Home قادةمسرحية لا انتهاء لها

مسرحية لا انتهاء لها
ARENFR

دعاية وسلطة وانهيار التفكير الايجابي

by Thomas Schellen

يبدو تعريف الحرب في العصر الحديث بسيطًا من حيث المبدأ إذ تقوم على تبادل العنف ضمن حالة نزاع مُعلَن غير أنّ تطبيقاته وتفسيراته المعاصرة تظل شديدة التعقيد. هل تُعدّ الحرب الاستباقية حربًا دفاعية مبرَّرة؟ هل يمكن أصلًا تبرير نزاع مسلح غير متكافئ وغير مُعلَن؟

هل يمكن تبرير عنف تمارسه جماعات غير حكومية فيما تتسامح بسقوط ضحايا مدنيين أو تستهدف غير المقاتلين بما في ذلك المقاتلين خارج الخدمة بوصفه كفاحًا من أجل تقرير المصير أم أنّه يبقى دومًا إرهابًا؟ هل يُعدّ إعلان «حروب» على الإرهاب وعلى الجريمة المنظمة أو غير المنظمة وعلى المخدرات أو حربًا على السلاح وعلى الكراهية أو استخدامًا مشروعًا لمصطلح «الحرب» أو تسويقًا خدّاعًا لأجندة أيديولوجية أو حتى نفعية لدولة أو جماعة أو قائد نافذ؟

إنها هذه أسئلة مُربِكة ارتباكًا وتستدعي إجابات صادقة. كما لا تُجدي معها المراوغة والإنكار وإعلانات البروباغندا. فتتشابه الحرب المسلحة والبروباغندا على نحو يجعل منهما وجهين لعملة واحدة، إذ تُعبّران عن صراع للهيمنة المنهجية وعن فرض عدواني لبناءات اجتماعية بعينها على سائر البناءات. وبرز ذلك في القرنين التاسع عشر والعشرين عبر شيوع حروب البروباغندا حول الأيديولوجيات والهوّيات، سواء تعلّق الأمر بالشيوعية والرأسمالية والقومية والاستعمارية والإمبريالية والصهيونية والاشتراكية القومية والشمولية والعنصرية الآرية والشوفينية الذكورية وأي نزعة أخرى.

أخذ تأثير البروباغندا يتصاعد إلى حدّ باتت معه آثارها كونية وفورية مع دخول حركة الفن المضاد الخاصة بالحروب الأحادية الجانب والعالية التكنولوجيا إلى عصر المعلومات وخطوها نحو الواقع الرقمي. ومع ذلك، لا يزال يُفهَم القليل عن معادلة الكلفة والمنفعة للدعاية على مستوى اجتماعي كلي. ما ضخامة الفاتورة التي يتطلبها إنتاج هذا النوع من البروباغندا وتدوير الرأي العام العالمي نحو إدراك يُشبه أن ذيلًا يُحرّك كلبًا؟ ما جسامة الكلفة، على المديين القصير والطويل، التي تُلحِقها هذه الممارسات بنسيج كبح الإنسان لذاته؟ ما الكلفة التي تكاد لا تُحصى للدمار النفسي الذي تُخلّفه الحرب والبروباغندا للأفراد وللعائلات سواء كانوا جناة أو ضحايا أو الاثنين معًا في الوقت ذاته؟

يبدو اليوم أنّ المسافة بين البروباغندا والنشاط المسلح والنزاع العسكري تتقلص بوتيرة حادة. وخيضت حروب النصف الأول من القرن العشرين على ميادين دمار واسع النطاق، كما رافقتها آلات دعاية بدائية نسبيًا كانت تضخّ منشورات تستهدف القواسم الدنيا لدى مواطنيها ولدى مواطني الخصم، أو تنخرط في التأثير التخريبي على قادة الرأي وعلى الرأي العام داخل دول العدو. وإضافة إلى ذلك، عمدت دولٌ طامحة إلى غزو أيديولوجي، من الرايخ الثالث وصولًا إلى الاتحاد السوفياتي، إلى توظيفٍ قوي لأجهزة الشرطة السرية ولأساليبها الإرهابية في قمع المعارضين.

وشهد النصف الثاني من القرن الماضي انتقال ساحات البروباغندا من المنصات العامة والسينما إلى غرفة المعيشة الخاصة، كما تسارع إيقاعها انطلاقًا من نشرات الأخبار الأسبوعية المصوّرة. وبعد سنوات قليلة فحسب، أُضيف الإنترنت والصحافة المرافِقة للقوات إلى مصفوفة حرب المعلومات في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد صدام حسين.

