Home تحليلاقتصاد جيوسياسي جديد

اقتصاد جيوسياسي جديدARFREN

ارتدادات الحرب على النفط والتضخم وأهداف التنمية المستدامة

by Thomas Schellen

يسود إجماع لافت بين نخبة المستشارين الاقتصاديين العالميين الذين يشتهرون عادة باختلاف تحليلاتهم وتباين توقعاتهم. إذ يدفع الاقتصادي العالمي الراهن جميع أصوات الخبراء إلى التحذير من كوارث متجمعة نتيجة عدم اليقين الشامل. لكن هذا الإجماع بشأن الاقتصاد العالمي في ربيع العام ٢٠٢٦ لا يحمل أي دلالات إيجابية بل تكمن فرادته في شموليته فحسب. أما الصورة الأقرب إلى الواقع فهي أن الجميع ينتبه عندما تتعمد شاحنة عملاقة الاصطدام بقوة.

تعود أسباب الكوارث الاقتصادية التي اجتاحت ربيع العام ٢٠٢٦ في معظمها إلى حدث محوري واحد ونقطة انطلاق واحدة وهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية «الاستباقية» على إيران وما نتج عنها من مواجهة متوقعة في حركة التجارة البحرية في الخليج العربي التي تمر في مأزق ضيّق وهو مضيق هرمز. وبدأت التطورات باستهداف المرشد الأعلى الإيراني وبتبرير لم يدم طويلًا يقوم على السعي إلى تغيير النظام تحت شعار تحرير الشعب الإيراني لتتحول بعدها تقديرات المحللين الاقتصادية القصيرة الأجل وتوقعاتهم إلى جوقة صاخبة تردد كلمة واحدة هي “الأخطار.”

تخلق معظم هذه التحذيرات بشأن الأخطار السلبية من التقليل من حجم التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط. ومع ذلك، يمتد بعضها من تحذيرات سبق تداولها في العام الماضي.

ويكتسب المشهد ضمن هذا السياق الممتد على عدة سنوات أوزانًا متفاوتة بحسب الاقتصاد المعني. إذ ستشعر الدول المرتفعة الدخل التي تضم نحو ٦٥ دولة عضوًا في الأمم المتحدة وأكثر من ٢٠ إقليمًا صغيرًا، بالضغوط لكنها تبقى في موقع أفضل لمواجهتها. أما بالنسبة إلى الدول المنخفضة الدخل والأقل نموًا، فيبدو المشهد أشبه بقصة مرعبة. ويثير الوضع قلقًا بالغًا أيضًا في أكثر من ١٠٠ دولة عالقة في «فخ الدخل المتوسط» منذ عقدين أو أكثر.

ويبدو أن الرسالة الموجهة إلى هذه المجموعة الأخيرة من الدول تتمثل في أن الآفاق الجيو اقتصادية القاتمة التي طبعت عقد العشرينيات ازدادت سوءًا في خلال شهرَي آذار/ مارس ونيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦، بسبب التقلبات المفاجئة وغير المتوقعة والمتناقضة في كثير من الأحيان التي أصابت مؤشرات اقتصادية شديدة الحساسية وستنعكس عليها بشكل سلبي. ويحدث ذلك على الرغم من أن هذه التقلبات وقعت بعيدًا عنها ونتجت عن إجراءات وتهديدات قاسية خارجة بالكامل عن سيطرتها.

تفاصيل الصدمة بالأرقام

بدأت المرحلة الأولى من تداعيات صدمة الحرب على إيران عندما استوعبت الأسواق العالمية حالة عدم اليقين من في خلال تقلبات حادة. وظهرت أولى التحركات الكبرى في أسواق النفط الخام والغاز إذ قفزت أسعار النفط الرئيسة على أساس شهري بين أواخر شهر شباط/ فبراير ونهاية آذار/ مارس بنحو ٣٥ دولارًا و٢٣ دولارًا على التوالي بالنسبة إلى خامي القياس برنت وغرب تكساس الوسيط (WTI). وبحلول نهاية شهر آذار/ مارس، وتحديدًا عقب تصريحات سياسية صدرت آنذاك، قفزت أسعار النفط الخام بنحو ٤٠ في المئة للبرميل الواحد في حين بلغت الزيادة في خام غرب تكساس الوسيط ٣٠ في المئة.

