Home تحليلدخول لبنان سباق الذكاء الاصطناعي من دون مضمار

دخول لبنان سباق الذكاء الاصطناعي من دون مضمارARFREN

فهل هو جاهز للمنافسة؟

by Jamile youssef

لا نحتاج إلى الكثير من التفكير. فلا يستطيع شخص مطلعًا دائمًا بكل جديد حول نقاشات عالمية أن ينكر ثورة الذكاء الاصطناعي التقنية التي تتقدم بسرعة غير مسبوقة وتشكيلها محورًا عالميًا لاستثمارات ضخمة وظاهرة اجتماعية شديدة الاستقطاب. وبذلك، يعيد ظهور الذكاء الاصطناعي، من دون شك، تشكيل الاقتصاد العالمي، فضلًا عن إحداث تحولات جذرية في حياة البشر كما عرفوها على مدى آلاف السنين. وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، يجد السكان أنفسهم أمام ضرورة إعادة التفكير في كل ما حكم حياتهم وسبل عيشهم في واحدة من أقدم البقاع التي شهدت استمرارية الوجود البشري. وبعد ٦ آلاف عام من الاستقرار الحضري، قد لا يشبه لبنان الغد الذي يتشكل اليوم ما عرفناه من قبل.

قبل ٣ سنوات فقط، وتحديدًا في العام ٢٠٢٣، رجّح تقرير صادر عن شركة الاستشارات ماكينزي آند كومباني McKinsey & Company بعنوان «الإمكانات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي التوليدي» أن يسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلى جانب تقنيات الأتمتة الأخرى، بما يتراوح بين ٠,٥ و٣,٤ نقاط مئوية في نمو إنتاجية العمل سنويًا. ومنذ العام ٢٠٢٣، برزت مؤشرات أكثر وضوحًا وملموسية قد تمثلت في نشر البنى التحتية للذكاء الاصطناعي والارتفاع الهائل في النفقات الرأسمالية المخصصة لمشاريعه حول العالم. وتتراوح التقديرات المتداولة حاليًا للنفقات الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الفترة التي تتراوح بين كانون الثاني/ يناير من العام ٢٠٢٤ ومنتصف العام ٢٠٢٦، عند مستويات تتجاوز بقليل تريليون دولار وربما تصل إلى ١,١ تريليون دولار. وفي تناقض مصيري مع الاندفاعة العالمية الأولى نحو ضخ رؤوس أموال ضخمة طمعًا في مكاسب الذكاء الاصطناعي المرتقبة، ظل لبنان في المقابل شبه منبوذ بسبب مستويات الأخطار القصوى التي يمثلها ضمن التدفقات المالية والاستثمارية العالمية، كما شهد خلال الفترة نفسها الممتدة ٣٠ شهرًا مرحلتين من حرب شديدة خلّفتا دمارًا ماديًا واسع النطاق واضطرابات اقتصادية كبيرة.

وتتوقع مصارف استثمارية رائدة عالميًا، مثل غولدمان ساكسGoldman-Sachs وجيه بي مورغان JP Morgan، أن تقترب النفقات الرأسمالية التراكمية لمشاريع الذكاء الاصطناعي وبناه التحتية خلال ٥ سنوات، من بداية العام ٢٠٢٤ حتى نهاية العام ٢٠٢٨، من ٣ تريليونات دولار بالقيمة النقدية الحالية. ومع تسارع القوى الاقتصادية الكبرى والدول في استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، نظرًا إلى أن زيادة الإنتاجية الاقتصادية تمثل سيناريو مثاليًا بالنسبة إليها، فيما يقل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لجميعها تقريبًا باستثناء ٧ دول عن ٣ تريليونات دولار، يواجه لبنان سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع تحويل مواهبه الاستثنائية إلى ميزة اقتصادية مستدامة، أم سيبقى مصدرًا للخبرات فيما تبني دول أخرى الأنظمة المتكاملة التي تستحوذ على العوائد؟

تطور الذكاء الاصطناعي بسرعة من ابتكار تكنولوجي إلى محرك استراتيجي للتنافسية الاقتصادية. ولم تعد الحكومات تسأل ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحوّل اقتصاداتها بل بات السؤال يتمحور حول مدى السرعة التي يمكن أن تتموضع بها للاستفادة منه. ويتمثل جوهر المنافسة العالمية في بناء المؤسسات والبنى التحتية والمنظومات المتكاملة التي تسمح للذكاء الاصطناعي بتوليد الابتكار والتنمية الاقتصادية.

