في ٣٠ آذار/ مارس من العام ٢٠٢٦، توجّه رئيس المرحلة الانتقالية السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا لبحث عودة اللاجئين السوريين وإعادة الإعمار بعد الحرب والتعاون الاقتصادي مع المستشار فريدريش ميرتس Friedrich Merz والرئيس فرانك فالتر شتاينماير Frank-Walter Steinmeier وذلك في زيارة هدفت إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتأمين الاستثمارات مع التركيز على تحقيق الاستقرار الاقتصادي في سوريا.
إن هذه الزيارة هي الثانية من نوعها لرئيسٍ سوريٍّ إلى ألمانيا بعد أن استقبل المستشار الألماني غيرهارد شرودر آنذاك الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في برلين في العام ٢٠٠١ بشكلٍ مثير للجدل. في ذلك الوقت، نوقش اقتراح ألماني يقوم على «التغيير من خلال التعاون الاقتصادي» وخطة سلام لـ«الشرق الأدنى»، وذلك وسط ضجة أثارتها تقارير عن تصريحات معادية للسامية أطلقها الحاكم السوري. في ضوء ما نعرفه اليوم، لا يمكن إنكار فشل إحراز التقدّم نحو السلام من خلال وقف العنف الفوري واستعادة «أساسية» للثقة بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، وفق خطوط اتفاق شرم الشيخ للعام ٢٠٠١ والذي أُشير إليه في ألمانيا باسم خطة ميتشل. وبدلًا من ذلك، عُلّق الحضور الدبلوماسي الألماني الرسمي في دمشق من العام ٢٠١١ إلى العام ٢٠٢٥، كما فُرضت عقوبات اقتصادية ردًا على القمع الوحشي الذي مارسه نظام الأسد بحق السكان السوريين.
هذه المرة، كان الأمل معلّقًا على نتيجة مختلفة تمامًا على الرغم من أنّ السياق الإقليمي كان يتدهور من وضع شديد الخطورة إلى وضع كارثي. في وقت زيارة الشرع إلى برلين، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يهدد إيران بقصف يعيدها «إلى العصر الحجري» وبمحو الحضارة الإيرانية بين ليلة وضحاها. وعلى مقربة أكبر من سوريا، بلغت اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على جيرانهم العرب في الضفة الغربية ذروة محمومة. وبقي عدد الضحايا المدنيين في ظل وقف إطلاق النار في غزة غير قابل للتبرير أخلاقيًا. كما تواصل استهداف الجيش الإسرائيلي لعناصر حزب الله في لبنان من دون هوادة، وبما يتجاوز بكثير السوابق في القانون الدولي. وفق المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، دُمّر وأُلحاق أضرار بـ٦٢٠٠٠ وحدة سكنية بين ٢ آذار/ مارس و٢٢ نيسان/ أبريل وذلك بالإضافة إلى تقدير وزارة البيئة الذي أشار إلى تضرر وتدمير ٢٠٠٠٠٠ منزل بين العامين ٢٠٢٣ و٢٠٢٥ وإلى ارتفاع الخسائر المدنية بما يتعذر قياسه.
من منظور الصورة الكبرى، تبدو الأمور في نيسان/ أبريل ٢٠٢٦ مختلفة جدًا بالنسبة إلى سوريا في عهد الشرع، وذلك في تباين حاد مع الاضطراب الإقليمي. جًنَّبت البلاد إلى حد كبير الاعتداءات العسكرية العابرة للحدود فقط بل بدت أخطار اندلاع نزاع جديد محدودة كما ظهر لاستثمار في أكثر حالاته ملاءمة منذ عقود كثيرة.
مع ذلك، لا تزال السردية الجديدة عن سوريا غير مُجرّبة. فعندما انهار نظام الأسد في ٨ كانون الأول/ ديسمبر من العام ٢٠٢٤، كانت سوريا قد خرجت من حرب أهلية وعزلة اقتصادية قد دامتا 13 عامًا ودخلت إلى ما وصفه رئيسها الانتقالي، على نحو مبالغ فيه، بأنه «أرض الفرص». ويدرك المستثمرون المحتملون ولا سيما القادمون من دول الخليج، على الأرجح، أنّ الفجوة بين الوعد والواقع في إعادة إعمار الاقتصاد السوري واسعة للغاية. علاوة على ذلك، لا تظهر حتى الآن أي مؤشرات إلى تردد المستثمرين العرب في مواجهة سياق إقليمي ازداد تعقيدًا، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران وما أفرزته من مزيد من التشابك في الديناميات الإقليمية نفسها التي كان يفترض بها أن تسرّع فرص التنمية أمام الأصدقاء الجدد لمحور الهيمنة المُشكّل من واشنطن وتل أبيب والرياض.
