Home تعليقالإنتقال إلى سعر صرف مرن

الإنتقال إلى سعر صرف مرن
ARENFR

انتقالٍ مدروس إلى الأسهم المتاحة للتداول

by Roudy Sassine

لقد عاش لبنان طويلًا على وقع وهمٍ مريح بالاستقرار المالي مستندًا إلى نظام سعر صرفٍ ثابت استمر لأكثر من عقدين. واعتُقد على نطاق واسع أنّ هذا النظام النقدي يشكّل العمود الفقري لاستقرار العملة والاستقرار المالي. وقد كان يُنظر إلى هذا الاستقرار بوصفه ميزة نادرة في بلدٍ يعاني اضطرابات سياسية متكررة على أنّه يوفّر مظلة حماية للدائنين الدوليين والمستثمرين الإقليميين والمستوردين المحليين والمدّخرين من مخاطر متعددة وفي مقدّمها مخاطر سعر الصرف.

كرّس مصرف لبنان عبر محافظته الطويلة الأمد على سعر الصرف الثابت الانطباع السائد بوجود قدرٍ من الاستقرار النسبي في العملة الوطنية حتى في ظل ارتفاع معدلات الدولرة. ودافع أنصار هذا النهج عن فكرة أنّ السماح لسعر الصرف بالتذبذب كان سيؤدي إلى انتقال التضخم إلى الأسعار ما كان سيقوّض الثقة بالنظام المالي ويقود إلى أزمة.

لكنّ على الرغم من ذلك، أخفى نظام سعر الصرف الثابت نقاط ضعفٍ بنيوية عميقة كما قيّد هامش السياسات المتاحة أمام لبنان. فلم يكن بإمكان واضعي السياسات خفض أسعار الفائدة من دون المخاطرة بخروج رؤوس الأموال وفي هذه الحال كانت العملة ستتعرض لضغوطٍ تتّجه انخفاضًا ما كان سيدفع المصرف المركزي إلى التدخل في أسواق المالية الخارجية. وفي المقابل، كانت ستضع التوسعات المالية الربط نفسه تحت ضغطٍ مماثل على الرغم من ضرورتها لتحفيز اقتصاد لبناني راكد.

قادت هذه المقايضة إلى الإبقاء على نظام مالي يُفترض أنه مستقر، ولكن بثمن نمو أبطأ وبطالة أعلى. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كان سعر الصرف الثابت قد وفّر بالفعل وسادة حماية للنظام المالي، أم أنه ساهم في انهياره أو حتى أطلق شرارته.

انهيارٌ محكوم

يُعدّ تثبيت سعر الصرف على مدى فترةٍ طويلة بطبيعته غير قابل للاستدامة. ويتّضح ذلك أكثر في الاقتصادات التي تتسم بعجز مالي مزمن واتساع اختلالات خارجية لأنها تعتمد على تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية كي تواصل البقاء. وفي حالة لبنان، لم يكن بوسع المصرف المركزي الاستمرار إلى ما لا نهاية في السحب من احتياطاته الأجنبية من دون أن ينفد هذا المخزون أو أن تتزعزع ثقة المدّخرين والمستثمرين.

إضافة إلى ذلك، تطلّب تمويل الاختلالات الخارجية كميات متزايدة باستمرار من العملات الأجنبية في وقتٍ بقيت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضعيفة وتباطأت الودائع المصرفية الجديدة بالدولار الأميركي، وهو ما كان لا بد أن يحدث عند نقطة ما، ما ترك البلاد مع مصادر تمويل خارجية أقل. ومع تدهور الظروف الإقليمية وازدياد هذا الواقع وضوحًا، وبما يزيد الطين بلّة، تسارعت تدفقات خروج رؤوس الأموال وارتفعت معدلات الدولرة، وبالتالي ازداد الضغط على نظام سعر الصرف الثابت.

كشف ذلك هشاشة النظام المالي ودفع المصرف المركزي إلى معادلة توازن خطرة، إذ بات عليه الدفاع عن ربط العملة كي يتيح تمويل الواردات وخدمة الدين العام في الوقت نفسه، بينما كانت رؤوس الأموال تتدفق إلى خارج النظام. وبحلول العام 2015، أصبح واضحًا أنّ الأدوات النقدية التقليدية، أي أسعار الفائدة المرتفعة والاستخدام المستمر للاحتياطات الأجنبية، لم تعد كافية لدعم الربط وهو ما دفع أصحاب المصلحة إلى تبنّي أدوات غير تقليدية عبر ما سُمّي بالهندسة المالية. وعلى الرغم من توفير الهندسة المالية لمتنفسًا موقتًا فإنها استنزفت سيولة الدولار الأميركي من المصارف التجارية وبالتالي انتهت في أزمة مصرفية ومالية.

