المسؤولون وصانعو السياسات حول الحجم العجز الدقيق، يُخنق الاقتصاد الحقيقي. فقد أمضينا سنوات نتعامل مع الأزمة بوصفها مشكلة محاسبية، في حين أنها في جوهرها مشكلة سيولة.

لم يشهد تاريخ الأنظمة المصرفية سدادًا كاملًا للودائع فورًا بعد انهيار شامل بهذا الحجم. ووعد الناس بعكس ذلك ليس سوى شعبوية متخيّلة، ولا سيما أنّ المسؤولية لا تقع على عاتق المصارف التجارية وحدها، بل تقع إلى حد كبير على مصرف مركزي ودولة لم يعترفا بعد بدورهما بوصفهما المدينين الأساسيين. ويهدد هذا الغموض بشأن «من» سيدفع و«كيف» سيُدفع بشكل مباشر الاقتصاد الحقيقي.

ونتيجة لذلك، يفشل النص الحالي في إدراك أنّ القطاع الخاص القانوني هو صاحب مصلحة أساسي. فالشركات في لبنان ليست مجرد «مودعين كبار»، بل هي محرّك الاقتصاد الأول ومصدر الإيرادات الضريبية وفرص العمل. وعلى الرغم من أنّ مؤسساتنا الشرعية ناضلت للبقاء فلنكن واضحين، إنها بالكاد تُبقي رأسها فوق الماء. إنها معركة يائسة ضد شحّ السيولة دفعت القطاع الخاص القانوني إما إلى الانكماش والتحوّل نحو الاقتصاد غير النظامي، إذ قدّر تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان» الصادر عن البنك الدولي في ربيع العام 2023 أنّ اقتصاد النقد في لبنان تضخم إلى نحو 9.9 مليارات دولار أي ما يقارب 46 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي أو إلى نقل أعماله إلى الخارج. وعندما تُجمّد الدولة رأس المال التشغيلي لهذه الشركات لمدة تتراوح بين 10 و20 سنة كما يوحي به النص الحالي، فإنها تمنح عمليًا حكمًا بالإعدام على الجهات نفسها التي تحتاج إليها لتمويل بقائها.

نحو خطة إنقاذ واعطاء السيولة الأولوية
إن إعادة تعريف الهدف الجوهري لأي إطار للتعافي المالي أمر بالغ الأهمية إذ لا يجوز أن يبقى «قانون الفجوة» يركّز على محاسبة جامدة لتوزيع الخسائر. فالهدف الواقعي يجب أن يتحوّل إلى استعادة السيولة في الاقتصاد وإعادة تشغيل الدورة النقدية. إن قانونًا يوزّع الخسائر على مدى 10 إلى 20 سنة من دون ضخّ فوري للسيولة يهدد بخنق النشاط الإنتاجي وإطالة عمر الأزمة.

ولتأمين انتقالٍ من العجز عن السداد نحو اقتصاد سليم وفاعل، ينبغي إدماج التوصيات التالية في «قانون الفجوة»:
• فرض اختبار سنوي للسيولة بحيث يُدخل القانون آلية تقيس سنويًا القدرة المجمّعة على التدفقات النقدية للدولة ومصرف لبنان والمصارف. ويتيح ذلك لقطة شفافة للمالية العامة، ويضمن ألّا تصبح جداول السداد قدرًا ثابتًا لا يتغير.
• إنشاء تعديلات مرتبطة بالأداء إذ إنه إذا تجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي أو دعم صندوق النقد الدولي أو زيادة الاحتياطات التوقعات، يجب أن يفرض القانون تسريع المدفوعات للمودعين.
• التفريق البنيوي بين فئات المودعين عبر تمييز واضح بين المودعين الأفراد والشركات والمؤسسات، من أجل إعطاء الأولوية لاحتياجات رأس المال التشغيلي لدى القطاع الخاص القانوني وإعادة تشغيل الاقتصاد الحقيقي.
• تحفيز الإبقاء على الودائع داخل النظام المصرفي لكي نبتعد عن اقتصاد نقدي غير رسمي، ينبغي أن يوفّر الإطار حوافز للإبقاء على الأموال في المصارف، مثل إجراءات الرقمنة وحوافز مالية وضريبية محددة.