في الوقت عينه، تبدو آفاق التكامل الإقليمي مع لبنان مهيأة للنمو ومثقلة في مفارقة واضحة في شأن الحرب بين إسرائيل وحزب الله إذ تعمل هذه الحرب على هدم جنوب لبنان بشكلٍ ممنهج وتدمّر ما يتجاوز الضاحية الجنوبية للعاصمة وتدفع البلاد نحو انقسامات داخلية أعمق وسط نزوح جماعي وخسارة فادحة في الأرواح والأرض وسبل العيش. وتشير الجغرافيا والتاريخ إلى أنّ للاستثمارات المستقبلية في سوريا تداعيات هائلة على الاقتصاد اللبناني، الأصغر بكثير، لكنه أيضًا أكثر نضجًا بكثير. وهذا يوحي بأنّ أفعال إسرائيل في لبنان تشكّل تعقيدًا إضافيًا لأي رهان استثماري في سوريا. وقد يحمي موقع سوريا الحيادي الحذر الاستثمارات الجديدة لكن يقترب اضطراب المنطقة الأوسع بعنف متزايد.
الرهان الخليجي
تتمثل إحدى التحديات التي تواجه المستثمرين الساعين إلى تقييم الاقتصاد السوري في عدم القدرة على قياسه بثقة. فقد خلص موجز سياسات صدر في آذار/ مارس ٢٠٢٦ عن المركز السوري لبحوث السياسات إلى أنّ حكومة الشرع تعرض مؤشرات للأداء الاقتصادي توحي بتعافٍ سريع في الناتج المحلي الإجمالي وبعودة وشيكة إلى مستويات ما قبل النزاع. فلم تميز هذه البيانات الحكومية المنشورة من دون منهجية واضحة بين الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية والناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة ولم توضّح أثر تعدد أسعار الصرف والتضخم في القيمة المعلنة. ووفق المركز السوري لبحوث السياسات، فإن استخدام مؤشرات اقتصاد كلي غير موثقة يلمّح إلى احتمال المبالغة في عوائد الاستثمار المحتملة. كما يكشف تهميش نظام البيانات الوطني والتعامل مع الناتج المحلي الإجمالي بوصفه أداة في الخطاب السياسي، وهو ما لا يُرجّح أن يعزز ثقة المستثمرين أو ثقة الجمهور.
يقدّر المركز السوري لبحوث السياسات أنّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في العام ٢٠٢٥ حقق نموًا اسميًا فقط بنحو ٠,٣ في المئة مقارنة بالعام ٢٠٢٤، في حين تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو ٦ في المئة. ويعود الأداء النهائي غير اللافت في أول عام كامل في ظل حكومة جديدة إلى ضعف النمو العضوي، إلى جانب نمو سكاني قوي مرتبط بعودة اللاجئين. ولم يتجاوز الحجم الفعلي للناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠٢٥ نحو ٤٥ في المئة من مستواه في العام ٢٠١٠ بالأسعار الثابتة.
