Home تحليلمسارات منتجي الغذاء المتباينة في لبنان

مسارات منتجي الغذاء المتباينة في لبنانARFREN

تجارب أغريفريش وبلقيس وبيوماس

by Andreas Groes

أمضى منتجو الغذاء في لبنان الأعوام السبعة الماضية في مواجهة أزمة مالية وانهيار العملة وارتفاع الأسعار وتكرار النزاعات. وقد غيّرت هذه الاضطرابات المعادلة الاقتصادية لإنتاج الغذاء محليًا بشكلٍ جذري. ففي حين أتاح ارتفاع كلفة الاستيراد لبعض المنتجين فرصًا لاستبدال السلع المستوردة بمنتجات محلية، جعل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية والنزاعات الحفاظ على الإنتاج والمبيعات أكثر صعوبة بالنسبة إلى آخرين.

تعكس تجارب ثلاثة منتجين لبنانيين يعملون في مجالات مختلفة من قطاع الغذاء هذه الوقائع المتباينة. فتنتج شركة أغريفريشAgrifresh التي يديرها أحد الشركاء وهو الرئيس التنفيذي أيضًا روي نجيم خضروات طازجة مقطعة في سهل البقاع وتزوّد المطاعم بشكل أساسي. أما شركة بلقيسBalkis، التي يشغل فيها علي بيضون منصب مدير العمليات، فتنتج العصائر في معملها في أنصارية باستخدام فاكهة مصدرها البساتين في جنوب لبنان وتستهدف الفئة الميسورة من المستهلكين. في المقابل، تعمل شركة بيوماسBiomass التي يرأسها الرئيس التنفيذي ماريو مسعود مع شبكة من المزارعين في مختلف أنحاء لبنان من أجل توزيع المنتجات الزراعية الطازجة المزروعة محليًا في الأسواق.

تأثرت تجارب هذه الشركات بتراكم الأزمات الذي بدأ مع الانهيار الاقتصادي في أواخر العام ٢٠١٩ وتصاعد مع جائحة كوفيد ١٩ وانفجار بيروت في آب/ أغسطس من العام ٢٠٢٠. ولم تدم أي فسحة محتملة من هذه الأزمات المتداخلة إذ بدأت فترات من النزاع الأقل حدة في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ٢٠٢٣ ثم أعقبتها مراحل من الحرب الشاملة على لبنان وتدمير الجنوب الممنهج ما ألحق أضرارًا بنحو ٢٢,٥ في المئة من الأراضي الزراعية اللبنانية بحسب وزارة الزراعة اللبنانية في ١٧ نيسان/ أبريل من العام ٢٠٢٦.

رافق انهيار العملة تضخم مرتفع. وبلغ معدل التضخم السنوي ٢٢١ في المئة في العام ٢٠٢٣ قبل أن يتراجع إلى ٤٥ في المئة في العام ٢٠٢٤ وإلى ١٥ في المئة في العام ٢٠٢٥ بحسب إدارة الإحصاء المركزي في لبنان. وسلك تضخم أسعار الغذاء مسارًا مشابهًا إذ انخفض من ٢٠٨ في المئة في العام ٢٠٢٣ إلى ٢٢ في المئة في العام ٢٠٢٤ ثم إلى ١٥ في المئة في العام ٢٠٢٥. وبينما ارتفعت أسعار الغذاء في العام ٢٠٢٣ بوتيرة قاربت ارتفاع الأسعار عمومًا، تباطأ تضخم الغذاء بوتيرة أسرع بكثير من التضخم العام في العام ٢٠٢٤ قبل أن يتقارب المعدلان في العام ٢٠٢٥.

وفي ظل هذه الظروف، ازدادت مساهمة الزراعة في الاقتصاد اللبناني. ووفق المركز اللبناني للبحوث والدراسات الزراعية، شكّل القطاع الزراعي ٩,٤ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠٢٥ مقارنة بـ٥,٨ في المئة في العام ٢٠٢٠. لكن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة أن الإنتاج الزراعي نما بالنسبة نفسها لأن حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي تتأثر كذلك بالتغيرات في حجم الاقتصاد الأوسع وتركيبته.

التكيّف مع واقعٍ اقتصادي جديد

كان فقدان إمكانية الحصول على التمويل اللازم للنمو من أولى تداعيات الأزمة المالية على شركة Agrifresh.

