أطلقت وزارة الثقافة استراتيجية جديدة للصناعات الإبداعية والثقافية في لبنان. ونظرًا لاعتمادها على أبحاث داخلية وعلى تفاعل مع أصحاب المصلحة، استندت إلى مقاربة بدت اقتصادية بقدر ما هي ثقافية، إذ سعت، كما يظهر، إلى تشخيص قطاعٍ متعثر وإعادة ضخّ الحيوية فيه وبذلك هدفت أيضاً إلى إبراز دورٍ أكثر فعالية وتشاركية وتيسيرًا ومن ثمّ أكثر تأثيرًا للوزارة عينها.
أوضحت الاستراتيجية أنّها تهدف إلى «تعزيز المنظومة الثقافية والإبداعية كي تتمكّن من الإسهام بكامل طاقتها في التعافي الاقتصادي والتماسك الاجتماعي وتحسين موقع بلدنا في المنطقة وفي العالم». وقدّم وزير الثقافة غسان سلامة، هذا الإطار الطموح إلى زملائه في الحكومة وأصحاب المصلحة ووسائل الإعلام في 10 شباط/ فبراير، أي بعد ما يقارب عامًا على تولّي مجلس الوزراء الحالي مهامه، فكرّر وصف الخطة بأنها «طموحة». ويصعب الاعتراض على ذلك، غير أنّ السؤال يبقى: هل يتجاوز مستوى الطموح حدود الواقع؟
تحديد التحدّيات
استغرق إعداد الاستراتيجية قرابة عام واحد، وجاءت ثمرة مسار تصاعدي من القاعدة إلى القمة، إذ دُعي أكثر من 500 محترف من القطاعات الفرعية للصناعات الإبداعية والثقافية إلى مجموعات تركيز واستبيانات وورش عمل. وشملت هذه القطاعات السينما والسمعي-البصري والموسيقى والتراث والمتاحف وفنون الأداء والفنون البصرية والمكتبات العامة والتصميم إضافة إلى اختيار ممثل عن كل قطاع ليؤدي دور حلقة وصل بين القطاع الفرعي المعني والوزارة.
أُغفل، مع ذلك، تخصيص فئة مستقلة للمجالات الإبداعية الأحدث وصناعات المحتوى في المجال الرقمي على الرغم من عّد الاقتصاديين لها أنّها محورية لثروة المستقبل وذلك وفق النسخة المنشورة على موقع الوزارة. وتوزعت أكثر من عشر إشارات إلى قضايا رقمية عبر ما يقارب 50 شريحة من محتوى الاستراتيجية، بما في ذلك الإشارة إلى ضرورة استراتيجية تتمثل في «الاستثمار الانتقائي في البنية التحتية الثقافية والقدرات الرقمية». ومع ذلك، لم تُفصّل الاستراتيجية كيفية تطبيق ضمانات السياسات العامة المطلوبة أو نفقات رأس المال اللازمة لمشروع بهذا القدر من التعقيد.
على الرغم من هذه الثغرات، حدّد المستند النهائي تدخلات واسعة النطاق موصى بها لكل قطاع، مثل تحسين الوضع القانوني للمصممين وصياغة قانون جديد للتراث والدعوة إلى إزالة الضرائب عن العروض غير التجارية وغيرها الكثير. وبذلك تضمّنت الاستراتيجية 162 مبادرة موزعة على القطاعات الفرعية التسعة.
تبدو العقبات التي تواجه الصناعات الثقافية اللبنانية واسعة ومتراكمة، إذ تشمل قوانين متقادمة وسنوات من ضعف الاستثمار وتراجع الرقمنة وغياب جمع البيانات وهجرة المواهب، على سبيل المثال لا الحصر، وهي مسائل شغلت أصحاب المصلحة لعقود. ومنذ العام 2019 اهتزّ هذا القطاع بفعل توالي الأزمات الاقتصادية وجائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت وأحدث النزاعات الإقليمية. وخلال الجائحة، أي في بدايات هذه السنوات التي تداخلت فيها الكوارث الاجتماعية والاقتصادية والإبداعية، تراجع التوظيف بدوام كامل في الصناعات الإبداعية والثقافية بأكثر من الثلثين، وارتفعت البطالة أو نقص التشغيل بنحو 1000 في المئة بحسب مسح أُجري في العام 2021 بتكليف من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ).