الانحناء بدلًا من الانكسار

بدلًا من إخفاء مواطن الضعف الاقتصادية، يربط سعر الصرف المرن الاقتصاد بأسسه الفعلية كاشفًا القيمة الحقيقية للعملة. وتفوق المنافع الصافية لسعر الصرف المرن تكاليفه لأنّ هذا النظام يسمح بحدوث التكيّف الاقتصادي عبر زيادة الإنتاج المحلي وتحسين القدرة التنافسية للصادرات. وإضافة إلى ذلك، يوسّع تلقائيًا هامش السياسات المتاحة فيُمكّن واضعي السياسات من استخدام السياسة المالية بفاعلية لتحقيق أهداف اقتصادية، كما يتيح توظيف السياسة النقدية لتحفيز الإقراض والحفاظ على استقرار الأسعار. وفي المقابل، يصبح التوسع المالي تحت نظام ثابت صعبًا لأن أي زيادة في الإنفاق تهدّد استقرار سعر الصرف.

مع تراجع قيمة الليرة اللبنانية في ظل نظامٍ مرن، سيُكبح الإفراط في الاستيراد وسيضيق العجز التجاري كما ستصبح الأسعار النسبية للسلع والخدمات اللبنانية في الخارج أكثر قدرة على المنافسة. وبذلك، سيتمكن المصرف المركزي من الحفاظ على احتياطاته الأجنبية للواردات الأساسية بالتوازي مع استخدام هذه الاحتياطات للتخفيف من أثر الصدمات الخارجية.

وقد يتساءل البعض بصورةٍ منطقية عن الكيفية التي كان يمكن أن يكون عليها أداء لبنان لو أنه انتقل إلى نظام سعر صرفٍ مرن منذ سنوات، قبل أن تتسع الاختلالات وتصبح أكثر حدّة. وتقوم الحجة على أنّ انتقال لبنان إلى ترتيبات مرنة خلال سنوات الازدهار النسبي بين العامين ٢٠٠٨ و٢٠١١ كان قد يخفف جزئيًا من الصدمات التي وصلت بعد عقد، أو حتى يتيح إدارتها بالكامل، بما يمنع الانهيار الشامل.

تبدو هذه الفرضية ممكنة، لكن الواقع في لبنان أكثر تعقيدًا ودقة، نظرًا إلى محدودية القدرة التصديرية وشدة القيود على جانب العرض. ولذلك، لم يكن الانتقال إلى سعر صرفٍ أكثر مرونة ليضمن تكيّفًا سلسًا. وتؤكد التطورات التي تلت أزمة العام ٢٠١٩ هذه النقطة إذ لم ينجح تراجع العملة في رفع الصادرات بينما عادت الواردات إلى الارتفاع لتقترب تقريبًا من مستويات ما قبل الأزمة ما دفع عجز الحساب الجاري إلى العودة إلى مستويات مرتفعة.

شروطٌ مسبقة محفوفة بالمسؤولية

من حيث المبدأ، لا يجعل تراجع العملة السلع المحلية أرخص لأن الإنتاج في لبنان مقيّد ويعتمد جزئيًا على واردات تصبح أكثر كلفة عندما تفقد العملة قيمتها. وفي هذه الحالة، قد يؤدي تراجع سعر الصرف في إطار النظام المرن إلى تأجيج التضخم وتقويض القوة الشرائية للمواطنين وبالتالي التسبب بتداعيات اجتماعية واقتصادية قاسية. وفي الوقت عينه، سيزيد التوسع المالي الأمور سوءًا لأنه سيترجم إلى واردات أعلى ما يفاقم الميزان التجاري ويلغي فعالية إنفاق الحكومة. لذا يتطلب الانتقال الناجح إلى سعر صرفٍ مرن في الأساس معالجة قدرة لبنان الإنتاجية والتصديرية.