واستمرت التقلبات كذلك طوال شهر نيسان/ أبريل. فلم تكتف أسعار النفط الخام بالارتفاع بنحو ٢٠ نقطة مئوية إضافية في خلال ٦١ يومًا كاملة من ٢٨ شباط/ فبراير من العام ٢٠٢٦ إلى ٣٠ نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦، بل انعكس الخطاب السياسي والأمني الأجوف كذلك في انخفاضين موقتين للأسعار من أكثر من ١٠٠ دولار للبرميل إلى أقل من ٩٠ دولارًا قبل أن تعاود الارتفاع في خلال شهر آذار/ مارس، ثم شهدت الأسواق تقلبين حادين إضافيين في خلال شهر نيسان/ أبريل.

وكان هذا الاضراب كافيًا لتدق أجراس الخطر دقًا بشأن التضخم في أسواق النفط العالمية. لكن حتى قبل أن تخفت أجراس التحذير الأولى من ارتفاع الأسعار في شهر آذار/ مارس من العام ٢٠٢٦، انتقلت ارتدادات أسعار النفط الخام العالمية على شكل ضغوط تضخمية إلى قطاعات الطاقة والنقل الوطنية في الاقتصادات النامية والمتقدمة. وفي العالم المتقدم، سلطت وسائل الإعلام الضوء على قفزات الاسعار اللافتة، بدءًا من أسعار البنزين في محطات الوقود الأمريكية وصولًا إلى التوقعات المتعلقة بأسعار زيت التدفئة لفصل الشتاء المقبل في المملكة المتحدة الذي كان لا يزال يفصل عنه ما لا يقل عن نصف سنة. ومع ذلك، لم تكن هذه الصدمات المثيرة التي أصابت المستهلكين في الأسواق المتقدمة سوى البداية لسلسلة من إشارات القلق التي صدرت من دول حول العالم بجدية.

وارتفعت الأسعار بشكلٍ متفاوت وبلغت أسعار المواد الأولية الصناعية والمواد الكيميائية التي لا تحظى عادة إلا باهتمام محدود في التغطيات اليومية مستويات مختلفة بالإضافة إلى غاز الهيليوم النادر الذي يُنتج منتجًا جانبيًا لاستخراج الغاز الطبيعي. وبالإضافة إلى الهيليوم الذي يمثل عنصرًا بالغ الأهمية في الصناعات الطبية والتقنية، تعرضت سلع صناعية مثل الأمونيوم والنفتا والكبريت والبنزين والستايرين والإيثيلين والبروبيلين والميثانول لضغوط تضخمية. واستمرت كل هذه التقلبات الحادة والارتفاعات في أسعار المواد الأولية التي تزامنت مع اضطرابات الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز في الأسواق الدولية طوال شهر نيسان/ أبريل وامتدت إلى شهر أيار/ مايو حتى كتابة هذا المقال.

وامتدت التداعيات على المستوى الوطني بدرجات متفاوتة إلى دول القارات الست المأهولة بصورة دائمة وطالت قطاعات السفر والرعاية الصحية والضيافة والتصنيع والتمويل العقاري والزراعة. وسرعان ما دقت المنظمات الدولية العاملة على تحسين الأمن الغذائي للفئات الأكثر هشاشة في العالم أجراس الإنذار بدورها. وحذرت منظمة «ميرسي كوربس» Mercy Corpsالدولية غير الحكومية في منتصف شهر نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦ من أن «تداعيات هذه الحرب على الأمن الغذائي باتت مكتوبة بالفعل في محاصيل لم تُزرع بعد.”