لم يُصرَّح بذلك صراحة، غير أنّ الرسالة الضمنية التي ترددت خلال العروض والنقاشات في فعالية إطلاق الاستراتيجية تمثلت في أنّ أزمات أصحاب المصلحة في هذا القطاع تعكس، في المقابل، تحديات المؤسسة التي أنتجت الاستراتيجية. وتحت شعار التطلع إلى جعل الصناعات الإبداعية والثقافية محرّكات للنمو في لبنان جديد، برزت رسالة مفادها أنّ وزارة الثقافة وضعت نصب عينيها خوض مساحة اقتصادية أوسع مما فعلت سابقًا.
ابتعدت الوزارة، بذلك، عن النموذج الاقتصادي السابق للأزمة، حين كانت الخدمات المالية تُعامل بوصفها قطاع الخدمات الوحيد الجدير باهتمام إداري واستراتيجي جاد، كما بدا أنّها تسعى إلى تجاوز ظلّ محدودية وزنها مقارنة بالوزارات الخطّية التي كانت تتحكّم بمصادر الإيرادات والحقائب الأكثر جاذبية ماليًا.
غير أنّ مقرّ الوزارة في المكتبة الوطنية، على الرغم من أنّه مُلهم من زوايا ثقافية عدّة، لا يستطيع إخفاء حقيقة أنّ الوزارة ما تزال ابنةً مُهمَلة في موازنة والدٍ حكومي مُستنزَف ماليًا. وكشفت ملاحظات موظفي الوزارة والوزير أنّ نقص التمويل ونقص الكادر في سنة الموازنة 2025-2026 يشكلان، اليوم، تحديًا أكبر مما كان عليه الحال في السنوات التي سبقت الأزمة حين كان الوضع المالي أقل يأسًا. وقد تكون الأشد إثارة للقلق بقاء وصمات متراكمة تتمثل في كون الوزارة وحدة حكومية تعاني تدهور أصول المباني وقضايا الرقابة وخلافات مستقطبة وشاقة حول الهوية الثقافية الحقيقية للبنان.
استراتيجية قائمة على التقدير
يتضح، عند التعمق في المستند، أنّ مسار تطوير الصناعات الإبداعية والثقافية لن يكون بالسهولة التي قد توحي بها شرائح العرض. وقدّمت التدخلات الموصى بها والمحددة ضمن الاستراتيجية قراءةً في وقتها لما ينبغي فعله لدعم نمو هذا القطاع. لكنّ فجوة تفصل بين الفكرة والتنفيذ، ومن ثمّ تصبح الاستراتيجية أقل تحديدًا.
يبدو اختيار نقطة الانطلاق صعبًا مع وجود 162 مبادرة. لذلك صنّفت الاستراتيجية المبادرات ضمن ثلاث فئات وفق الجدوى والتسلسل والاعتماديات، بحيث تُمنح الأولوية للتوصيات الأكثر واقعية وإلحاحًا في التنفيذ. وتفاوتت المبادرات من حيث الحجم، إذ شملت إحداها ذات الأثر الأوسع إنشاء «برنامج حاضنة ثقافية عبر شركاء مختارين»، بينما اقتصر بعضها على نطاق أصغر مثل إعادة فتح السينماتيك الوطني أو تطوير ونشر مجلة المراجعة الأثرية BAAL عبر الإنترنت. وسُمّيت جميعها «تدخلات موصى بها»، وهذا، على الرغم من ترتيب الأولويات، يجعل من الصعب تحديد ما الذي يُعدّ التزامًا فعليًا وما الذي يبقى مجرد توصيات لما يمكن فعله.
قدّم الوزير معيارًا وحيدًا في حفل الإطلاق يتمثل في هدف أن تسهم الصناعات الإبداعية والثقافية بنسبة 7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031. غير أنّ هذا الهدف لم يُدوَّن في الوثيقة النهائية للاستراتيجية، كما لم يستند إلى أي توقعات بيانات اقتصادية جزئية أو كلية. وقالت مديرة مكتب وزير الثقافة ياسمين حلو لمجلة Executive إنّ تصريح الوزير يعكس آمال المؤسسة في الإسهام في تعزيز برنامج مجلس الوزراء للنمو الاقتصادي، وإنّ تنفيذ الاستراتيجية قد يساعد، بعد خمس سنوات، في رفع الحصة الحالية الأدنى بكثير للصناعات الإبداعية والثقافية في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 في المئة، أو حتى إلى 7 في المئة.
وعند سؤالها عن كيفية احتساب هذا «الأمل»، شرحت حلو قائلةً: “إنه توقع يستند إلى البيانات المحدودة المتاحة قبل الأزمة حول الأداء الاقتصادي للصناعات الإبداعية والثقافية. ويعتمد على مساهمتها الموثّقة في الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمات، إلى جانب تقييم لمرونة القطاع وإمكانات تعافيه. وبما أنّ القيود على البيانات قائمة، فإنّ هذا الرقم يمثل تقديرًا إرشاديًا لا هدفًا معتمدًا رسميًا ضمن الاستراتيجية”.