يدل غياب النمو العضوي الحديث أي النمو الناتج عن استثمارات المدخرات المحلية وميزانيات الحكومة أو المحفزات الاقتصادية واتساع حجم السوق المدفوع بالشباب والطلب الهائل على كل شيء من السكن والبنية التحتية إلى السلع الاستهلاكية من حيث المبدأ، على فراغ في الحاجات المنزلية غير التي لم تتم تلبيتها وعلى سيناريو يكاد يكون خياليًا لاستثمار بكر. وإلى هذا الفراغ، دخلت دول الخليج بسرعة وطموح. فكانت قطر والسعودية والإمارات من أوائل الدول التي دعمت القيادة السورية الجديدة مع دعوة الرئيس الشرع إلى زيارة الدول الثلاث مرات عدة منذ توليه منصبه وذلك من أجل تأمين دعم اقتصادي. وتشمل الالتزامات الكبرى صفقة بقيمة ٧ مليارات دولار للبنية التحتية للطاقة تقودها مجموعة أورباكون القطرية القابضة للمقاولات UCC Holding وتعهدًا بالمساعدة بمبلغ تبلغ قيمته ٦,٥ مليارات دولار من مانحين دوليين واتفاقًا بقيمة ٨٠٠ مليون دولار لتطوير المرافئ مع موانئ دبي العالمية.
بدأت تتراكم المشاريع الاستثمارية السورية التي تقودها اقتصادات عربية قوية منذ النصف الأول من العام الماضي على نحو لافت في أرقام إجمالية لم يسبق الإبلاغ عنها في سوريا. ففي منتدى الاستثمار السوري السعودي في دمشق في تموز/ يوليو ٢٠٢٥، وُقّع ٤٧ اتفاقًا أوليًا ومذكرة تفاهم بين مؤسسات الدولة السورية وشركات سعودية بقيمة إجمالية بلغت ٦,٤ مليارات دولار وشملت البنية التحتية والتطوير العقاري والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والصناعة والسياحة والصحة. وجاء ذلك وفق تقرير صدر في أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٥ عن شركة كرم شعار الاستشارية ومقرها نيوزيلندا وتغطي الاقتصاد السياسي السوري.
لم تتحرك الحكومات الخليجية وحدها بل تحركت أيضًا منتديات العمل التنموي العابرة للحدود بقيادة عربية مثل مبادرة مستقبل الاستثمار وهي نوع من استعراض القوة الصحراوية المستند إلى نموذج دافوس المرهق للمنتدى الاقتصادي العالمي وانتقلت إلى أعلى درجات الترويج للاستثمار والجاهزية له. ففي مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٥، أعلن الشرع جذب سوريا خلال العام لتعهدات استثمارية أجنبية تقدّر بنحو ٢٨ مليار دولار مع عقود موقعة تبلغ قيمتها حوالي ١٤ مليار دولار وتركز على البنية التحتية والنقل وعدة قطاعات تنموية كبرى وفق وكالة نورث برسNorth Press .
إطار
ربما يظهر النطاق الطموح للاستثمارات العربية في سوريا المستقبل بأوضح صورة مادية في مطار دمشق الدولي، البوابة الأساسية للبلاد. فقد بدأ بالفعل تنفيذ برنامج إعادة التطوير والتوسعة البالغ ٤ مليارات دولار والذي تقوده مجموعة أورباكون القطرية القابضة للمقاولات للمنشأة الجوية الحيوية، وهو أحد المشاريع الرئيسة التي ترسخ موجة الاستثمار. ويصف المهندس المعماري المقيم في باريس والذي يعمل كمدير للبرنامج وكبير المهندسين المعماريين في المشروع يونس السيد هذا المسعى بأنه يتجاوز بوعي مسألة المدارج والمحطات.
يقول السيد لمجلة Executive: «لا يقتصر الهدف على إعادة تثبيت دمشق مركزًا إقليميًا بل يسعى إلى وضعها على مستوى قاري وحتى دولي عبر مواءمتها مع المعايير العالمية من حيث القدرة الاستيعابية والربط وتجربة المسافرين». ويقوم المشروع على تحديث مرحلي للمحطتين ١ و٢ مع محطة مستقبلية هي المحطة ٣ التي صُممت بالتعاون مع شركة زها حديد للهندسة Zaha Hadid Architects وشركة ناكو NACO الهولندية للاستشارات في قطاع الطيران وهو تعاون يبعث بإشارة إلى نية حكومة الشرع إبراز طموح بمستوى عالمي أمام المستثمرين المحتملين والعائدين من الشتات على حد سواء.