وحظي تضخم الأسعار في أسواق الطاقة بالنصيب الأكبر من الاهتمام، لكن انتقلت ارتفاعات الأسعار واضطرابات الإمدادات كذلك إلى سلع أخرى، إذ ظهرت على شكل تقلبات في أسواق الأسهم ودفعت عوائد السندات المكلفة إلى الارتفاع وأضعفت آفاق معدلات الرهن العقاري وأثرت في أسواق العملات واتجاهات أسعار المستهلكين. وفي نهاية المطاف، أضرت الضغوط التضخمية والاختلالات بين العرض والطلب منذ اندلاع الحرب على إيران بالعديد من الفاعلين الاقتصاديين حتى نهاية شهر نيسان/ أبريل، في حين أفادت أطرافًا أخرى.

وقد تذكّر هذه التطورات شعوب العالم بقوة بمدى الترابط والتداخل العميقين اللذين يطبعان الاقتصاد المعولم. فبعد شهر من الحرب، سُجلت ضغوط تضخمية فورية وانكماشات في حجم الأعمال امتدت من أكثر صالونات الأثرياء بذخًا إلى أمور أكثر خصوصية. وتحديدًا، حذر الرئيس التنفيذي لإحدى أبرز الشركات العالمية المصنعة للواقيات الذكرية في ماليزيا في أواخر شهر نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦ من زيادات مرتقبة في أسعار منتجاتها تتراوح بين ٢٠ و٣٠ في المئة ما قد يعرقل تنظيم الأسرة لدى الأسر الفقيرة بشكلٍ خاصة. وقبل ذلك بأسبوع تقريبًا، حذر رئيس مجموعة «LVMH» من أزمة وشيكة قد تواجه المجموعة إذا لم تنته الحرب على إيران سريعًا وهي تلك التي تضم تحت مظلتها رموزًا للثراء مثل بولغاري وديور وجيفنشي ودار هينيسي للمشروبات وكينزو ولويس فويتون ومويت للنبيذ وتيفاني وغيرها.

وتشمل الجهات المستفيدة من الصراع الإيراني شركات الطاقة ومصدري الصناعات الدفاعية وأسواق الأوراق المالية والمصارف الاستثمارية والمستشارين الماليين وشركات الاستشارات الإدارية والمتعاملين بالعملات والسلع ومنصات أسواق التوقعات وشركات الطاقة المتجددة على الرغم من أن مكاسبها ناتجة عن مجموعة من العوامل ولا تعود إلى الصراع وحده.

ويشير بنك «جي بي مورغان» JP MORGANإلى أن «من الواضح أن الذكاء الاصطناعي والتشظي العالمي والتضخم ستواصل جميعها التغلغل في الاقتصادات والأسواق»، وذلك في تقريره عن آفاق منتصف العام ٢٠٢٦. ويُعد المصرف من المؤسسات المصرفية الكبرى التي سجلت أرباحًا استثنائية في الربع الأول من العام ٢٠٢٦ إذ ارتفع صافي دخله بنسبة ١٣ في المئة على أساس سنوي ليصل إلى ١٦,٥ مليار دولار. ويتوقع جي بي مورغان كذلك استمرار العلاوات المرتبطة بالأمن والتكنولوجيا، في حين تُظهر الحكومات والشركات والأثرياء استعدادهم لدفع مبالغ إضافية مقابل تلقي تحذيرات مسبقة من الصدمات الاقتصادية وفقًا لبيان صادر عن البنك في ٨ أيار/ مايو من العام ٢٠٢٦.

وترى الخبيرة الاستراتيجية العالمية للاستثمار في «جي بي مورغان برايفت بنك» JP MORGAN PRIVATE BANK كريتي غوبتا أن علاوات أخطار الطاقة واستمرار معدلات التضخم وإعادة توجيه سلاسل الإمداد بدوافع أمنية يُرجح أن تظل ملازمة للأسواق على المدى الطويل.