يمكن للبنان أن يزيل القيود على الإنتاج ويخفض كلفتها من خلال الاستثمار في البنية التحتية ومن خلال توليد الطاقة. كما يمكن لبرنامج إنفاقٍ رأسمالي متعدد السنوات وموجّه بدقة يركز على الطاقة والنقل واللوجستيات والمرافئ والتصنيع أن يقلل تكاليف الأعمال ويحسن الكفاءة ويعزز القدرة التنافسية الدولية للسلع اللبنانية. وعندما يُستكمل ذلك بسياسة صناعية تستند جزئيًا إلى دراسة “رؤية لبنان الاقتصادية” الصادرة عن شركة ماكينزي وشركاه في العام ٢٠١٧، ولا سيما عبر استهداف الصناعات الموجهة للتصدير، يصبح بإمكان لبنان تركيز الموارد على القطاعات ذات المزايا النسبية، بما يتيح إنتاجًا محليًا لعددٍ من السلع التي يستوردها حاليًا.

عندئذٍ ستتمكن الشركات من الحصول على كهرباء ميسورة الكلفة ولوجستيات ونقل أفضل ومورّدين محليين، وهو ما سيخفض كلفة المدخلات ويزيد حجم الإنتاج. ويعاني لبنان حاليًا بنية تحتية ضعيفة وقطاع طاقة مزمن التخلف، ولذلك إذا لم تتم مواجهة هذه التحديات بشكل مباشر فستنتقل كلفة الإنتاج المرتفعة إلى الأسعار المحلية ما يلغي مكاسب انخفاض قيمة العملة. باختصار، سيشكّل الإنفاق الرأسمالي ضمن برامج دولية ومحلية العامة منها والخاصة أو حتى ضمن شراكات بين القطاعين العام والخاص منه عنصرًا حاسمًا للبنان لكن لا بد أن يُنفّذ بالشكل الصحيح أي ضمن إطار نظام سعر صرف قابل للاستمرار.

تعويمٌ مُدار أولًا وكامل لاحقًا

ينبغي لبرنامج إنفاق رأسمالي متعدد السنوات أن يُنفّذ فقط ضمن إطار سعر صرف شبه مرن أو مرن. وإذا كان الانتقال المفاجئ إلى تحرير كامل لسعر الصرف محفوفًا بالمخاطر وغير ممكن اليوم، فلماذا لا يبدأ لبنان بالتحضير لتأسيس أرضية انتقال تدريجي من خلال مقاربة مرحلية تبدأ بربطٍ زاحف ثم تعويمٍ مُدار. ويمكن بلوغ كل مرحلة بعد تحقيق مجموعة شروط مسبقة تهدف إلى تقوية الأسس الاقتصادية للبنان، كما ورد في القسم السابق.

يتيح التعويم المُدار لسعر الصرف أن يتكيف ضمن هامش مضبوط، وبذلك يزيل الحاجة الفورية للدفاع عنه ويقلل الحاجة إلى استنزاف الاحتياطات. وإضافة إلى ذلك، يتدخل المصرف المركزي في هذا النظام بصورة انتقائية لتصحيح اختلالات لا تنسجم مع الظروف الاقتصادية الأساسية ولمواجهة هجمات مضاربية، بدلًا من التدخل المتكرر والثقيل للإبقاء على الربط ثابتًا. والهدف هو السماح لسعر الصرف بأن يتكيف استجابةً لقوى السوق بما يعكس ظروف الاقتصاد الأساسية على أن يقتصر التدخل على كبح التقلبات الحادة أو الانخفاضات المفاجئة والعميقة. وعندئذٍ فقط سيتمكن المصرف المركزي من بناء الثقة بالعملة بالتوازي مع تراكم احتياطات من العملات الأجنبية واستخدامها كصمامات أمان في أوقات الشدة والصدمات الخارجية مثل أزمة سوريا في العام ٢٠١١ وتراجع أسعار النفط في العام ٢٠١٤ ورفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي واحتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر من العام ٢٠١٩ والاضطرابات التي تسببت بها جائحة كورزنا.

وبناءً عليه، ينبغي للتعويم المُدار أن يهيّئ الشروط اللازمة لتوسّع السياسة المالية من أجل معالجة قيود الإنتاج في لبنان وإطلاق قدرته الإنتاجية. وبالاقتران مع برنامج إنفاق رأسمالي موجّه، يمكن لهذا الإطار أن يخلق ظروفًا تمكّن لبنان من بناء التنافسية وتعزيز التوظيف وزيادة نمو الصادرات.