ويتجلى هذا التحول بوضوح خصوصًا في دول الخليج. فتهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في السعودية إلى استقطاب استثمارات بقيمة تقارب ٢٠ مليار دولار أمريكي في مجالي البيانات والذكاء الاصطناعي بحلول العام ٢٠٣٠. وفي الوقت عينه، خصصت حكومة أبو ظبي نحو ٣,٥ مليارات دولار أمريكي ضمن استراتيجيتها الرقمية الممتدة من العام ٢٠٢٥ إلى العام ٢٠٢٧، بهدف أن تصبح أول حكومة في العالم تعتمد الذكاء الاصطناعي أساسًا لعملها بحلول العام ٢٠٢٧. وبذلك، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرًا محوريًا في التنافسية الاقتصادية المستقبلية.

أدت سنوات الانهيار الاقتصادي والتشرذم المؤسسي ونقص الاستثمار في البنية التحتية الرقمية في لبنان إلى حرمان البلاد من الموارد المالية والمنظومة الداعمة التي تتيح تطوير الذكاء الاصطناعي في دول أخرى من المنطقة. وأشارت المقابلات التي أُجريت لإعداد هذا المقال بصورة متكررة إلى ميزة تنافسية واحدة يتمتع بها لبنان، وهي موارده البشرية. فعلى الرغم من هذه التحديات، يواصل لبنان تخريج مهندسين ورواد أعمال ومتخصصين في التكنولوجيا على مستوى عالٍ من الكفاءة، يقود عدد كبير منهم شركات عالمية ويؤسس شركات ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي أو يعمل عن بُعد لصالح شركات دولية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على روابط شخصية بمنظومة الابتكار اللبنانية.

ويحدد هذا التناقض بين وفرة المواهب ومحدودية الجاهزية المؤسسية طبيعة تحدي الذكاء الاصطناعي في لبنان، كما يؤطر السؤال المركزي الذي يتناوله هذا المقال: ما المطلوب لينتقل لبنان من بلد يمتلك قدرات في مجال الذكاء الاصطناعي إلى بلد جاهز فعليًا له؟

المواهب اللبنانية: ورقته الأقوى في هذا سباق

تركز النقاشات الدولية بشأن الذكاء الاصطناعي غالبًا على القدرة الحاسوبية ومراكز البيانات والتصنيع التكنولوجي. وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية بطبيعة الحال، لكن تكمن ميزة لبنان النسبية في مكان آخر. ويقود رئيس شؤون المعلومات في الجامعة الأميركية في بيروت يوسف عصفور تكنولوجيا المؤسسات والتحول الرقمي في الجامعة والمركز الطبي على حد سواء. وانطلاقًا من هذه الرؤية يؤكد لمجلة Executive: «تكمن قوتنا في المواهب. أما ما نحتاج إلى تطويره فهو المنظومة المحيطة بها. وتتمثل فرصة لبنان في الذكاء الاصطناعي بدرجة أقل في التكنولوجيا نفسها وبدرجة أكبر في التطبيقات والابتكار وريادة الأعمال.”