فتعيد قصة صدمة الشرق الأوسط في العام ٢٠٢٦ بما تحمله من تناقضات التأكيد على أن قيمة الأسواق تكمن في كونها أشبه بحاسوب عالمي لامركزي يعمل بنظام تشغيل مبرمج وفقًا للمنفعة والربح. وبالتالي، وبقدر ما تضررت منطقية القيم الاجتماعية والأولويات الإنسانية بفعل ما أشعله جميع أطراف الحرب على إيران من كبار وصغار ومن دول وجهات غير حكومية، فإن المنطق الرأسمالي للأسواق يبدو وكأنه خرج من الأزمة سالمًا.

صوت قوي في مواجهة رياح أشد

سيكون من المضلل افتراض أن هذه التطورات وقعت من دون أن تسبقها مؤشرات واضحة. فعند كتابة هذا المقال، أكد صندوق النقد الدولي الذي يُعد من أبرز المؤسسات الاقتصادية العامة وأكثرها حضورًا وسمعة عالميًا، تقييمات تراكم الأخطار الوشيكة المرتبطة بالتضخم والتكنولوجيا والمنافسة العالمية وحتى الحروب التجارية. لكن قبل اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي في العام ٢٠٢٦، أعلنت ثلاث مؤسسات دولية رئيسة وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية، تشكيل مجموعة عمل لمراقبة التطورات ومواءمة التحليلات وتنسيق الدعم المقدم إلى صناع السياسات من أجل مساعدتهم على التعامل مع هذه الأزمة.

وجاء في بيان مشترك لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية صادر في ١ نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦ أن «في أوقات عدم اليقين الشديد هذه، تكتسب مسألة توحيد جهود مؤسساتنا أهمية قصوى من أجل مراقبة التطورات ومواءمة التحليلات وتنسيق الدعم المقدم إلى صناع السياسات لمساعدتهم على التعامل مع هذه الأزمة.”

ويضيف أحدث تحليل لصندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد العالمي مصطلحًا أساسيًا يضع الوضع في سياق عدم اليقين. إذ جاء في العبارة الافتتاحية المقتضبة لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في شهر نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦ والمنشور على الموقع الإلكتروني للصندوق أن «النشاط العالمي يواجه اختبارًا كبيرًا مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بعدما صمد أمام ارتفاع الحواجز التجارية وتصاعد عدم اليقين في العام الماضي.”

ويشكّل عدم اليقين التحفظ الأكبر في سيناريوهات صندوق النقد الدولي للعام ٢٠٢٦. فحتى السيناريو الأقل تشاؤمًا في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، الذي يوصف بأنه توقع مرجعي ويبدو أنه يستند إلى مجموعة كبيرة من الافتراضات المتفائلة، يتوقع تباطؤ النمو العالمي إلى ٣,١ في المئة، بعد تعديل طفيف نحو الانخفاض مقارنة بسيناريو كان يتوقع نموًا بنسبة ٣,٣ في المئة قبل أقل من ستة أشهر. وقد تبدو عشرون نقطة أساس غير لافتة لكنها تعادل أكثر من ٢٥٠ مليار دولار إذا ما قورنت بتقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي الاسمي العالمي البالغة ١٢٦ تريليون دولار في نهاية العام الجاري. كما يُتوقع أن يرتفع التضخم العام إلى ٤,٤ في المئة في أفضل الحالات.

ولا تقتصر هذه التوقعات على الإشارة إلى نمو أقل مما حققته الاقتصادات في خلال العامين الماضيين بل تقر كذلك بأن ضغوط التضخم وتباطؤ النمو تلقي بثقلها الأكبر على الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.

علاوة على ذلك، ينطوي هذا المشهد المتواضع أصلًا للنمو على أخطار انهيارات ضخمة ويأتي في مقدمتها وأشدها خطر استمرار الحرب في الشرق الأوسط لفترة أطول أو اتساع نطاقها أو كلاهما. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن حربًا أكثر حدة وأطول أمدًا قد تقتطع ما بين ٠,٦ و١,١ نقطة مئوية من نمو العام ٢٠٢٦، كما قد تسرّع التضخم بما يتراوح بين نقطة و١,٥ نقطة مئوية.