يعترف السيد بأنّ المشروع «يتطور في بيئة معقدة»، ويعتمد مقاربة مسار سريع تجعل التصميم والبناء يسيران بالتوازي للحفاظ على الزخم، على الرغم مما يسميه «تغيرات مستمرة»، وهي عبارة مخففة تصف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي تضر باقتصادات مجلس التعاون الخليجي وقد تهدد التزاماتها الاستثمارية. ويتعامل السيد بواقعية مع الجداول الزمنية، إذ يقول: «يبذل جميع أصحاب المصلحة كل جهد ممكن لضمان ألا يؤدي الوضع الحالي إلى تأخيرات. ونحن نتكيف باستمرار مع الظروف المتغيرة ونعدّل تخطيطنا بحسب الحاجة». وعند سؤاله عن صلة المشروع بإعادة انفتاح البلاد الأوسع، يبدي السيد تفاؤلًا، إذ يقول إن تجديد المطار وتوسعته يشكلان «محفزًا استراتيجيًا يمكنه، إذا تماشى مع استقرار أوسع، أن يساهم بشكل كبير في إحياء السياحة واستعادة موقع سوريا دوليًا». لكنه يؤكد أنّ هذه النتيجة تعتمد على مجموعة من الشروط المسبقة، مثل الاستقرار والأمن واستئناف الربط الجوي، والأهم من ذلك استعادة ثقة المستثمرين في السياحة والضيافة والخدمات.
تشكل مسألة ضعف البنية التحتية الاقتصادية تحفّظًا كبيرًا. فحجم الاستثمارات المعلنة يتجاوز بكثير القدرة الاقتصادية الأساسية لسوريا، إذ إن قيمة مذكرات التفاهم البالغة ٢٥,٤ مليار دولار تقزم إجمالي النفقات الاستثمارية الحكومية بين العامين ٢٠١٠ و٢٠٢٤، والتي بلغت، وفق تقرير كرم شعار الصادر في أيلول/ سبتمبرمن العام ٢٠٢٥، نحو ١٦,٦ مليار دولار. وليست هذه شروط اقتصاد يقف على عتبة استيعاب عشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات الأجنبية.
نهاية الإطار
الحرب على إيران والتحصين السوري الهش وخيبة الخليج
لم يعد أي عامل ترتيب حسابات الاستثمار في سوريا بشكل فوري أكثر من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في مطلع العام ٢٠٢٦. لكن قبل هذا الحدث الصادم إقليميًا وعالميًا، كانت سوريا بقيادة الشرع قد اتخذت خطوات للحد من نفوذ طهران داخل أراضيها وخارجها بما في ذلك تقييد الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران وتشديد الضوابط على الحدود اللبنانية والعراقية والتصدي لشبكات التهريب التي طال استخدامها لنقل الأسلحة والأموال والإمدادات إلى حزب الله.
ظهر الحذر أيضًا لدى الدول العربية الشريكة المحتملة، مثل دول مجلس التعاون الخليجي. فقد صُممت مقاربة المجلس بصورة مشروطة عمدًا، إذ شدد الاجتماع الوزاري المشترك الأول بين مجلس التعاون الخليجي وسوريا في مكة في آذار/ مارس من العام ٢٠٢٥ على أنّ نزع سلاح الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة سيشكلان جزءًا مهمًا من إعادة دمج سوريا في البنية الأمنية للخليج. ويقوم الاستثمار الخليجي على رهان مفاده أنّ سوريا مستقرة وموجهة نحو الخليج تستحق المخاطرة السياسية. ولا ينبغي نسيان أنّ علاقات سوريا بكثير من الدول العربية لم تكن تاريخيًا أقل تعقيدًا من علاقاتها بدول في الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا.
على الرغم من أنّ إعادة ضبط العلاقات الخارجية السورية بنجاح لا يمكن اعتبارها شأنًا محسومًا وواضحًا، بل بعيدة جدًا عن ذلك، تظهر مؤشرات إلى أنّ استراتيجية التقارب هذه تؤتي ثمارها ليس فقط في مشاريع البنية التحتية الكبرى، بل أيضًا في خدمات حيوية، مثل قطاع الخدمات المالية. ويقدم المصرفي اللبناني رياض عبيجي، وهو مسؤول تنفيذي رفيع في بنك بيمو السعودي الفرنسي، أكبر مصرف خاص تقليدي في سوريا، قراءة مصرفية لموقع دمشق في المشهد الإقليمي. ويقول لمجلة Executive: «يبدو أنّ الأميركيين قالوا إن السوريين يجب أن يُتركوا خارج الصراع». ويضيف: «المنطقة كلها في اضطراب، لكن سوريا، كأنها في أوروبا». ومن موقعه، يرى أنّ ابتعاد سوريا المتعمد عن المحور الإيراني، والتأييد الأميركي الضمني للحكومة الانتقالية، يوفران درجة من الحماية الجيوسياسية المواتية.