أصبح الذكاء الاصطناعي بالفعل جزءًا من الاقتصاد اللبناني. فتختبر الشركات الذكاء الاصطناعي التوليدي ويتعلم طلاب الجامعات في لبنان كيفية بناء نماذج للذكاء الاصطناعي ويسهم المهندسون اللبنانيون بطرق لافتة في شركات التكنولوجيا العالمية. ويبرز من بين الأمثلة المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة التكنولوجيا المالية رامب Ramp كريم عطية، التي تبلغ قيمتها ٣٢ مليار دولار أمريكي. كما تقود رائدة الأعمال مي حبيب شركة رايتر Writer للذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون وهي من أبرز الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي وفقًا لمجلة فوربس Forbes. ويتولى سامر أبو لطيف قيادة عمليات مايكروسوفت Microsoft في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا فيما أطلق رائد الأعمال ريان دباغ، البالغ من العمر ٢٣ عامًا، شركة باونتيBounty الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي بدعم من أندريسن هورويتز Andreessen Horowitz. ومع ذلك، لا يزال لبنان غائبًا إلى حد كبير عن المؤسسات والبنى التحتية والتدفقات الاستثمارية التي ترسم ملامح اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.

وبدلًا من منافسة الدول التي تستثمر مليارات الدولارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يمتلك لبنان فرصة للتركيز على تطوير التطبيقات المتخصصة والخدمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمشاريع الريادية التي تستند إلى نقاط قوته في التعليم والرعاية الصحية والقطاع المالي وتطوير البرمجيات. ويرى رئيس شؤون المعلومات في الجامعة الأميركية في بيروت يوسف عصفور أن هذا التوجه يجب أن يصبح المسار الاستراتيجي للبلاد.

ويتّسم كامل الغصيني بكونه رئيس بلدية بعقلين والرئيس التنفيذي لمنظمة بارك إنوفيشنPark Innovation التي تتخذ الشوف مقرًا لها والموقّع على «الميثاق العالمي لمراكز البيانات الحضرية»، وهو مبادرة عالمية تهدف إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية المستدامة والقادرة على الصمود، ويجمع بين الخبرة الريادية والخبرة في القطاع العام. ويلخص تحدي لبنان بعبارة مقتضبة: «نحن قادرون على التعامل مع الذكاء الاصطناعي لكننا لسنا جاهزين له.”

تستطيع المواهب تأسيس الشركات وابتكار المنتجات والقيام بالأبحاث. لكن المواهب وحدها لا تستطيع بناء اقتصاد قائم على الابتكار إذ يتطلب ذلك مؤسسات قادرة على دعم الابتكار على نطاق واسع وهي الأسس التي لا يزال لبنان بحاجة إلى بنائها.

قواعد الذكاء الاصطناعي

لا يبدأ لبنان من الصفر. إذ يمتلك جامعات ومطوري برمجيات ورواد أعمال وشركات تختبر استخدام الذكاء الاصطناعي. لكن يكمن التحدي في عمل هذه المقومات بصورة منفصلة بدلًا من أن تكون جزءًا من منظومة ابتكار منسقة ومتكاملة. وربما تشكل هذه الفجوة بين توافر المواهب وغياب منظومة الدعم الهيكلي الممكنة أكبر عقبة تحول دون جاهزية لبنان للذكاء الاصطناعي.

تتجاوز الجاهزية للذكاء الاصطناعي بكثير مجرد الوصول إلى أدوات مثل تشات جي بي تي     Chat GPTوكلود Claude، إذ تشمل الأسس المؤسسية والقانونية والتكنولوجية والاقتصادية التي تسمح بتطوير الذكاء الاصطناعي ونشره وتوسيع نطاقه بصورة مسؤولة. ولا تتميز الدول الناجحة بعدد المبرمجين الذين تخرجهم، بل بامتلاك بنية تحتية موثوقة وتنظيم فعال وبيانات عالية الجودة وحوكمة فعالة.