يُقرّ كثيرون بأنّ للصناعات الإبداعية والثقافية قيمةً عالية للاقتصاد اللبناني، وعلى الرغم من أنّه لا يمكن الجزم بما إذا كانت مكانة رائدة عالميًا للصناعات الإبداعية والثقافية اللبنانية ضمن اقتصادها الوطني ستصبح ممكنة، فلا شكّ أنّ مثل هذه الآمال تصطدم بجدران متعددة من عدم اليقين الاقتصادي.
بين الرؤية والتنفيذ
يُحسب للاستراتيجية أنّ التدخلات المحددة فيها واضحة المعالم، كما يُحسب لها إدماج أصحاب المصلحة بصورة شاملة. لكنّ طريق التنفيذ يبدو أكثر التباسًا، وهو أمر مُحبط بعمق، لأنّ نقطتي الضعف النظاميتين اللتين ما تزالان تعرقلان الطموحات الاقتصادية الحكومية تتمثلان في فشل التنفيذ وفشل التعاون بين الوزارات ذات الصلاحيات المتجاورة والمتداخلة.
تفرض سعة الاستراتيجية مخاطرها الخاصة، إذ تتطلب التدخلات، بالمجمل، جهودًا لسنوات عدة وقدرة مؤسسية مكرسة، وهي موارد لا تمتلكها الوزارة حاليًا.
اعتمدت الوزارة، عمليًا، بدرجة كبيرة على مساهمات تطوعية.
وقالت حلو: «شهدنا خلال العام الماضي مدى استعداد المتطوعين في هذا البلد للمساعدة والانخراط والعمل فعليًا. ومن أجل ذلك طرأت فكرة إنشاء لجان نسمّي فيها أشخاصًا من القطاع الخاص يريدون الانخراط، وبذلك نتمكن من الربط والمتابعة مع الوزارة بطريقة أكثر مؤسسية من دون الاضطرار إلى المرور بكل عملية التوظيف. هذا أحد الأمور التي نحاول إيجادها”.
لا تُعدّ استمرارية المؤسسات داخل الوزارات نموذجًا راسخًا في السجل السياسي للبنان ما بعد الحرب الأهلية، حتى حين تعمل الوزارات بفعالية نتيجة تعاون متناغم فيما بينها. وبناءً عليه، قد يُعدّ تحقيق استمرارية مؤسسية موثوقة في وزارة الثقافة إنجازًا لافتًا ومستحق الإشادة، على الرغم من أنّه يرتبط بقدوم مجلس وزراء جديد في وقت غير محدد بعد الانتخابات النيابية المقررة هذا الربيع.
لكنّ هذا الإنجاز يبدو يسيرًا إذا قورن بطموح التحول إلى ممكّن اقتصادي بأبعاد غير مسبوقة. فعلى سبيل المثال، ينبغي قراءة إنشاء «برنامج حاضنة ثقافية»، الذي تدرجه الاستراتيجية بوصفه حاجة أساسية عابرة للقطاعات، ضمن سياق ريادة الأعمال ومنظوماتها.
ذكرت حلو أنّ البرنامج يجب أن يكون «كبيرًا جدًا»، كما أنّ الأنسب أن تديره مؤسسة تمتلك قدرات كبيرة في التدريب والإرشاد على خطط الأعمال وتأمين التمويل وإدارته والامتثال القانوني وأفضل ممارسات الحوكمة المؤسسية وأولويات التشغيل الخاصة بكل قطاع فرعي لشركات ناشئة أو مؤسسات فتية مختلفة ضمن الصناعات الإبداعية والثقافية. ولم تُصمّم وزارة الثقافة فكرة الحاضنة بعد إلى حدّ تحديد رقم مستهدف لعدد رواد الأعمال الثقافيين الذين ترغب في إدخالهم ضمن كل دفعة، كما لم تبلغ مرحلة تأمين التزام من جهة قائمة تقدّم خدمات احتضان الأعمال.
يبدو العثور على جهة قادرة ماليًا وثقافيًا، وتمتلك شهية مستدامة للانخراط، تحديًا كبيرًا، لأنّ الأمر لا يتعلق بقدر ما يتعلق بـ«تعزيز» منظومة ثقافية وإبداعية قائمة، ببناء منظومة من تحت الأرض تجمع بين الثقافة والإبداع وإمكانات الاستدامة الاقتصادية. ولفتت حلو قائلةً: «أعتقد أنّ للصناعات الإبداعية والثقافية إمكانات كبيرة للاحتضان، لكنّ كثيرًا من تلك [المؤسسات الثقافية] التي تناولناها لم تصبح قابلة للحياة اقتصاديًا”.