إحياء «العقد الاجتماعي» عبر مساءلة محدّدة وفاعلة
على الرغم من أنّ المشروع يستحق التقدير لمحاولته إدخال إطار رسمي للمساءلة، فإنه يفتقر حاليًا إلى الآليات المحددة اللازمة لجعل تلك المساءلة قابلة للتطبيق. وبذلك، قد ينتهي النص إلى أن يكون أقرب إلى إشارة رمزية منه إلى حل عملي لتحقيق العدالة. ولتجاوز مرحلة «الكساد المتعمّد» فعلًا، لا يكفي أن يعترف القانون بالحاجة إلى محاسبة المسؤولين عن الأزمة، بل يجب أن يتضمن إجراءات واضحة وقابلة للتنفيذ تضمن تقديم من استفادوا من الوضع إلى العدالة بصورة عادلة وحازمة.

لا تُبنى الثقة بالوعود وحدها، بل تحتاج إلى فعل ملموس. يحتاج الناس إلى أن يروا أن الجميع يُعاملون على قدم المساواة، وأن أصحاب النفوذ والصلات الخاصة لا يحصلون على صفقة أفضل فيما يُترك المودعون العاديون وحدهم لتحمّل الخسائر.

تُعدّ خطوات واضحة وعملية ضرورة لتعزيز القانون وإعادة بناء الثقة في المجتمع:
• تفعيل التحقيق عمليًا عبر إنشاء آلية مستقلة للتحقيق والاسترداد. ولكي تكون هذه الآلية قابلة للتشغيل، ينبغي تصميمها كلجنة متخصصة، وقد تُدعَم بمدققين جنائيين دوليين وخبراء قانونيين. وتتمثل مهمتها في تتبع الأموال التي نُقلت بصورة غير مشروعة واستردادها، وكذلك تتبع «العوائد الاستثنائية» التي يجب تعريفها بوضوح إلى جانب نص قانوني يُلزم بتوجيه كل رأس المال المسترد نحو تعويض المودعين.
• تقنين تدرّج تحمّل الخسائر بحيث يؤكد الإطار صراحة المبدأ الجوهري للعدالة المالية وهو أن يتحمّل مساهمو المصارف ومالكوها الخسائر قبل اقتطاع سنتٍ واحد من المودعين. فالمساءلة لا تعني الكثير إذا لم يُحمَّل من صنع المشكلة مسؤولية تبعاتها.
• مأسسة إصلاح يَحول دون «المخاطر الأخلاقية»، إذ تحدث المخاطر الأخلاقية عندما تتحمل جهة مخاطر مفرطة لأنها محمية من النتائج السلبية لتلك المخاطر بينما تتحمل جهة أخرى الكلفة. ويجب أن تكون المساءلة استشرافية لا انتقامية كما ينبغي إصلاح ترتيبات الحوكمة لضمان ألّا تصبح هذه الأزمة سابقة لسوء إدارة مستقبلي. ومن خلال تعزيز المسؤولية عبر النظام المالي، نستطيع ضمان أن «العقوبات» المذكورة في المشروع ليست ردّة فعل متأخرة فحسب، بل رادعًا للمستقبل.

خلاصة: طريق إلى النهوض من جديد
يقف لبنان عند مفترق طرق بين مستقبلين مختلفين. يمكننا أن نختار البقاء في الفراغ التشريعي والاقتصادي القائم، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تقنين التدمير البطيء للأعمال والصناعات التي تُبقي اقتصادنا قائمًا. أو يمكننا اعتماد «قانون فجوة» يتحوّل إلى مخطط اقتصادي واضح وجريء، يعطي الأولوية للاقتصاد الحقيقي، ويحمي القطاع الخاص القانوني، ويعيد ترميم أسس الثقة.

يحتاج القطاع الخاص القانوني إلى هامش تنفّس كي يبقى حيًا ويساعد الاقتصاد على التعافي. فهذه الشركات ليست مصدر أزمتنا، لكنها المحرّك الوحيد القابل للحياة لنهضتنا. ويجب أن يدرك مجلس النواب أننا لا نحتاج إلى سجل محاسبي لخسائرنا فحسب، بل نحتاج إلى عقدٍ تشغيلي للتعافي. وفقط عبر مقاربة متوازنة تجمع بين استعادة السيولة فورًا وترسيخ العدالة المؤسسية، يمكن للبنان أخيرًا أن يكسر حلقة هذا «الكساد المتعمّد» وأن يضع أسسًا لمستقبل اقتصادي متين ودائم.

جان طويلة عضو مجلس إدارة في تجمّع رجال وسيدات الأعمال اللبنانيين (RDCL)

You may also like