يحتل لبنان في «المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول للعام ٢٠٢٦»، وهو مشروع أطلقه «المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي» ومقره سويسرا ويعتمد مؤشرات مثل الشمول والاستدامة والثقة والسلامة لقياس الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي وحوكمته، المرتبة ١١٧ من أصل ١٣٥ دولة وولاية قضائية مسجلًا نتيجة إجمالية بلغت ٣٤,٢٦ نقطة أي أقل بكثير من متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ ٤٥,٥١ نقطة. ويحقق لبنان أداءً جيدًا نسبيًا في جودة البيانات وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي إذ يتجاوز في المجالين المتوسط الإقليمي ما يشير إلى تنامي اعتماد هذه التقنيات. لكنه يسجل مستويات أدنى بكثير من المتوسط الإقليمي في الأسس المؤسسية التي تسمح بتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، لا سيما في السياسات الرقمية الحكومية والقدرات الحاسوبية وتقديم الخدمات الحكومية الإلكترونية. وبالتالي، تؤكد النتائج رسالة متكررة مفادها أن التحدي الأكبر أمام لبنان لا يتمثل في اعتماد الذكاء الاصطناعي بل في تهيئة الظروف التي تسمح بتوسيع نطاق استخدامه.

ويقول خبير التحول الرقمي رودي شوشاني، الذي يمتلك خبرة تتجاوز ٢٠ عامًا في تقديم الاستشارات للمؤسسات بشأن الاستراتيجية الرقمية والأمن السيبراني والتحول في التكنولوجيا المالية: «إن منظومتنا الوطنية للذكاء الاصطناعي ضعيفة جدًا. ولا تتمثل المشكلة في نقص المواهب التقنية، بل في غياب الحوكمة والبنية التحتية والدعم المؤسسي اللازم لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي». وتعتمد منظومات الذكاء الاصطناعي على كهرباء موثوقة وإنترنت عالي السرعة وحوسبة سحابية وأمن سيبراني وأنظمة هوية رقمية وقواعد بيانات حكومية قابلة للتشغيل البيني، فضلًا عن الحاجة إلى كميات كبيرة من المياه لأغراض التبريد وتنظيم واضح. ويرى رئيس شؤون المعلومات في الجامعة الأميركية في بيروت يوسف عصفور أن البنية التحتية في لبنان لا تزال مجزأة، قائلًا: «تحتاج إلى الاتصال، كما تحتاج إلى الحوكمة وإطار قانوني». ولا يقتصر هذا التشرذم على نقص الكهرباء، إذ لا تزال الأنظمة الحكومية مجزأة والخدمات الرقمية متفاوتة، كما أن الجزء الأكبر على الأرجح من البيانات الحكومية لم يُرقمن أو يُحفظ بصورة منتظمة، فضلًا عن أن مؤسسات كثيرة لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية المتكاملة اللازمة لاعتماد الذكاء الاصطناعي.

يركز جانب كبير من النقاش بشأن الذكاء الاصطناعي على السحب السيادية والحواسيب الفائقة ومراكز البيانات الوطنية. وعلى الرغم من أن هذه الاستثمارات قد تكتسب أهمية في المستقبل، تتمثل أولويات لبنان الفورية في عناصر أكثر أساسية كالكهرباء الموثوقة والإنترنت العالي السرعة والميسور التكلفة والأنظمة الحكومية الآمنة والممارسات الحديثة لإدارة البيانات. ويؤكد مؤسس شركة ZAKA ذكاورئيسها التنفيذي كريستوف زغبي: «نحن لا نملك حتى اتصالًا أساسيًا وسليمًا بالإنترنت في مختلف أنحاء لبنان». وتُعد ZAKA ذكا شركة لبنانية متخصصة في التعليم والابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي وتساعد الأفراد والمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على اعتماد هذه التكنولوجيا.

لكن البنية التحتية وحدها لن تنشئ منظومة ذكاء اصطناعي فاعلة، إذ تكتسب القواعد التنظيمية الواضحة والمتوازنة أهمية مماثلة. ويرى رئيس شؤون المعلومات في الجامعة الأميركية في بيروت يوسف عصفور أن على الأطر القانونية حماية المواطنين من دون تثبيط التجربة والابتكار قائلًا: «يجب أن تتوافر أطر قانونية تحمي الناس من الخدمات الاستغلالية، وتمنحهم في الوقت عينه مساحة كافية للمخاطرة والابتكار». كما يشدد على ضرورة النظر إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى جانب قواعد الملكية الفكرية وتأسيس الشركات والإفلاس التي ترسم ملامح بيئة الابتكار الأوسع.