يشرح الرئيس التنفيذي روي نجيم قائلًا: «عندما بدأنا بتوسيع شركتنا، كنا نعتمد على القروض المصرفية مثل أي شركة تسعى إلى النمو. فلا يمكن الاعتماد فقط على تدفقات الإيرادات الخاصة أو الأرباح. ولذلك، عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية في العام ٢٠١٩، كان ذلك أحد أكبر التحديات التي واجهناها آنذاك. ومنذ ذلك الحين، أصبح نموّنا يعتمد فقط على الإيرادات التي نحققها بأنفسنا.”

كما رفعت الأزمة كلفة استمرار الشركة في العمل. وتعتمد ِAgrifresh بدرجة كبيرة على الكهرباء للحفاظ على الخضروات الطازجة مبردة فيما تحتاج إلى الوقود لأغراض التوزيع والري.

ويقول نجيم لمجلة Executive: «يعتمد نشاطنا بدرجة كبيرة على الطاقة لأن لدينا برادات في مختلف أقسام المعمل. ويجب الحفاظ على منتجاتنا في درجات حرارة منخفضة جدًا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لذلك لا يمكننا تحمّل انقطاع الكهرباء.”

ورصدت شركة انتجريتد بتروليوم Integrated Petroleum المتخصصة في تجارة النفط والغاز ومقرها الأساسي في الدوحة ارتفاع سعر المازوت في لبنان بنسبة ٨٥ في المئة بين ١ أيلول/ سبتمبر من العام ٢٠٢٥ و١ أيلول/ سبتمبر من العام ٢٠٢٦، ما فرض ضغوطًا إضافية على المنتجين الذين يعتمدون على الوقود في النقل والري وتشغيل المولدات.

ومع تزايد عدم موثوقية إمدادات الكهرباء والوقود، استثمرت Agrifresh في بنيتها التحتية الخاصة بالطاقة في العام ٢٠٢١، ثم وسّعت تدريجيًا منظومة الطاقة الشمسية بالتوازي مع ارتفاع حاجاتها إلى الطاقة. كذلك أنشأت الشركة محطة وقود في مصنعها في العام ٢٠٢٢ من أجل ضمان عدم تأثر أسطول التوزيع بنقص الإمدادات.

ويقول نجيم: «نعمل اليوم بنسبة ١٠٠ في المئة على الطاقة الشمسية. ولم نعد نعتمد على الطاقة التي توفرها الدولة لأننا نعلم أنها غير موثوقة وقد تنقطع في أي لحظة.”

أما الحروب، ففرضت تحديًا من نوع آخر. فعلى الرغم من أن معامل Agrifresh الإنتاجية لم تتأثر مباشرة بالحرب لكنها شعرت الشركة بتداعياتها من خلال عملائها. فقد توقفت غالبية المطاعم في الجنوب عن العمل خلال فترات القتال العنيف فيما شهدت بعض المطاعم في الشمال ارتفاعًا طفيفًا في الطلب ومن بين أسباب ذلك انتقال النازحين نحو الشمال.

وامتدت التداعيات إلى ما هو أبعد من المناطق المتأثرة مباشرة بالقتال. ويوضح نجيم: «معظم عملائنا من المطاعم. وخلال فترات الحرب يميل الناس إلى الخروج بوتيرة أقل.”

وشكّل ارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج المستوردة تحديًا آخر أمام Agrifresh .

ويقول نجيم لمجلة Executive: «نعتمد بدرجة كبيرة على المواد المستوردة كمواد التغليف. فجميع هذه المواد مستوردة ولا تُنتج في لبنان لذلك تأثرت بالتضخم. ونتيجة لذلك، أصبحت منتجاتنا أكثر كلفة بكثير خلال الأعوام الستة الماضية.”

لكن أتاح ارتفاع كلفة الاستيراد Agrifresh في الوقت نفسه فرصًا لاستبدال بعض المنتجات المستوردة ببدائل مزروعة محليًا.

ويشرح نجيم: «لم نكن نزرع خمسة أنواع مختلفة من الخضروات في لبنان فكانت تُستورد بأسعار منخفضة. أما اليوم، وبسبب التضخم وارتفاع كلفة الاستيراد، سنحت لنا فرصة البدء بزراعة هذه الخضروات في لبنان وهذا ما قمنا به بالفعل.”

