Home تعليقفخّ التماثل

فخّ التماثلARFREN

مَن يبرز حين تتساوى قواعد المنافسة؟

by May El Hachem

في أيار/ مايو من العام ٢٠٢٥، نشر ثلاثة باحثين في علوم الإدارة في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجياMIT’s Sloan School يُدعوَن ديفيد وينغيت وباركلي بيرنز وجاي بارني ورقة بحثية جاء عنوانها كصدمة في وسط أكثر النقاشات صخبًا في عالم الأعمال: «لماذا لن يوفر الذكاء الاصطناعي ميزة تنافسية مستدامة؟». ولم يجادل الباحثون ضجّة الذكاء الاصطناعي التي تفوق حجمه أو التحولات التي يحدثها مبالغ فيها بل طرحوا فكرة أكثر إثارة للقلق ومفادها أن السباق الذي تخوضه حاليًا جميع الشركات حول العالم هو، من الناحية البنيوية، سباق محكوم عليه بأن ينتهي بالتعادل.

أعتبر أن هذه الورقة البحثية أمر جيّد للغية بما أنّها تتناول أمر قد تتجنبه معظم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي للخطاب. أنا محامية لبنانية في منطقة يكاد فيها الضغط لاعتماد الذكاء الاصطناعي يكون شاملًا حيث يتغلغل هذا الموضوع في نقاشات مجالس الإدارة وحيث يبدو أن السؤال المتعلق بجدوى اعتماده قد حُسم، ليصبح النقاش منصبًا على السرعة المطلوبة لتحقيق ذلك. لكن حجة كلية سلون التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تعيد صياغة السؤال من جديد وهذه المرة يكتسب هذا التحول أهمية حقيقية.

الفخ وراء التهافت على الذهب

لا جدال حول اعتماد الذكاء الاصطناعي. فقد أظهر تقرير «واقع الذكاء الاصطناعي» للعام ٢٠٢٥، الصادر عن شركة ماكنزي العالمية للاستشارات الإدارية والمستند إلى إجابات نحو ٢٠٠٠ مشارك من ١٠٥ دول أن ٨٨ في المئة من المؤسسات تستخدم حاليًا الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من وظائفها مقارنةً بـ٧٨ في المئة في العام السابق. كذلك، أظهرت دراسة أجرتها كلية لندن للاقتصاد وشركة الاستشارات بروتيفيتي، ونُشرت في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ٢٠٢٤ استنادًا إلى استطلاعات شملت نحو ٣٠٠٠ موظف، نتائج لافتة مفادها أن المهنيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يوفرون في المتوسط ٧,٥ ساعات أسبوعيًا.

لكن يحدد وينغيت وبيرنز وبارني مشكلة بنيوية لا يستطيع أي حماس تجاه هذه الأرقام معالجتها. إذ يصبح كل تقدم تقني جوهري متاحًا في نهاية المطاف وبالقدر نفسه لجميع الشركات. وتتحول الخوارزميات إلى سلع متاحة للجميع كما تقوّض النماذج مفتوحة المصدر العروض الحصرية خلال أشهر قليلة من إطلاقها. وتذكر ورقة كلية سلون البحثية أن المواهب متوافرة بكثرة وأن المنافسة في مجال الأجهزة شديدة وأن ما قد يكون مملوكًا وحصريًا عند إطلاقه يتحول خلال أشهر إلى مجرد متطلب أساسي لدخول السوق.

ويكتب وينغيت وبيرنز وبارني: «بعيدًا من أن يكون الذكاء الاصطناعي مصدرًا للتمايز فسيصبح مصدرًا للتماثل». فلا يعود المحرك هو ما يحسم السباق عندما يستخدم الجميع المحرك عينه.

فخّ التماثل

تتمثل هنا المفارقة التي تفشل معظم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي في مواجهتها مباشرةً. فالانتشار الواسع الذي يمنح الذكاء الاصطناعي قيمته كفئة تقنية هو نفسه ما يجرّده من قيمته كعامل للتمايز. فإذا كان منافسك قادرًا على الوصول إلى النماذج نفسها وإمكانات الأتمتة نفسها والأدوات نفسها فلن تتراكم الميزة لمصلحة أي منكما وبالتالي سيبقى ترتيبكما في السوق على حاله للغاية.

لكن ما الذي ترتفع قيمته حين تسوّي الأدوات الفوارق؟ في أيلول/ سبتمبر من العام ٢٠٢٥، أشار معهد الأعمال في المجتمع العالمي التابع لكلية هارفارد للأعمال إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع التمييز بصورة موثوقة بين الأفكار الجيدة والأفكار المتوسطة. كما لا يستطيع توجيه استراتيجيات الأعمال الطويلة الأجل ولا يمكنه محاكاة ذلك النوع من الذكاء الثقافي والحكم السياقي الذي يحدد ما إذا كان قرار معين مناسبًا لسوق بعينها ولمؤسسة محددة وفي لحظة زمنية معينة.

ويرى الاقتصاديون أجاي أغراوال وجوشوا غانس وآفي غولدفارب في مقال نُشر في مجلة «التمويل والتنمية» التابعة لصندوق النقد الدولي في حزيران/ يونيو من العام ٢٠٢٥ أن الذكاء الاصطناعي ليس سوى آلة للتنبؤ في جوهره. إذ يعالج المدخلات وينتج مخرجات احتمالية على نطاق واسع وبسرعة استثنائية. لكن يفصل بين التنبؤ والقرار عنصر الحكم أي الموازنة بين القيم والسياق وعدم اليقين وحجم المخاطر وهي عناصر لا يمكن اختزالها في مجرد التعرف إلى الأنماط.