توفر القواعد التنظيمية الجيدة قدرًا أكبر من اليقين للمستثمرين وتسهل ريادة الأعمال وتشجع الابتكار المسؤول. وعند سؤاله عن هذا الموضوع، يشير خبير التحول الرقمي رودي شوشاني إلى «حاجة القطاع الخاص أيضًا إلى الحماية وإلى مركز بيانات وطني وحوكمة وسياسات وقوانين تحميه في حال حدوث أي مشكلة. وكل هذه العناصر غائبة حتى اليوم.”

ولادة الذكاء الاصطناعي مع البيانات

يقول مؤسس شركة ZAKA ذكا كريستوف زغبي ملخصًا جانبًا ربما يكون الأكثر تعرضًا لسوء الفهم في اعتماد الذكاء الاصطناعي: «الذكاء الاصطناعي يعني البيانات. ومن دون استراتيجية واضحة لجمع البيانات، لا تستطيع المؤسسات الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بفعالية». وقد تبدو هذه العبارة بسيطة للوهلة الأولى إلا أن تداعياتها عميقة.

لا تستطيع المؤسسات نشر الذكاء الاصطناعي بفعالية إذا كانت لا تعرف نوع المعلومات التي تمتلكها ومدى دقتها وطريقة تخزينها وما إذا كانت أنظمتها المختلفة قادرة على التواصل بعضها مع بعض. وبدلًا من خلق قيمة انطلاقًا من معلومات غير منظمة، يعكس الذكاء الاصطناعي جودة البيانات الموجودة ومستوى نضج الأنظمة التي تديرها ويضاعف أثرهما.

ويوضح زغبي: «لا تمتلك شركات كثيرة اليوم حتى استراتيجيات واضحة لجمع البيانات. فهي لا تعرف أي بيانات ينبغي جمعها وكيف يجب تخزينها وكيف ينبغي تنظيمها أو كيفية الاستفادة منها.”

لا تزال السجلات الورقية شائعة وخصوصًا في المؤسسات العامة. وغالبًا ما تكون البيانات موزعة بين الإدارات ومخزنة بصيغ غير متوافقة أو مكررة في أنظمة متعددة. وفي حالات كثيرة، لا تزال المؤسسات تستكمل عملية التحول الرقمي التي يفترض أن تسبق اعتماد الذكاء الاصطناعي. ويحد غياب ثقافة البيانات من اعتماد الذكاء الاصطناعي حتى قبل أن تبدأ المؤسسات بمناقشة التعلم الآلي أو الذكاء الاصطناعي التوليدي. فمن دون معلومات موثوقة ومنظمة ويمكن الوصول إليها، تنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي نتائج غير موثوقة، ما يقلص الثقة بالتكنولوجيا ويثبط المزيد من الاستثمار.

ويبرز مصدر قلق آخر يرتبط خصوصًا بندرة البيانات المرقمنة في لبنان وربما أيضًا في دول عربية أخرى إذ لا يمكن للمعرفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي أن تعمل إلا استنادًا إلى المدخلات. وبالتالي، عندما يتعذر الوصول إلى أرشيفات المعرفة والثقافة العربية، تمسي عاجزة عن التحول إلى جزء من المواد المصدرية التي تغذي الطرق التي يعيد من خلالها الذكاء الاصطناعي تشكيل التعلم والسلوك على المستوى العالمي.

تتعامل الدول ذات أنظمة الذكاء الاصطناعي الناضجة مع البيانات باعتبارها بنية تحتية استراتيجية. فتُجمع البيانات وفق معايير مشتركة وتُخزن بصيغ متوافقة وتخضع لقواعد واضحة بشأن الملكية والخصوصية والوصول. وبذلك، تستطيع المعلومات الانتقال بأمان بين المؤسسات وينخفض التكرار وتتحسن جودة البيانات المستخدمة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها وموثوقيتها. وفي المقابل، عندما تعتمد المؤسسات على السجلات الورقية وقواعد البيانات المنفصلة وممارسات جمع البيانات غير المتسقة، تمسي أدوات الذكاء الاصطناعي أقل دقة وأقل موثوقية وأكثر صعوبة في التوسع.