وتشمل البدائل المزروعة محليًا السبانخ الصغيرة وخس السكرين وأوراق الشمندر. وعلى الرغم من استمرار استيراد هذه المنتجات، تؤكد Agrifresh قدرتها على منافستها من حيث السعر والجودة.

ويقول نجيم: «أسعارنا أقل بنسبة تتراوح بين ١٥ و٢٠ في المئة.”

الإجبار على إغلاق خطوط الإنتاج

في حين تمكنت Agrifresh من التكيف مع تغيرات السوق، فرضت الحرب على شركة Balkis  تحديًا أكثر جوهرية يتمثل في الحفاظ على استمرارية الإنتاج.

ويقول مدير العمليات علي بيضون لمجلة Executive: «أغلقنا بالكامل لأن معاملنا تقع في الجنوب. وكانت مناطقنا إما مستهدفة أو معرضة للتهديد لذا لم يكن العمل فيها آمنًا.”

ولم تقتصر فترات التوقف على مرحلة واحدة. ففي العام ٢٠٢٦، عجزت Balkisعن العمل لمدة تقارب شهرين ونصف الشهر.

ويتذكر بيضون: «في بعض الأحيان كان التهديد يتراجع فنتمكن من الإنتاج، ثم يعود التهديد فنضطر إلى الإغلاق والعودة إلى منازلنا. وخلال تلك الفترات، كان علينا الاستمرار في تحمل نفقات التشغيل المعتادة وغيرها من التكاليف لكننا لم نكن قادرين على تزويد السوق أو تحقيق المبيعات.”

وشهدت الشركة كذلك إغلاقًا مطولًا في العام ٢٠٢٤، إذ عجزت عن العمل لنحو ثلاثة أشهر. وجاءت هذه الإغلاقات لتضاف إلى الضغوط المالية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية اللبنانية. فقد صعّبت الأزمة المصرفية على Balkis الوصول إلى أموالها وإجراء المدفوعات الدولية. كما فرض ارتفاع كلفة الوقود والكهرباء ضغوطًا إضافية على تكاليف الإنتاج.

وضرب التراجع الاقتصادي Balkis كذلك من جانب الطلب. وبما أن الشركة تبيع منتجًا من الفئة الراقية، أدى تراجع القدرة الشرائية إلى تقلص حجم السوق المحتملة أمامها.

ويقول بيضون: «لم نعد نحقق اليوم ما كنا نحققه قبل ستة أعوام. ففي حالتنا، يُعد منتجنا من السلع الكمالية. وقد تأثرت السوق الاستهلاكية بصورة ملموسة بسبب الظروف والحروب.”

الأفوكادو عالق في الداخل اللبناني

أما بالنسبة إلى بيوماس Biomass، فقد ظهرت التداعيات في الحقول وفي قدرة الشركة على الوصول إلى الأسواق الخارجية على حد سواء. وأثرت الحرب بصورة خاصة في عملياتها في جنوب لبنان حيث اضطر المزارعون إلى المغادرة.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة Biomass ماريو مسعود: «أصبح البقاء في الجنوب شديد الخطورة فقد خسرنا محاصيل وخسرنا مزارعين.”

وأثر فقدان الإنتاج كذلك في صادرات الشركة. ويقول مسعود: «نصدّر الأفوكادو إلى دول أوروبية. وتتركز معظم زراعات الأفوكادو لدينا في الجنوب ولم نتمكن من التصدير في خلال الحروب.”

كما غيّرت الحرب الخريطة الجغرافية لإنتاج Biomass إذ باتت الشركة تنتج كميات أقل في جنوب لبنان.

ويضيف مسعود: «أصبح عدد المزارعين في الجنوب أقل مما كان عليه سابقًا فأصبح لدينا اليوم عدد أقل من المزارعين في المنطقة.”

وأضاف ارتفاع كلفة الإنتاج ضغطًا جديدًا على المزارعين. ويوضح مسعود: «تعتمد معظم عمليات الري على الوقود حيث لم يتمكن المزارعون من الري بصورة كافية ويفقدون محاصيلهم لأنهم لا يستطيعون تحمل كلفة الوقود.”

وعلى الرغم من ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي، ترى Biomass أنها لا تزال تتمتع بميزة أمام الفاكهة والخضروات المستوردة.