ويُدفع اليوم بالحرب السيبرانية والتعلّم الآلي إلى قلب المعركة، فتُسَلَّح الكلمات على نحو غير مسبوق، كما يُعاد تعريفها بعيدًا عن معناها التاريخي أو تُستحدث لها معانٍ جديدة. وتصلنا جرعات العنف من الميكرو إلى الماكرو في هيئة أخبار إلى جيوبنا، فتؤذي عقولنا. ويتجه «تدوير السرديات» والبروباغندا نحو قمم جديدة. وتُبَثّ خطابات الكراهية والصور الزائفة، كما تُخاض حروب البروباغندا على أجهزتنا الشخصية.

تجلّت كل هذه التطورات الطبيعية، أو غير الطبيعية، في العنف البشري في الشرق الأوسط بوتيرة أعلى وبأثر أكثر فورية مما شهدته مناطق جيوسياسية أخرى أقل صراعًا على كوكب الأرض. وشكّلت النزاعات العربية الإسرائيلية السبعة بين ١٩٤٨ و٢٠٢٥ أشهر تلك الحلقات، لكنها لم تكن، بفارق كبير، كل ما جعل المنطقة بؤرة اشتعال عالمية ومرادفًا للنزاع، إذ تداخلت حروب الوكالة خلال الحرب الباردة والاضطرابات الداخلية والحروب الأهلية والحروب بين الدول التي أوقفها طغاة مثل صدام حسين والاعتداءات الإيرانية وقمع الاضطرابات من جهة ونزاع الصحراء الغربية من جهة أخرى داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وداعش والتنظيمات شبه الدولتية التي تمتلك تسليحًا يفوق ما لدى بعض دول المنطقة والخلافات بين السلالات الحاكمة العربية وداخلها، ثم نُسج كل ذلك في نسيج طاغٍ من مناوشات واعتداءات واضطرابات وتوغلات ومعارك وصراعات اقتصادية وحرب مفتوحة.

وأخيرًا، وبعد تراكم عالمي دام عقدًا أو عقدين من ذهنيات ترى نفسها على حق في كل المعسكرات، على امتداد الانقسامات الشعبية على خطوط الصدع الحضارية، انفجرت ذهنية عمرها قرن على المستوى الدولي خلال مسار هذا العام. ويواجه متابعو الشؤون العالمية خلطات غير مقدسة من الاستعراض ومن التهوين، كما يواجهون «ماغاوية» ونزعات شعبوية أخرى، وكذلك مخاوف تبلغ حدّ الارتياب. ونشهد أفول التفكير غير الصفري القائم على مكسب للجميع أو مكسب للجميع وللجميع، ونشهد في المقابل صعود ذهنيات رابح وخاسر وسط عودات للنزعة الحتمية ولفكرٍ «سْبِنغلري».

يُحيل هذا المصطلح الأخير إلى انطباعٍ بأنّ هذه اللحظة الجيو تاريخية، عند منعطف أواخر العام ٢٠٢٥، مشبعة بأصداء تُذكّر بالكاتب الألماني أوزفالد شبنغلر. وبفعل قوى المصادفة الخالصة أيًّا تكن، وُوجه العالم الفكري الناطق بالإنجليزية قبل قرن تمامًا بما صاغه شبنغلر، فيلسوفَ التاريخ الألماني الهاوي في القرن الماضي، بوصفه صعودًا وأفولًا محتومين للثقافات.

وعزا كتابه «تدهور الحضارة الغربية»، وقد حمل عنوانًا أكثر درامية في الأصل الألماني، إرهاقًا وجوديًا إلى ثقافة نصف الكرة الغربي، كما سمّى المرحلة النهائية الوشيكة لهذه الثقافة «الحضارة الفاوستية»، التي قال إنها ستتسم ببروز «القيصرية»، أي بظهور شخصية سلطوية عليا تتربع على قمة الدولة.