تنسجم الأخطار الأخرى فمنها تفاقم النزاعات التجارية وتصاعد التشظي الجيوسياسي وتراجع مكاسب الإنتاجية المتوقعة من موجة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع الرؤية السائدة لدى الاقتصاديين، حتى وإن أنكرتها الخطابات السياسية. ولذلك، ينصح الصندوق بالاستعداد لاضطرابات مستقبلية ضمن بيئة عالمية يزداد فيها عدم اليقين. وباختصار، يبدو أن الحقيقة المقلقة المتمثلة في عدم اليقين تترسخ تدريجيًا بوصفها مفهومًا جيو اقتصاديًا حاكمًا.

وأكدت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، المعروفة بتفاؤلها الذي يصعب زعزعته، في كلمتها التمهيدية لاجتماعات ربيع للعام ٢٠٢٦ أن على الحكومات المجتمعة التركيز على اجتياز أحدث الصدمات التي أصابت الاقتصاد العالمي بسبب الحرب وعلى تخفيف معاناة الشعوب. ثم حذرت الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي البالغ عددها ١٩١ دولة قائلة إن عليها «ترتيب أوضاعها الداخلية لأن ستأتي صدمة أخرى عندما تتبدد هذه الصدمة الناتجة عن الحرب على إيران.”

وتدعو نبرة أمل جورجيفا الحذرة التي تبديها في مواجهة أجواء الحرب والنزاعات التجارية وعدم اليقين الدول الأعضاء إلى التعاون. وعلى الرغم من كل التوترات والانقسامات، تؤكد بحماسة أن «هناك إمكانات هائلة للعمل معًا داخل المناطق وعبر العالم.”

صدمة وراء صدمة في أنحاء المنطقة

وأثرت صدمة الحرب على إيران بطرق شديدة التفاوت في الدول العربية ولا سيما اقتصادات مجلس التعاون الخليجي من خلال المنطقة الواسعة الممتدة من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى والتي تضم ٣٢ دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان المعروفة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAP)، بالإضافة إلى القوقاز وآسيا الوسطى (CCA). وسجلت قطر التي تشكّل عضوًا في مجلس التعاون الخليجي أكبر تعديل تراجعيّ في توقعات العام الذي بلغ ١٤,٧ نقطة مئوية في حين تراجعت توقعات السعودية وعُمان وهما أيضًا من دول المجلس، بمقدار ١,٤ نقطة مئوية و٠,٥ نقطة مئوية على التوالي.

بالنسبة إلى لبنان، لا تتوافر تقديرات رقمية مماثلة لحجم تأثير التراجع الإقليمي. إذ خُصصت للبلاد جملة كاملة واحدة فقط في التحديث المؤلف من ٢٢ صفحة وجاء فيها أن «الحرب المستمرة تفرض على لبنان أخطار حادة من في خلال زيادة الضغوط على التجارة والاحتياطيات الأجنبية والأوضاع الإنسانية، ومنها على سبيل المثال الضغوط الناجمة عن النازحين داخليًا كما تؤدي إلى مزيد من تصاعد حالة عدم اليقين.”

واشتد عدم اليقين على المستوى الإقليمي طوال أسابيع عديدة إلى درجة أن كبار مسؤولي إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي أقروا في ختام اجتماعات الربيع لهذا العام بأن المسارات الاقتصادية تبدو متأرجحة ضمن مساحة شديدة الغموض بين السيناريو «المرجعي» والسيناريو «المعاكس» الواردين في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي.

ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي وتوقعاته وبحسب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق جهاد أزعور، يبلغ النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي في المنطقة حاليًا ١,٤ في المئة في العام ٢٠٢٦. ويشير أزعور إلى أن هذا التعديل التراجعي البالغ ٢,٣ نقطة مئوية في خلال بضعة أشهر فقط يمثل رقمًا قياسيًا لمثل هذه المراجعات التي تشمل المنطقة بأكملها.

وأكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور ونائبه روبرتو كارداريلي، في خلال حديثهما بلهجة قاتمة إلى وسائل الإعلام في ١٦ نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦، أن «الصدمة عميقة وواسعة ولا تزال تتكشف.” وأوضح كلاهما أن مستوى عدم اليقين في أحدث النتائج مرتفع ويميل نحو الأخطار السلبية. كما اعتبرا أن الندوب التي خلفتها اضطرابات الحرب في القطاعات غير المرتبطة بالطاقة في الاقتصاد الإقليمي قد تكون أكبر وأكثر صعوبة في التقييم من تلك التي أصابت قطاع الطاقة.

وتمكنا في الإحاطة الصحفية بشأن التقرير الإقليمي المحدث من تأكيد ملاحظة شديدة القلق، إذ قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور إن اندلاع الحرب في ٢٨ شباط/ فبراير من العام ٢٠٢٦ «عطل ثلاث ركائز للاستقرار» وتُعد حيوية للاقتصادين الإقليمي والعالمي وهي أسواق الطاقة وطرق التجارة وثقة الأعمال.

مشهد اقتصادي جيوسياسي متقلّب

أخيرًا، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في مختلف أنحاء هذه المنطقة المتنوعة والمتناقضة بنحو الثلثين ويعود ذلك أساسًا إلى صدمة حرب واحدة لكنها هائلة. ومع ذلك، لا يشكل هذا التعديل التراجعي الكلمة الأخيرة المؤكدة بشأن التداعيات الاقتصادية للمواجهة متعددة الأطراف. ويعزز تقرير آفاق الاقتصاد العالمي التوقعات المنتشرة على نطاق واسع بأن الهزات ستستمر وربما تمتد لسنوات، وبأن التداعيات العالمية ستكون أشد وطأة على أفقر دول العالم.

وقد يتحول التوقع الأول إلى نبوءة تحقق ذاتها، في حين لا يحمل الثاني أي مفاجأة. لكن في جميع الأحوال وعلى الرغم من الصمود الظاهر للنظام الرأسمالي أمام ضغوط الحروب والنزاعات التجارية، بدت نتائج حرب الشرق الأوسط مع حلول شهر أيار/ مايو من العام ٢٠٢٦ وكأنها تتجمع لتشكل ركودًا عالميًا يرى كثير من الخبراء أنه ينافس الركود الكبير الذي وقع في العامين ٢٠٠٧ و٢٠٠٨.

ويكاد إعداد تحليل موثوق يكون مستحيلًا إذ شهدت مبادرات أطراف الحرب عددًا هائلًا من التراجعات والتناقضات وبالتالي صدرت إشارات متضاربة كثيرة جدًا عن القادة المعنيين. أما في المجال الاقتصادي، فتظل البيانات الموثوقة قليلة للغاية والمهلة المتاحة لإجراء تحليلات دقيقة قصيرة جدًا والغموض المتعمد مفرطًا إلى حد بعيد.

وتتلاقى تقلبات المواقف السياسية وما معها من دعاية التي تتخذ في الغالب شكل تصريحات مبهمة تفتقر إلى الالتزام الأخلاقي وتتيح إنكار المسؤولية بالكامل إلى جانب بعض الأكاذيب الضخمة للغاية مع عدم القدرة على التنبؤ بمسار الحرب والتعقيد الهائل للعلاقات الاقتصادية وذلك في ظل غياب جميع البيانات اللازمة. ونتيجة لذلك، تتجسد هذه العوامل مجتمعة في اضطرابات سلاسل الإمداد وعدم اليقين الاقتصادي وتقلب الأسواق.

ويتشكل خطر الركود نتيجة التقاء عاملين رئيسيين هما الإنفاق العسكري المنفلت وفقاعة الذكاء الاصطناعي التي تتسم باستثمارات ضخمة في البنية التحتية واضطرابات في القوى العاملة وتقييمات لم تدعمها حتى الآن أرباح فعلية. علاوة على ذلك، قد تؤدي الحروب التجارية والحكومات الشعبوية التي تعيد توجيه الأموال من الإنفاق الاجتماعي إلى سباقات التسلح إلى تعميق أي ركود وتوسيع نطاقه لا سيما في اقتصاد عالمي يعاني أصلًا من التشظي.