تقر «استراتيجية التحول الرقمي في لبنان من العام ٢٠٢٠ إلى العام ٢٠٣٠» بعدد كبير من هذه التحديات، إذ تدعو إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة الحكومية واعتماد منصات رقمية مشتركة وتحسين حوكمة البيانات وتوسيع استخدام واجهات برمجة التطبيقات المفتوحة. ولا تزال هذه التوصيات شديدة الأهمية لأن التحول الرقمي والجاهزية للذكاء الاصطناعي ليسا مسارين منفصلين. فالتحول الرقمي ينشئ الأسس المؤسسية والتكنولوجية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي. ومن دونه، لا تستطيع حتى أكثر أدوات الذكاء الاصطناعي تقدمًا تحقيق ابتكار مستدام.

وتعزز الحوكمة القوية للبيانات الثقة أيضًا. إذ تصبح الشركات أكثر استعدادًا للاستثمار في الأنظمة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي عندما تعلم أن البيانات دقيقة ومحمية ويمكن مشاركتها بأمان في ظل أطر قانونية وتقنية واضحة. وتؤدي الحكومات دورًا مهمًا من خلال وضع معايير مشتركة لجمع البيانات وقابلية التشغيل البيني والأمن السيبراني والخصوصية، ما يسمح للمؤسسات العامة والقطاع الخاص ببناء حلول للذكاء الاصطناعي على أسس رقمية موثوقة بدلًا من الاعتماد على معلومات مجزأة.

ويزيد زغبي: «كلما ارتفع مستوى نضج بلد ما في مجال الذكاء الاصطناعي، ازدادت ثقافة البيانات فيه.”

الذكاء الاصطناعي في الحكومة: تبنّيه بدلًا من تنظيمه

يركز جانب كبير من النقاش العام المحيط بالذكاء الاصطناعي على التنظيم. إذ يُتوقع من الحكومات وضع أطر قانونية وحماية حقوق المواطنين ومعالجة الأخطار الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتُعتبر هذه المسؤوليات أساسية لكنها لا تمثل سوى جانب واحد من دور الحكومة.

ويرى رئيس شؤون المعلومات في الجامعة الأميركية في بيروت يوسف عصفور أن إظهار قيمة الذكاء الاصطناعي من خلال تطبيقه في الإدارة العامة بدلًا من حصر دورها في التشريع هو واجب على الحكومات. فقال موضحًا: «يمكن للحكومة أن تساعد في دفع الذكاء الاصطناعي قدمًا من خلال وضع الأطر القانونية لكن يمكنها أيضًا أن تظهر بسرعة كبيرة مدى فائدة الذكاء الاصطناعي من خلال تطبيقه داخل الحكومة عينها.

تتعدد الفرص في هذا المجال. إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي تبسيط إجراءات إدارية مثل إصدار رخص القيادة والتراخيص ومعالجة المستندات وخدمات السجل المدني والتواصل مع المواطنين مع الحفاظ على مستويات مناسبة من الرقابة البشرية.

وعندما تصبح المؤسسات العامة من الجهات المبكرة في اعتماد التكنولوجيا فتخلق طلبًا على شركات التكنولوجيا المحلية وتشجع الابتكار وتوفر للشركات الناشئة فرصًا لتطوير حلول لمشكلات تشغيلية فعلية. وتقترح «استراتيجية التحول الرقمي في لبنان» تقسيم مشاريع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكبرى إلى عقود أصغر يسهل على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوصول إليها وإنشاء «منصة السوق الرقمية» لتعزيز مشاركة هذه المؤسسات في العقود الحكومية وتوسيع استخدام واجهات برمجة التطبيقات لدعم الشركات الناشئة والابتكار الرقمي. وإذا نُفذت هذه التدابير، فقد تسمح للمشتريات العامة بدعم المنظومة التكنولوجية في لبنان إلى جانب تسريع التحول الرقمي.