وقدّم تصريحٌ صادر عن البيت الأبيض في أوائل كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٥ بشأن «استراتيجية الأمن القومي» لإدارة ترامب نموذجًا يكاد يكون مثاليًا للفكر السْبِنغلري. وبينما قد تبدو هذه الوثيقة أقرب إلى مختارات من صناعة سياسات اندفاعية منها إلى وثيقة استراتيجية، فإنها تُجادل بمنطق اقتصادي، وإن كان ضعيفًا، بأنّ أوروبا شهدت تراجعًا في حصتها في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال الأعوام ٣٥ الماضية بسبب، من بين عوامل أخرى لم تُسمَّ، لوائح «تقوّض الإبداع وروح الاجتهاد». ويُذكّر بشبنغلر أنّ الجملة التالية في الوثيقة نفسها تعظ بلهجة أشد قتامة، فتقول إنّ «التراجع الاقتصادي» لأوروبا «يطغى عليه احتمال محو حضاري أكثر واقعية وأكثر قسوة».

وتنعطف زاوية النظر هنا إلى ادعاء امتلاك «لانهاية» شبه تنويرية للجانب الأمريكي من الحضارة الفاوستية نفسها. وتُصوَّر أمريكا بوصفها «أقوى دول العالم وأغناها وأكثرها نفوذًا ونجاحًا»، بما لها من أسبقية شاملة على مستوى نصف الكرة، بل وبما لها من تفوق نقطةً بنقطة.

ويتعزز ذلك بأفكار إقصائية تُقدّم من الطبيعي والعادل أن تُعلي الدول مصالحها الخاصة، كما توحي بأنّ التنافس ذا المحصلة الصفرية أسمى من التعاون ومن الإيثار المتبادل ومن النتائج القائمة على مكسب للجميع. وبذلك، تنكر هذه التصورات مصيرًا كوكبيًا مشتركًا، كما ترفض الحاجة إلى توازن اقتصادي عالمي وإلى تحسينات باريتو الضرورية لبقاء منظومتنا البيئية الكوكبية وحضارتنا.

تبدو صورة الإدارة الأمريكية الذهنيّة بالغة الأهمية للشرق الأوسط إذ انها تكتسب أهمية في فهم صياغة استراتيجيات الاستجابة على الرغم من أنّ المنطقة لا تظهر في وثيقة الاستراتيجية إلا حضورًا محدودًا وبمنطق اقتصادي ناقص على نحو فاضح يتمحور حول تراجع أهمية إنتاج الوقود الأحفوري.

وعلى الرغم من أنّ المقاربة «الجديدة» الأساسية، التي تستحضر أسطورة «أبناء العاهرة» المنسوبة كثيرًا إلى لسان رئيس أمريكي كعبارة مأثورة، تجاه المنطقة تتمثل في التأكيد أنّ هذه الإدارة الأمريكية تريد «العمل مع شركاء الشرق الأوسط» على مصالح اقتصادية مشتركة، كما تؤكد أنها لا تريد بأي شكل التدخل في ممارسة السلطة داخل الملكيات الخليجية أو دفعها إلى التخلي عن «التقاليد وأشكال الحكم التاريخية»، يجدر التنبه إلى أنّ وثيقة الاستراتيجية تستخدم مصطلح «الاستثمار» مرتين في فصلها القصير عن الشرق الأوسط، ولكن من دون أي تحديد، ومن دون أي إشارة تُلمّح إلى أنّ هذا الاستثمار الممجّد قد يكون أمريكيًا.

وعند النظر إلى ذلك على خلفية أسئلة لم تُحسم بعد حول قرار الأمم المتحدة رقم ٢٨٠٣، وعلى خلفية المتطلبات الرأسمالية والاجتماعية الاستثمارية الهائلة، بل غير واقعيّة على الأرجح، التي تبلغ تريليونات من الدولارات من أجل تحقيق الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في مصر وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان، تشير لغة الانتصار القائمة على رابح وخاسر لدى الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٥، مع ما تحمله الاستراتيجية الجديدة من دلالات، إلى خلاصة واقعية مُحبِطة. وتستمر المسرحية الشرق أوسطية بلا انقطاع، حيث تعلن القوى العالمية المهيمنة ووكلاؤها الإقليميون التزامهم بالسلام وبالتنمية، فيما يكرّسون اختلالًا بنيويًا. وكما توحي كلمات مُقتبسة ومكيّفة من أغنية لفرقة «كوين»، يجب أن يستمر العرض.

مساحات فارغة… فلماذا نعيش؟

أماكن مهجورة ونحن نعرف الحصيلة.

هل أحد يعرف حقًا ما الذي يبحث عنه الشرق الأوسط؟

You may also like