وحين يمسي التنبؤ زهيد الكلفة، يمسي الحكم السليم نادرًا. لذلك، لا يكمن العلاج لمواجهة التماثل الذي يحدثه الذكاء الاصطناعي في استخدامه أكثر فأكثر بل في الارتقاء بجودة التفكير البشري.

أتمتة الرداءة على نطاق واسع

تكمن المشكلة في اتجاه معظم المؤسسات إلى فعل العكس تمامًا.

في تقرير نُشر في آب/ أغسطس من العام 2024، وجدت مؤسسة راند أن أكثر من ٨٠ في المئة من مشاريع الذكاء الاصطناعي تفشل في بلوغ مرحلة النشر التشغيلي الفعلي أي بمعدل فشل يقارب ضعف معدل فشل مشاريع تكنولوجيا المعلومات التقليدية. ولم يُعزَ السبب الأساسي إلى التكنولوجيا بل إلى الأسس التنظيمية المختلة التي تقوم عليها هذه المشاريع.

ورصد نيكولاس كار الكلفة الأعمق لهذه الدينامية في كتابه «القفص الزجاجي» وهو دراسة نشرها في العام ٢٠١٤ حول الأتمتة في قطاعات الطيران والطب والتداول المالي. وتتقاطع حجته مع أحد أبرز المخاوف المرتبطة بالتكيف مع الذكاء الاصطناعي وهو أن البشر يفقدون القدرة على أداء المهام المتخصصة بصورة مستقلة حين تتولاها الآلات. فحين يفوّض الطيار مهامه إلى نظام القيادة الآلية يفقد وعيه الظرفي وبالتالي تكون القدرة على الحكم الضرورية لاستعادة السيطرة قد تراجعت بالفعل عند تعطل النظام. كذلك، يفقد المحلل المالي الذي يعتمد على مخرجات الخوارزميات ملكة التفسير التي كانت تمنح هذه المخرجات معناها. ويبيّن كار أن الكفاءة مهارة لا بد من ممارستها لأن الممارسات التي لا تُستخدم تتآكل. وفي خضم السباق الحالي نحو أتمتة أكبر قدر ممكن من المهام وبأسرع وقت ممكن، تتوقف فئات كاملة من القدرات البشرية عن الممارسة.

وتكتسب المخاطر في هذه المنطقة أبعادًا خاصة. فقد أظهرت أبحاث ماكنزي للعام ٢٠٢٥ حول دول مجلس التعاون الخليجي أن قرابة ٩٠ في المئة من الرؤساء التنفيذيين أفادوا باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي نسبة تتجاوز المتوسط العالمي. مع ذلك، لا يندرج سوى ١١ في المئة منهم ضمن الفئة التي تسميها ماكنزي «محققي القيمة»، أي المؤسسات التي نجحت فعليًا في توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي وتستطيع أن تنسب إليه عوائد مالية ملموسة. وتعكس الفجوة بين الاعتماد وخلق القيمة مشكلة في الجاهزية، فيما تكمن تحت مشكلة الجاهزية أزمة في رأس المال البشري لا يمكن لأي حجم من مشتريات البرمجيات معالجتها.

ولا يستطيع أي نموذج توليد الذكاء الثقافي وعمق العلاقات والمعرفة السياقية بالسوق والتي العناصر التي تحدد الميزة التنافسية في هذا الجزء من العالم. فقد تراكمت هذه العناصر على مدى عقود وهي تحديدًا ما يعجز الذكاء الاصطناعي عن محاكاته وما يواجه في الوقت نفسه أكبر المخاطر بسبب الاندفاع العشوائي نحو اعتماده.

الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان استراتيجية لا فلسفة

اكتسب تعبير «الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان» طابعًا يشبه بيانات القيم والمبادئ أي ذلك النوع من العبارات الذي يرد في تقارير الاستدامة بين أهداف الحد من الانبعاثات الكربونية ومؤشرات الشمول لكنه لا يمثل مجرد بيان قيمي بل يشكل الاستراتيجية الوحيدة للذكاء الاصطناعي القادرة على الصمود من الناحية البنيوية.

لن تكون الشركات القادرة على انتزاع ميزة الاستدامة من الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تمتلك العدد الأكبر من الأدوات بل تلك التي تستخدمه من أجل تمكين البشر من أداء المزيد مما لا يستطيع سواهم القيام به وليس تقليص دورهم. ويعني ذلك إصلاح العمليات قبل أتمتتها والاستثمار في جودة الحكم البشري قبل نشر الأدوات التي ستعمل على تضخيمه والتعامل مع الثقافة الإبداعية والخبرة السياقية والمعرفة المؤسسية لا باعتبارها تكاليف ينبغي التخلص منها من أجل تحسين الكفاءة بل بصفتها الحاجز التنافسي الذي يمنح نتائج الذكاء الاصطناعي قيمتها منذ البداية.

يضخّم الذكاء الاصطناعي كل ما يجده أمامه. تتضاعف قدرات شركة تتمتع بحكم بشري نافذ وثقافة إبداعية قوية حين تعتمد الذكاء الاصطناعي بصورة هائلة. وفي المقابل، حين تستخدم شركة تعاني اختلال العمليات وتراجع القدرة على التفكير الأدوات نفسها، تمسي أكثر اختلالًا بوتيرة أسرع وبكلفة أقل.

لذلك، ينبغي لكل رائد أعمال في هذه المنطقة أن يسأل: ما الذي سيضخمه الذكاء الاصطناعي تحديدًا؟ وهل يستحق ما بنيتموه أن يتضاعف أثره؟ وما المهارات الأساسية التي قد تضيع في خلال هذه العملية؟

You may also like