وبدلًا من السعي وراء مشاريع وطنية طموحة تتطلب استثمارات كبيرة، تستطيع مبادرات أصغر في مجال الذكاء الاصطناعي إظهار نتائج ملموسة وتعزيز الثقة المؤسسية وتوفير دروس يمكن الاستفادة منها عند توسيع نطاق التنفيذ. ويلخص رئيس شؤون المعلومات في الجامعة الأميركية في بيروت يوسف عصفور هذه الفلسفة قائلًا: «النجاحات الصغيرة والمتكررة أفضل بكثير من رؤية كبرى لا تصل إلى أي مكان.”

والجدير بالذكر أن الفرص التي تتيحها البلديات لا تقل أهمية. واستنادًا إلى خبرة كامل بعقليني بصفته رئيس بلدية بعقلين، إن الحكومات المحلية قادرة على أن تصبح نماذج عملية لاعتماد الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من إقراره أن معظم البلديات لا تزال تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية والخبرة التقنية والموارد المالية اللازمة لتطبيق أنظمة متقدمة للذكاء الاصطناعي، بدأ بإدخال الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية لبلدية بعقلين. واستخدمت البلدية الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل الموازنات السابقة ومراجعة العقود وصياغة إجراءات التشغيل المعيارية. كما توجد مبادرات لتدريب موظفي البلدية على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويمكن للمساعدة القانونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي والأدوات الإدارية وخدمات المواطنين أن تحسن عمل البلديات من دون الحاجة إلى استثمارات بمليارات الدولارات. وغالبًا ما تحقق المشاريع الصغيرة التي تعالج مشكلات محددة بوضوح نتائج أسرع من البرامج الوطنية شديدة الطموح. كما يمكن أن تخفض فترات الانتظار وتحسن جودة الخدمات وتعزز ثقة الجمهور بالحكومة الرقمية.

على المرحلة المقبلة ان تعتمد من التحول الرقمي في لبنان بدرجة أقل على إعلان الاستراتيجيات الطموحة وبدرجة أكبر على تطبيق حلول عملية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات العامة. فلا تقاس جاهزية الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف بمستوى التطور التكنولوجي بل بقدرة الدولة على تحويل الخوارزميات إلى إنتاجية والمواهب إلى شركات والابتكار إلى نمو اقتصادي مستدام.

من الاستراتيجية إلى التنفيذ

تشير الانطباعات الشخصية والنقاشات إلى أن المواقف العامة تجاه اعتماد الذكاء الاصطناعي في لبنان تبدو ايجابية مفعمة بالحماس. وشهدت السنوات الأخيرة إنشاء وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمل على وضع إطار وطني للذكاء الاصطناعي وإجراء مشاورات مع المساهمين وإطلاق مبادرات مثل البرنامج الوطني اللبناني لبناء القدرات الرقمية وقدرات الذكاء الاصطناعي «نُمُو» بغية تعزيز المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي. وتظهر هذه التطورات إدراكًا متزايدًا بشأن تشكيل الذكاء الاصطناعي لمستقبل التنافسية الاقتصادية. لكن الوعي وحده لا يصنع الجاهزية.

ويقول خبير التحول الرقمي رودي شوشاني: ” الأحاديث والنقاشات مطروحة على الطاولة لكن لا تنفيذ لها». وعلى الرغم من رسم الاستراتيجية لرؤية طموحة للتحول الرقمي، فإنها لا تتضمن موازنة مخصصة للتنفيذ أو خطة تمويل ما يجعل عملية التنفيذ أكثر ارتباطًا بتغير أولويات الحكومات والتمويل الخارجي. كما عانى التنفيذ في كثير من الأحيان بسبب التشرذم المؤسسي وعدم الاستقرار السياسي ومحدودية القدرات الإدارية.