ويقول مسعود: «أصبح الإنتاج أكثر كلفة لكنه يبقى أقل كلفة مقارنة بالسلع المستوردة. ولا يزال الإنتاج المحلي أكثر قدرة على المنافسة من الاستيراد من أوروبا أو من الدول المجاورة.”

تدهور الليرة خسارة للمنتجين

يقول كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل إن الأزمة أثرت في الشركات من خلال تراجع القدرة الشرائية وارتفاع التكاليف في الوقت عينه.

ويقول غبريل: «أدت الأزمة المالية إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر ما أثر في الاستهلاك وطلب المستهلكين وبالتالي انعكس على مبيعات الشركات. كما رفعت كلفة الاستيراد والتكاليف التشغيلية وخلقت مرحلة من عدم اليقين وانعدام وضوح الرؤية. وقد طُرحت نظريات كثيرة تفيد بأن ذلك سيشجع الإنتاج المحلي ويخفض الواردات، لكننا لم نشهد هذا التحول.”

ويضيف: «لا يزال الاقتصاد يعتمد على الواردات. وقد شهدنا ارتفاعًا في الإنتاج المحلي، لكن ليس إلى درجة استبدال الواردات به. وبلغت قيمة الواردات في العام الماضي نحو ٢١ مليار دولار وهو أعلى مستوى مسجل فيما بلغت الصادرات نحو ٣,٥ مليارات دولار. ولذلك لا يزال العجز التجاري واسعًا.”

وتشير هذه الأرقام إلى مجمل تجارة السلع في لبنان. ومع ذلك، لم يؤد انخفاض قيمة الليرة إلى تراجع كبير في تكاليف الإنتاج داخل لبنان.

ويقول غبريل: «لم تصبح الكلفة أقل لأن أسعار الطاقة لا تزال مرتفعة كما أن تكاليف التشغيل مرتفعة جدًا وكذلك التكاليف الإدارية وكلفة المعاملات مع الإدارات العامة فضلًا عن ضعف البنية التحتية. وعلاوة على ذلك، لا تزال الصناعة بحاجة إلى استيراد بعض المواد الخام التي لا تُنتج محليًا.”

ويستمر الاعتماد على الواردات على الرغم من بعض التحسن في الظروف الاقتصادية العامة في لبنان مقارنة ببداية الأزمة.

ويشير غبريل إلى أن «الظروف اليوم أفضل نسبيًا مما كانت عليه في العام ٢٠٢٠. فهناك سعر صرف مستقر واقتصاد أكبر ومعدل تضخم أدنى وحكومة فاعلة ومجلس نواب يمارس دوره.”

البنية التحتية مفتاح النمو المستقبلي          

إن التكيف مع تغير السوق ليس سوى جزء من التحدي. ويقول روي نجيم من Agrifresh أن زيادة الدعم الحكومي يمكن أن تساعد المزارعين على تبني تقنيات وأساليب إنتاج جديدة.

ويقول نجيم: «من الأمور التي نرغب في رؤية مزيد من التغيير بشأنها هي زيادة الدعم الحكومي من أجل تحفيز تبني التقنيات الجديدة ودعمها. وقد يكون هذا الدعم ماليًا كما يمكن أن يشمل الجانب الاستشاري أيضًا.”

ويشير كل من علي بيضون وماريو مسعود إلى ضرورة زيادة الدعم الحكومي للقطاع بما في ذلك تحسين فرص الحصول على التمويل وتوفير مزيد من الدعم للمزارعين.

وعلى الرغم من التحديات، يرى مسعود امتلاك لبنان للعديد من المقومات الطبيعية اللازمة لازدهار قطاعه الزراعي.

ويقول مسعود: «نمتلك مناخًا وتربة وشمسًا ومياهًا ومناخات محلية متنوعة لا تتوافر إلا في عدد قليل من دول المنطقة. لكننا للأسف، لا نمتلك البنية التحتية المناسبة التي تسمح لقطاع الزراعة بالنمو والازدهار كما ينبغي. وإذا توافرت البنية التحتية الملائمة فلدينا كل ما يمكن أن توفره الطبيعة اللبنانية. وأعتقد أن إنتاج الغذاء والزراعة في لبنان يتمتعان بمستقبل واعد.”

You may also like