لكن من الأصعب عزل الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن النزاع مع إيران. فقد أدى النزاع إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، وعرقل طرق شحن أساسية عبر مضيق هرمز. غير أنّ طرق التصدير القديمة للهيدروكربونات السورية، التي كان يمكن أن تستفيد من معضلة هرمز، تدهورت خلال العقود التي كان فيها نظام الأسد خاضعًا للعقوبات ومهملًا في الحفاظ على أصول الوقود الأحفوري. ووسط هذه العاصفة، أفادت مؤسسة عنب بلدي الإعلامية السورية بأنّه حتى ٣١ آذار/ مارس ٢٠٢٦، أعاد العراق فتح معبر الوليد الحدودي مع سوريا، بما يتيح نقل النفط الخام عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، مع توقع مرور نحو ٥٠٠ صهريج يوميًا عبر معبر التنف باتجاه محطة بانياس للتصدير لاحقًا.
طُرح أيضًا تفعيل النفط السوري في عرض قدمه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، والسفير الأميركي في أنقرة، توم باراك، خلال مؤتمر عُقد في واشنطن في ٢٦ آذار/ مارس واستضافه المجلس الأطلسي ومجلس الأعمال السوري الأميركي. وكانت الفكرة التي طرحها باراك، والتي أوردتها أيضًا عنب بلدي، تقوم على إحياء مفهوم سوريا وتركيا مركزين مشتركين للطاقة ضمن ممر البحار الأربعة الذي طُرح نظريًا أول مرة في العام ٢٠٠٩. ومن الناحية النظرية، سيربط مركز تركي سوري مزدوج لنقل النفط الخام والغاز الخليج العربي والبحر المتوسط وبحر قزوين والبحر الأسود، كما سيخدم، بما يلائم الانتهازيين المرتبطين بواشنطن، بديلًا عن مضيق هرمز.
لا يقتصر السياق الأوسع لاشتعال إيران على الضربات الكبرى التي تتلقاها اقتصادات مجلس التعاون الخليجي، بل يشمل أيضًا تصدع البنية الاستراتيجية التي تربط دول الخليج بالحكومة الأميركية، وبالامتداد بالأمن الإقليمي المدعوم أميركيًا. فمع إطلاق أول الصواريخ والقنابل في ٢٨ شباط/ فبراير من هذا العام، جُرّت دول الخليج إلى حرب لم تخترها قط، خدمة لأجندة لم تكن يومًا أجندتها، في حين جرى التفريط بأمنها لحماية إسرائيل بدلًا منها، وهي حقيقة كشفت بصورة جوهرية الطبيعة الحقيقية لتحالفات واشنطن في المنطقة. وقد يشكل هذا التآكل في الثقة بموثوقية الولايات المتحدة، على نحو مفارق، رياحًا خلفية بنيوية للاستثمار الخليجي في سوريا. فبما أنّ المظلة الأمنية الأميركية تثبت عدم موثوقيتها، وبما أنّ العدوان الإسرائيلي يولد ارتدادات خاصة به، ازداد حافز دول الخليج لبناء هياكل اقتصادية إقليمية مكتفية ذاتيًا، تكون سوريا عقدة أساسية فيها.