يوفّر هذا الإطار مزيجًا من الاستقرار والمرونة، إذ يقدّم استقرارًا ماليًا شبيهًا بما يُفترض أنه قائم تحت سعر صرف شبه ثابت يحتفظ فيه المصرف المركزي بالقدرة على مواجهة تقلبات مدمّرة في العملة وتخفيضات قيمة قد تزعزع الاستقرار المالي وفي الوقت عينه يمنح مرونة للاستفادة من مساحة أوسع لتوظيف السياسة المالية لتحقيق أهداف اقتصادية لا سيما أثناء فترات الانكماش. ويرتبط ذلك أيضًا بقدرة أكبر على استخدام السياسة النقدية لتحفيز الإقراض والحفاظ على استقرار الأسعار.

سيحقق هذا الانتقال نتيجتين حاسمتين، إذ سيؤدي ارتفاع الصادرات إلى تضييق العجز التجاري وبالتالي تخفيف الضغط على العملة وتقليل اعتماد لبنان على الاحتياطات الأجنبية والاقتراض الخارجي كما سيؤدي توسع مالي موجّه إلى تحفيز خلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد.

سير للسياسات

يتطلب النهج المرحلي أن يتقدم البلد عبر مراحل لتحقيق عدة محطات تهدف إلى تقوية الأسس الاقتصادية قبل بلوغ التعويم الحر بالكامل.

تركز المرحلة الأولى على تحقيق الاستقرار، بما يشمل ترسيخ حد أدنى من الاستقرار السياسي وتوحيد أسعار الصرف وإعادة رسملة المصارف لإعادة تفعيل الوساطة الائتمانية وتمويل الاقتصاد الحقيقي.

أما المرحلة الثانية فتتضمن اعتماد ربطٍ زاحف لتثبيت التوقعات، بعد إدارة فعّالة للاحتياطات وإجراء إصلاحات مؤسسية تهدف إلى استعادة الثقة العامة بالسياسة النقدية وإعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة. ويُعد الربط الزاحف إطارًا يقصد تثبيت العملة مع السماح بتعديلات صغيرة ومضبوطة.

وفي المرحلة الثالثة، يمكن للبنان الانتقال إلى ترتيبات أكثر مرونة عبر نظام تعويم مُدار، شرط تحقيق مجموعة شروط مسبقة تتمثل في وضع تقييم أكثر دقة للعملة وتضييق عجز الحساب الجاري والحفاظ على احتياطات كافية من العملات الأجنبية والتخلص تدريجيًا من الدين المقوّم بالعملات الأجنبية. وفقط بعد تحقق هذه الشروط المسبقة سيتقدم لبنان إلى التعويم المُدار، الذي يشكل محطة بالغة الأهمية تتيح استخدام الحيز المالي الموسع بصورة فعالة لاستثمارات موجّهة في طاقات معطلة وقطاعات إنتاجية، بما يعزز إمكانات التصدير ويقوي قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.

وبعد ترسيخ التعويم المُدار، يمكن للبلد أن يبدأ بالتحضير للتعويم الكامل، الذي يمثل المرحلة النهائية ويتطلب تنفيذ استراتيجية واضحة لجذب الاستثمار الأجنبي إلى القطاعات الإنتاجية وتحقيق سيادة نقدية كاملة وتطوير الأسواق المالية المحلية وتعزيز الحوكمة وترسيخها بما يدعم الشفافية والمساءلة.

لا ينبغي النظر إلى هذه المراحل باعتبارها جامدة، كما لا يفترض اتباعها وفق تسلسل خطي صارم، بل تمثل مسارًا منظّمًا للابتعاد عن صناعة سياسات معرّضة للأزمات والانتقال نحو إطار نقدي أكثر استدامة يوفّر متانة مالية ويطلق إمكانات نمو لبنان.

* This article is an adaptation, exclusive to Executive, of the author’s working paper, “Lebanon’s Eventual Transition to a Floating Exchange Rate System: Balancing Flexibility with Stability,” published by the Levy Economics Institute of Bard College. Lebanon’s Eventual Transition to a Floating Exchange Rate System – Levy Economics Institute of Bard College

You may also like