تعزز الفكرة الضبابية لبرنامج الاحتضان الصورة السائدة عن إدارات لبنانية سابقة، إذ لطالما روّجت وزارة الثقافة مواقف الدولة بشأن الشؤون الثقافية، لكنها لم تكن فاعلًا محوريًا في خلق إعانات قابلة للحياة للفاعلين الثقافيين، فضلًا عن بناء أسواق اقتصادية للصناعات الإبداعية والثقافية. وتؤكد الخبرة المحلية في منظومات ريادة الأعمال الداعمة لقدرة الشركات الناشئة التقنية والزراعية على الاستمرار أنّ برنامج احتضان متكامل بكل تفاصيله يمكن أن يجمّل قدرة هذا القطاع على تحقيق حصة طموحة من الناتج المحلي الإجمالي، مهما كانت الحصة كبيرة ومهما كان الإجمالي بعد خمس أو عشر سنوات.
غير أنّها تؤكد أيضًا أنّ برنامج احتضان تدعمه الدولة أو ترعاه جهات دولية لا يصنع منظومةً وحده. فمهمة إنشاء منظومة هي، في جوهرها، معقدة، وقد ثبت أنها ليست خالية من المطبات ولا سريعة في تجربتين أساسيتين لتعزيز ريادة الأعمال في لبنان: حاضنات ومسرّعات التكنولوجيا التي انطلقت تحت ضرورات اقتصاد المعرفة ضمن الدفع الكبير الذي قاده مصرف لبنان في السنوات التي تتالي العام 2010 عبر «التعميم 331»، ودفع تطوير ريادة الأعمال الزراعية (Agrytech) لدعم مشاريع زراعية شاملة ومنتجة بقيادة Berytech، حيث جاء أول نجاح قابل للقياس، من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بعد سنوات من الانطلاق مع رعاية أجنبية ودعم مانحين كبير.
في الوقت الراهن، أي في أفق لا يقل عن هذا العام وربما يمتد إلى ولاية برلمانية كاملة من أربع سنوات، لا يُتوقع أن تتوفر لدى وزارة الثقافة بصورة موثوقة رؤوس الأموال البشرية والمالية المكرسة، أي ببساطة موظفون أكفاء وأموال.
يُدخل الاعتماد المكثف على العمل غير المدفوع، من حيث المبدأ، مخاطر تتعلق بالاستمرارية، بالإضافة إلى زيادة احتمال نشوء تضارب مصالح واحتمال قابلية للفساد بصورة صريحة. ويطرح عدم اليقين السياسي بعد الانتخابات المقبلة سؤالًا إضافيًا حول متانة الاستراتيجية. وتحاول الوزارة إبرام أكبر عدد ممكن من الاتفاقات، لكنّ تنفيذ الاستراتيجية بالكامل يمتد بوضوح إلى ما بعد الدورة السياسية الحالية.
ولا يلامس كل ذلك بعد السؤال الأوسع: كيف سيعرّف لبنان الرقمي هويته الثقافية في بيئة عالمية وإقليمية مستقطبة تتنازعها رغبات متباينة وضغوط خارجية؟ سيأتي المستقبل رقمياً، أو لن يأتي، فمن سيصممه؟
قد يتساءل المرء عن مدى استدامة هذه الشروط لتنفيذ أعمدة الاستراتيجية المتعددة. غير أنّ الوزارة تسعى إلى إنجاز أكبر قدر ممكن بالموارد المتاحة لديها. وقد بدأت بالفعل تنفيذ بعض التدخلات، مثل رقمنة المكتبات الوطنية وتوحيد معاييرها، وهو ما يشير إلى تحوّل في وتيرة التقدم. ومع ذلك، يبدو أنّ محاولة معالجة جميع القضايا الواردة في الاستراتيجية تمثل توسعًا مفرطًا. وقد يتساءل المرء أيضًا إن كان إقرار الوزير الصريح بمستوى طموح الاستراتيجية يشكل طريقة غير مباشرة للاعتراف بأنّ الأهداف قد لا تكون جميعها قابلة للتحقق. ويبدو كأن الوزارة نفسها تدرك حجم عدم اليقين:
تقول حلو: «تحاول الأفضل ثم تعود لتفعل قدر ما تستطيع.”
With contributions by Thomas Schellen