النظام المصرفي السوري: المأزق الأساسي
إذا كانت الجغرافيا السياسية ترسم السياق الكلي، فيعد النظام المصرفي أحد أكثر المآزق البنيوية إلحاحًا في سوريا. فلا يمكن نشر أي استثمار في إعادة الإعمار بفعالية ولا يمكن لأي مستثمر إعادة تحويل عوائده من دون قطاع مالي يفي بمعايير الامتثال الدولية. ويحذر صندوق النقد الدولي من أنّ رفع العقوبات القانونية لا يترجم تلقائيًا إلى عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي وذلك بسبب سياسات الحد من المخاطر المستمرة حيث تتجنب المصارف الدولية التعامل مع دول ما بعد النزاع بسبب ضعف أنظمة الامتثال ومخاطر غسل الأموال وغياب الشفافية المؤسسية. وأشارت زيارة فريق صندوق النقد الدولي إلى سوريا في شباط/ فبراير من العام ٢٠٢٦ إلى فائض مالي صغير واستقرار أولي بالإضافة إلى تحسن أوضاع سعر الصرف إلى جانب خطوات السلطات نحو إدخال إطار جديد للعملة لمعالجة الاختلالات في النظام النقدي.
يمتلك عبيجي من بنك بيمو السعودي الفرنسي موقعًا مباشرًا في الصف الأول لمتابعة هذا الانتقال. فيشكّل بنك بيمو السعودي الفرنسي مشروع مشترك بين بنك بيمو اللبناني والبنك السعودي الفرنسي في السعودية ومساهمين سوريين. يُعتبر أكبر مصرف خاص تقليدي في سوريا كما يمتلك حصصًا في مصرفين سوريين آخرين. ويأتي تقييمه للمشهد الحالي متفائلًا بحذر قائلًا: «لم تعد سوريا خاضعة للعقوبات. لقد سُحب قانون قيصر». ويضيف: «صحيح أنّ المصارف الدولية لم تأت بعد، فهي تنتظر قليلًا. لكن الأمور تتحسن يومًا بعد يوم». ويستحضر تشبيهًا يعرفه الممارسون في أي سوق مصرفية حدودية، إذ يقول: «نتخذ قراراتنا ببطء شديد، لكن في اليوم الذي نتخذ فيه القرار نحب أن نتحرك بسرعة. إنها حالة قصور ذاتي ضرورية، لكنها ستنتهي. ستأتي المصارف الدولية بأعداد كبيرة إلى سوريا.”
يقول عبيجي، الذي يعرف النظامين الرقابيين عن قرب: «القوانين التنظيمية في سوريا أفضل بكثير مما هي عليه في لبنان». ويضيف: «لا يوجد المستوى عينه من الاحترافية في المصارف السورية كما في المصارف في لبنان. واللافت، من جهة أخرى، أنّ القوانين التنظيمية في سوريا أفضل بكثير مما هي عليه في لبنان». وتكمن دلالة ذلك في أنّ الإطار المصرفي السوري، على الرغم من ضعفه في رأس المال البشري وعمق الميزانيات، لم يتورط في مخطط فساد على مستوى الدولة بالطريقة التي تورطت فيها المصارف اللبنانية. والأهم من ذلك، يشير إلى أنّ المودعين السوريين، خلافًا لنظرائهم اللبنانيين، «لم يخسروا أي ودائع» في الأزمة، وهو فارق يحافظ على حد أدنى من الثقة المؤسسية التي بددها لبنان بصورة كارثية.
تُعد إعادة ربط سوريا بنظام المدفوعات العالمي سويفت SWIFT في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٥، بعد تعليق دام ١٤ عامًا، خطوة إلى الأمام أيضًا. لكن جانب الطلب في المعادلة لا يزال قيد التطور. ويوضح عبيجي: «لم يكن العملاء السوريون معتادين على العمل مع المصارف». ويضيف: «حتى العام ٢٠٠٤، كان عدد المصارف قليلًا جدًا. وكان العملاء السوريون يفضلون إما أن يكونوا مصرفيي أنفسهم أو أن يتعاملوا مصرفيًا في لبنان. وبعد العام ٢٠٠٤، بدأ السوريون يتعاملون مع المصارف، لكن معدل الانتشار المصرفي لم يكن مرتفعًا جدًا». ويرى في الهاتف المحمول عامل تسريع سيختصر الجدول الزمني لتحقيق شمول مالي أوسع، إذ يقول: «إذا نظرت إلى انتشار الهواتف المحمولة في سوريا، فقد حدث ذلك بسرعة نسبية. يجب أن تتوقع أن تتبع الخدمات المصرفية المسار نفسه. قد يستغرق الأمر ربما ٤ أو ٥ سنوات قبل أن يصبح الانتشار المصرفي قابلًا للمقارنة مع لبنان.”