وجه الصراع الاجتماعي الآخر                     

لا يعيش الناس العاديون في أسواق الأسهم أو في البلدان التي لا تستوفي الضرائب، ولذلك أنشأ المجتمع الدولي معيارًا مشتركًا لقياس التقدم. وأُطلقت هذه المنظومة للمرة الأولى في الأمم المتحدة نحو العام ٢٠٠٠ تحت اسم «الأهداف الإنمائية للألفية»، ثم أعيدت تسميتها في العام ٢٠١٥ لتصبح «أهداف التنمية المستدامة». وتقيس هذه الأطر مدى تقدم المجتمعات ومدى تحول الحياة اليومية إلى نمط أكثر استدامة نسبةً إلى غالبية سكان العالم.

وتهدف أهداف التنمية المستدامة إلى تحقيق الاستدامة وقياسها. وعلى الرغم من أن انتقال أثر هذه الأهداف يحدث إلى حد كبير من في خلال مؤشرات اقتصادية قابلة للقياس فإنها لا تتبع تقلبات الأسواق ولا تدمج في منطقها نموذج “التدمير الخلاق.”

وتعرض مسار التنمية المستدامة، بعد عقود عدة من المؤشرات المشجعة لسلسلة من الانتكاسات. ويمكن رصد أشد تداعيات جائحة العامين ٢٠٢٠ و٢٠٢١ والصراع في أوكرانيا المستمر منذ العام ٢٠٢٢ وحرب غزة وصراعات الشرق الأوسط في خلال العامين ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ والأزمة الإيرانية المستمرة وأعمال العنف الإقليمية من في خلال أهداف التنمية المستدامة. ومن منظور التنمية المستدامة، تمثل تداعيات الحرب على إيران مشكلة جديدة تعرقل تحقيق أهداف التنمية المستدامة ضمن المهل المحددة.

وتوضح الدراسات التي تناولت تأثير الأزمة الإيرانية، أولًا على قطاع غزة وثانيًا على الاقتصادات الأفريقية، هذه الحقيقة بجلاء. وفي فلسطين، أنشأ الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني مديرية للسجلات والرصد الإحصائي بهدف متابعة التقدم المحرز في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وصدر استعراض وطني بشأن تنفيذ خطة أهداف التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ استعدادًا لمشاركة فلسطين في المنتدى السياسي رفيع المستوى التابع للأمم المتحدة في العام ٢٠١٨. وحذر التقرير من أن شعار خطة العام ٢٠٣٠ القائم على «عدم ترك أحد خلف الركب» لا يمكن تحقيقه «في بلد يتركه العالم بأسره خلف الركب». كما أشار إلى تسجيل تحسن وطني متواضع في عدد من أهداف التنمية المستدامة في خلال الفترة من العام ٢٠٠٩ إلى العام ٢٠١٧، وكشف عن أن ١٠٩ مؤشرات من أصل ٢٤٤ مؤشرًا لأهداف التنمية المستدامة كانت تخضع للرصد وإن كان ذلك بصورة غير مكتملة.

ولا يبدو أن تقارير جديدة تتناول وضع جميع أهداف التنمية المستدامة في خلال الربع الأول من العام ٢٠٢٦ متاحة. مع ذلك، خلص تقييم أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العام ٢٠٢٥ بشأن استدامة الغذاء في غزة ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة إلى وجود «أدلة متزايدة» على صعوبة تحقيق أهداف الاستدامة في ظروف «تتسم بتحديات طبيعية واستثنائية من صنع الإنسان غير مسبوقة.”