يتطلب إحراز التقدم تنفيذًا متسقًا بين الحكومات المتعاقبة وتنسيقًا مستدامًا بين الحكومة والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص. وتؤكد التجارب الدولية هذه النقطة. فقد دعمت سنغافورة استراتيجية الذكاء الاصطناعي لديها بمبادرات مثل «بيئة الاختبار العالمية لضمان الذكاء الاصطناعي» و«دليل اعتماد تقنيات تعزيز الخصوصية» و«علامة الثقة لحماية البيانات» بغية تعزيز الثقة والخصوصية والاعتماد المسؤول على الذكاء الاصطناعي. كما أطلقت الإمارات العربية المتحدة «السياسة الوطنية لأمن الذكاء الاصطناعي» التي تضع الحد الأدنى من المتطلبات لحوكمة الذكاء الاصطناعي وأمن البنية التحتية وإدارة الأخطار فيما دمجت إستونيا حماية البيانات والخصوصية والرقابة البشرية ضمن استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي. وتوضح هذه الأمثلة أن الجاهزية للذكاء الاصطناعي لا تعتمد على الابتكار وحده بل كذلك على بناء مؤسسات موثوقة قادرة على إدارة استخدامه.

ويثبت لبنان أن مؤسساته قادرة على تحويل الاستراتيجية إلى تقدم قابل للقياس. وسيعتمد النجاح بشكلٍ أقل على الإعلانات الطموحة وبشكلٍ أكبر على التنفيذ المتسق والشراكات العملية والاستعداد لبناء القدرات خطوة تلو الأخرى.

فرصة لبنان لم تَفُت بعد

ربما يتمثل أكبر سوء فهم يحيط سياسات الذكاء الاصطناعي في الاعتقاد بأن على كل دولة محاولة استنساخ تجربة وادي السيليكون. وبالنسبة إلى لبنان، سيكون ذلك غير واقعي وغير ضروري بل قد يكون ضارًا أيضًا. إذ لا يستطيع البلد مجاراة الموارد المالية والتكنولوجيا العالمية وأبحاث الذكاء الاصطناعي الأساسية والبنية التحتية الحاسوبية الواسعة النطاق التي تمتلكها دول مثل الولايات المتحدة والصين والسعودية والإمارات العربية المتحدة.

في المقابل، لا يبدأ لبنان من الصفر. فهو يمتلك جامعات ومجتمعات من المطورين وشركات تكنولوجية ورواد أعمال وجالية لبنانية كبيرة. كما بات لديه اليوم جهاز حكومي مسؤول بشكلٍ صريح عن التكنولوجيا وعن الذكاء الاصطناعي وعن عملية وضع استراتيجية عامة ومبادرات بناء القدرات. وتستحق هذه التطورات التقدير لكن التفريق بينها وبين الجاهزية الفعلية أمر ضروري. إذ تكمن ميزة لبنان النسبية في مكان آخر وتحديدًا في موارده البشرية الماهرة وطموحه الريادي.

يسهم المهنيون اللبنانيون بالفعل في مشاريع الذكاء الاصطناعي الدولية بينما يعملون عن بُعد من لبنان. ويولد هذا النموذج دخلًا مهمًا ويعزز الخبرات التقنية. لكن يتطلب تحقيق تحول اقتصادي مستدام أكثر من مجرد تصدير العمالة الماهرة.

سيواصل الذكاء الاصطناعي تقدمه بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية في لبنان. ويتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كان لبنان سينشئ منظومة تحول المواهب إلى ابتكار ونمو اقتصادي أم سيواصل تصدير الأشخاص أنفسهم القادرين على بنائها. وقد أثبت لبنان بالفعل قدرته في مجال الذكاء الاصطناعي. أما التحدي اليوم فيكمن في التحول إلى بلد جاهز له ليس من خلال رفع سقف الطموحات بل من خلال بناء مؤسسات أقوى ومن خلال تحسين التنفيذ والاستثمار المستدام في الأشخاص الذين لا يزالون يشكلون أعظم ميزة تنافسية يمتلكها.

You may also like