أما توقعه الأوسع، بعد تقييم حركة الاستثمار الخليجي في سوريا، فهو أنّ «ما سيحدث للقطاع المصرفي في سوريا سيكون القاطرة لتمويلات بلاد الشام». ووفق تقرير المركز السوري لبحوث السياسات الصادر في آذار/ مارس ٢٠٢٦، فإن اكتساب ثقة مستدامة من المستثمرين سيتطلب إطارًا موثوقًا لمكافحة غسل الأموال يُنفّذ فعليًا بدل الاكتفاء بإصداره وحقوق ملكية وعقود شفافة وقابلة للتنفيذ ومدعومة بقضاء مستقل فعلًا وممارسة تنظيمية متسقة من جانب المصرف المركزي خالية من التدخل السياسي وإعادة بناء نظام بيانات وطني مستقل وشفاف بوصفه شرطًا أوليًا أساسيًا للتعافي.
المنافسة العالمية والتكامل الإقليمي ولبنان
تحتل سوريا في نيسان/ أبريل ٢٠٢٦ موقعًا متناقضًا. فتشكّل في الوقت عينه أكثر حدود الاستثمار تداولًا في العالم العربي وأحد أقل الاقتصادات جاهزية للمستثمرين على وجه الأرض. وتأتي بيانات المركز السوري لبحوث السياسات قاسية من دون مواربة فيبلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عند ٤٥ في المئة من مستواه في العام ٢٠١٠ والإنتاج الزراعي شبه منهار وتبلغ قدرة التصنيع خمس قدرته قبل الحرب وهياكل الحوكمة تتعامل مع الإحصاءات الاقتصادية بوصفها أدوات البروباغاندا. أما الاستثمارات الموعودة التي تبلغ قيمتها ٢٨ مليار دولار هي إشارة إلى نية إقليمية وإن لم تكن بالضرورة مسارًا قابلًا للتمويل المصرفي.
ما يعمل لمصلحة سوريا هو تقاطع عوامل لم تكن موجودة قبل ٣ سنوات وهي رفع العقوبات الكامل ورعاية خليجية باتت مطبوعة بخيبة متزايدة من موثوقية الولايات المتحدة وحكومة انتقالية تبنت خطاب الإصلاح وبعض مضمونه ونزاع إقليمي جنّب حتى الآن الأراضي السورية بينما قد يكون رفع قيمتها بوصفها ممرًا للعبور. وتُظهر المشاريع الرئيسية كتوسيع مطار دمشق أنّ مهنيين دوليين جادين يراهنون على تعافي سوريا على الرغم من إدارتهم تناقضات مقاربة المسار السريع في دولة لا تزال هشة.
وضعت عوامل العوائد الاستثمارية المحتملة التي تجذب المستثمرين والتحالفات الاستراتيجية الجغرافية والتقارب الثقافي الاستثمارات العربية العامة والخاصة والمختلطة القطاعين العام والخاص في مواقع انطلاق متقدمة للاستفادة من الاقتصاد السوري. وضمن جداول النزاعات الزمنية غير الواضحة، يمكن توقّع المتنافسين لفرصة التنمية المرتبطة بسوريا وما حولها وينطلقون بسرعة فور أن تتغلب المنطق العملي للمنافسة الاقتصادية والتعايش السياسي على منطق الحرب الإقليمية الخاسر للجميع. أما مسألة ما إذا كانت الإشارات السياسية الصادرة عن الحكومات الأوروبية ستكون قوية بما يكفي لتجاوز أخطار التصور في الجانب السوري وحواجز المواقف الاستعمارية القديمة أو الجديدة في الجانب الأوروبي، فلا يمكن قياسها بثقة.
تُعد علاقة سوريا الاقتصادية غير المعقّدة الأقرب زمنياً والأشد أهمية بلبنان ويشير كل من السيد وعبيجي إلى علامات إعادة انخراط عملية على الرغم من التعقيد السياسي. ولا يبدو أنّ مسارات التنمية المنفصلة بصورة صارمة منطقية في مواجهة حاجات تنموية قائمة على التكامل. في المقابل، قد توفر الخدمات المصرفية والمالية نقاط دخول.