ووفقًا للدراسة، تضرر ١٥ هدفًا من أهداف التنمية المستدامة ضمن ركائز الاستدامة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية في مختلف أنحاء غزة نتيجة الصراعات التي بدأت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام ٢٠٢٣ ما ساهم في زعزعة استقرار الدول المجاورة ومساراتها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويوضح التقرير أن «الانهيار الاقتصادي في غزة يحمل تداعيات إقليمية وعالمية بعيدة المدى. كما أن التدهور البيئي الناجم عن الحرب، بما يشمل التلوث وتلوث التربة، لا يعترف بالحدود ويطرح أخطار كبيرة على المناطق المجاورة.”

وتعرقلت بالفعل إنجازات الاستدامة على المستوى المحلي. وقالت المديرة التنفيذية لشبكة الاتفاق العالمي في لبنان دينا فاخوري لمجلة Executive: “في ما يتعلق بترتيب الدول في أهداف التنمية المستدامة، احتل لبنان حتى العام ٢٠٢٥ المرتبة ١٣٤ من أصل ١٦٧ دولة، لكنني أعتقد بصراحة أننا اليوم نحتل مرتبة أدنى مما كان عليها.”

وتوضح المديرة التنفيذية لشبكة الاتفاق العالمي في لبنان دينا فاخوري أن تداعيات الصراع الإيراني على أهداف التنمية المستدامة في لبنان تختلف عن تداعياته على العالم وتقول: «على المستوى العالمي، فالأمم المتحدة تحذر من أن الحرب الحالية والصدمة البنيوية تعكسان مسار المكاسب التنموية. فنحن نتراجع في مجال مكافحة الفقر ونشهد تباطؤًا في النمو الاقتصادي واتساعًا في فجوة المساواة.” وتضيف: «أما في لبنان، فيضر الصراع النظام البيئي والحياة في البر والحياة المائية والبنية التحتية. كما تنعكس تداعياته على الركيزة المتعلقة بالتماسك الاجتماعي والحوكمة أي على الهدفين ١٠ و١٦ من أهداف التنمية المستدامة.”

وعند تقييم البعد المرتبط بأهداف التنمية المستدامة في الحرب على إيران، ينبغي التذكير بأن خطة العام ٢٠٣٠ قد شكلت محطة محورية ثالثة في الألفية ومجالًا أساسيًا للتعليم وقد روّجت لها منظمة اليونيسف بفخر على أنها «أكبر درس في العالم» موجّه إلى التلاميذ في آلاف المدارس حول العالم. ووفقًا للصفحة الإلكترونية لبرامج اليونيسف التي تحمل الاسم عينه، تعرّف ٨ ملايين طفل في أكثر من ١٣ دولة سنويًا إلى خطة أهداف التنمية المستدامة للعام ٢٠٣٠ منذ العام ٢٠١٥.

لكن الوعود التي لم توف والآمال المؤجلة لا تقوّض الثقة فقط بل قد تؤذي الصحة النفسية والجسدية بشكلٍ فعلي. وقد أثبتت هذه الحقيقة المؤسفة بصورة خاصة عندما تحولت ثقة العقول الشابة بقادتها إلى خيبة أمل بسبب وعد زائف أو هدف مجتمعي بعيد عن الواقع.

ويفقد الشباب الذي يعتبر أول جيل رقمي بالكامل ثقتهم بالمؤسسات العالمية تدريجيًا التي وعدت بالاستدامة والديمقراطية والمساواة لكنها لم تحقق سوى القليل. وقد يكون فقدان هذه الثقة أكبر تكلفة اقتصادية خفية في خلال هذا العقد إذ يتجسد في التآكل البطيء لمصداقية الأمم المتحدة والنظام العالمي الديمقراطي الذي تمثله.

ويبقى السؤال المحوري: هل نحن أمام دورة اقتصادية صعبة أخرى فحسب؟ أم أمام كارثة بطيئة تتفاقم في الدول الأفقر؟ أم أن تصادم هذا العدد الكبير من الأزمات المتنافسة قد يهز النظام العالمي بقوة كافية ليفسح المجال أخيرًا أمام نشوء نظام أكثر استدامة بالفعل على المستويات البيئية والاجتماعية والاقتصادية؟

You may also like