يلاحظ عبيجي أنّ المصارف اللبنانية كانت اللاعب الأجنبي الخاص المهيمن في سوريا بعد التحرير الاقتصادي في العام ٢٠٠٤، إذ دخل بنك بيبلوس وبنك بيمو وغيرهما على أساس أنّ سوريا هي الامتداد الطبيعي للبنان في الخدمات المالية. وبالنسبة إلى هذا المصرفي المخضرم، يقف هذا التدفق التاريخي للاهتمام المالي الآن على عتبة الانعكاس.
يصف السيد الذي يعمل في مشروع مطار دمشق ما يراه من موقعه العملي كمهني عابر للحدود، قائلًا: «نجد علامات واضحة على إعادة انخراط تدريجية وعملية بين لبنان وسوريا على الرغم من أنها لا تزال معقدة وحذرة. وتشير الديناميات الأخيرة إلى رغبة لدى الجانبين في إعادة بناء علاقات أكثر مؤسسية من دولة إلى دولة قائمة على مصالح مشتركة مثل إدارة الحدود والتبادل الاقتصادي والتنسيق الأمني». ويضيف بحذر: «في هذه المرحلة، إنها أقرب إلى شكل من أشكال التعاون العملي منها إلى اصطفاف استراتيجي منظم بالكامل.”
يشير عبيجي، الذي يقع مصرفه نقطة مشتركة بين رأس المال اللبناني والسعودي والسوري إلى الترابطات المالية العميقة التي سبقت التقارب السياسي. ويقول: «يتقارب القطاعين المصرفيين في لبنان وسوريا. في القطاع المصرفي، إذا نظرت إلى المصارف الـ٤٠ في لبنان، فلا يقل عن ٥ مصارف مملوكة لأشخاص من أصل سوري. كما توجد أيضًا شركات تجارية كثيرة في لبنان مملوكة لسوريين». ويوحي بأن اتجاه تدفق رأس المال على وشك أن ينعكس، إذ يقول: «قبل المشاكل في لبنان كان السوريون يتعاملون مصرفيًا في لبنان. أظن أنّ اللبنانيين سيتعاملون الآن مصرفيًا في سوريا.”
قد يكون التكامل في مجال الطاقة نقطة الدخول الأكثر قابلية للتحقق. في مستقبل سلمي لا يزال حتى الآن بعيدًا، يمكن للبنان الذي تعرقله حاليًا عمليات القصف وتأخر الإصلاح أن يستكشف إمكانية الانضمام إلى مبادرات الربط مع سوريا والأردن ومصر وإحياء المفاوضات بشأن الربط الكهربائي، وهي مشاريع خنقتها سابقًا عقوبات قانون قيصر التي عاقبت أي كيان يمر عبر الأراضي السورية.
عقد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والرئيس الشرع اجتماعًا في نيسان/ أبريل ٢٠٢٥ في دمشق وتموز/ يوليو ٢٠٢٥ في قطر وآخر في أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٥ مع الرئيس اللبناني جوزيف عون وقد أجروا اتصالات هاتفية ومؤتمرات عبر الفيديو حول إدارة الحدود وشؤون اللاجئين والتعاون الاقتصادي ما يعكس استراتيجية من البراغماتية والمؤسساتية تركز على قضايا عملية تمس الأمن والاقتصاد والمجتمع مباشرة. ولا تزال مظالم عالقة قائمة مثل وجود أكثر من ٢٠٠٠ موقوف سوري في السجون اللبنانية على الرغم من أنّ وسائل إعلام محلية أفادت بأنّ لبنان بدأ عملية إعادة نحو ٣٠٠ منهم في منتصف آذار/ مارس ٢٠٢٦.
يشير عبيجي إلى قيد كلي يخيّم على كل هذه الديناميات، قائلًا: «الحرب مع إيران ليست أمرًا بسيطًا. ليس فقط لأن إيران بلد كبير يضم ١٠٠ مليون نسمة ويمتلك الكثير من الموارد الطبيعية بل أيضًا لأن لها تداعيات مع الصين. وما دام هذا الأمر غير محلول، فلن نحقق تقدمًا واضحًا وحاسمًا.”
