Home العقاراتالقطاع العقاري في لبنان

القطاع العقاري في لبنانARFREN

طلبٌ يصمد وصفقاتٌ تتراجع تحت ضغط الأزمات

by Walid Moussa

يعكس حجم الصفقات العقارية وقيمتها الذين يشكّلان مؤشّرين أساسيَّين من مؤشرات السوق العقارية في العام ٢٠٢٦ ضغوطًا نزاعية جديدة واجهها القطاع هذا العام. وأظهرت أرقام الربع الأول تراجعًا سنويًا بنسبة ٢٩,٣ في المئة في عدد الصفقات وتراجعًا بنسبة ١٨,٢ في المئة في قيمتها الإجمالية. ويعكس ذلك، إلى جانب الانخفاض الكبير في نشاط الاستثمار الأجنبي حالة عدم اليقين السياسي والأمني والاقتصادي المستمرة خلال هذا العام.

ترسم تطورات صفقات الربع الأول صورة مناقضة تمامًا لسردية التعافي وحتى لبعض الاندفاع التفاؤلي الذي طُرح قبل أشهر قليلة فقط. وسيعترف كل شخص مهني يعمل في قطاع العقارات في لبنان أن لطالما رافق سوق العقارات تفاؤل كبير ومبالغ فيه لدى البائعين.

يزداد التقييم للسوق العقارية وفاعلي العقارات الأبرز المتفائل هذا وضوحًا عندما تحوّلت الأسواق من كنز البائعين إلى فرصة المشترين الذهبية. لكن، وبصورة عامة، شهد قطاع التطوير العقاري أو بالأحرى الأسواق العقارية المتعددة في لبنان محطات كثيرة من النزاعات العابرة للحدود أو الانكماشات الاقتصادية حيث تعطلت المشاريع الجديدة بسبب أزمات غير متوقعة.

تفاؤل مُحطَّم

شكّل تجدّد النزاع المسلح فوق لبنان في ٢ آذار/ مارس من العام ٢٠٢٦ صدمة عنيفة واضطرابًا واضحًا في الحياة الاقتصادية الوطنية. وعلى الرغم من أنّ الأيام الـ٥٩ الأولى من الربع الأول من العام ٢٠٢٦ لم تكن قد شهدت بعد نزاعًا مسلحًا معلنًا، فيكشف التراجع السنوي في الصفقات أيضًا وجود مشاكل بنيوية قديمة تثقل كاهل السوق العقارية.

تكمن هنا أزمة أعمق بكثير من مجرد تباطؤ في الصفقات. إذ تتجذّر هذه الأزمة في أنّ السوق العقارية لا تعمل ضمن نظام موحّد بل من خلال أسواق متوازية عدة يعمل كل منها وفق منطقه الخاص وبنية أسعاره وأنماط الطلب فيه وقدرته الشرائية.

لم يعد القطاع العقاري اللبناني يخضع للأسس الاقتصادية التقليدية. ولكن بدلًا من ذلك، أمسى انعكاسًا مباشرًا للأزمات السياسية والأمنية والمالية والاقتصادية التي أثّرت في البلاد لسنوات طويلة ما خلق سوقًا تتسم بعدم اليقين وانعدام الرؤية وتراجع الثقة.

تحتاج أي سوق عقارية في العالم إلى الاستقرار الذي يشكّل عنصر أساسي لنموّها. وقد غاب هذا العنصر عن لبنان لسنوات طويلة. إذ أبعدت الحروب والتوترات الأمنية والانقسامات السياسية والأزمات الاقتصادية المتكررة المستثمرين الأجانب عن البلاد كما أضعفت ثقة المستثمرين المحليين أيضًا.

اختفى الاستثمار الأجنبي اليوم بشكل شبه كلّي من القطاع العقاري في لبنان في حين لا يزال المستثمرون المحليون في حالة حذر دائم بسبب غياب رؤية اقتصادية أو مالية واضحة للبلاد.

أسس القطاع المصرفي المتزعزعة

وعلى الرغم من ذلك، تبقى المسألة الأكثر خطورة هي انهيار القطاع المصرفي الذي وقع قبل خمس سنوات. فقد ارتبطت السوق العقارية في لبنان تاريخيًا بنظامه المصرفي الذي وفّر قروض الإسكان وموّل المطورين العقاريين ووفّر السيولة اللازمة لاستمرار النشاط في السوق. غير أنّ هذه البنية بأكملها انهارت مع حلول العام ٢٠٢٠ ولا تزال معالجة هذا الانهيار غائبة. فلا قروض سكنية ولا تمويل للمطورين ولا تسهيلات للمشترين ولا ثقة بالمصارف.

في الوقت عينه، لا تزال أموال المودعين محتجزة في المصارف اللبنانية ما يجمّد القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المجتمع ولا سيما الطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للسوق السكنية.

وفي خلال السنوات الماضية، أدّت المدفوعات النقدية دورًا في إبقاء جزء من النشاط العقاري في لبنان قائمًا ولا سيما في المشاريع قيد الإنشاء. فقد فضّل بعض المطورين الحصول على جزء من مدفوعاتهم نقدًا ما أتاح لهم تغطية بعض النفقات التشغيلية ككلفة اليد العاملة وشراء بعض المواد والخدمات التي كانت تُدار جزئيًا خارج القنوات المصرفية التقليدية.

لا يزال هذا النموذج قائمًا في بعض الحالات لكن أمسى استخدام النقد في الصفقات العقارية في الآونة الأخيرة أكثر محدودية مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء هذا التحول في أعقاب إجراءات تنظيمية ورقابية اعتمدتها الحكومة اللبنانية بالتنسيق مع مصرف لبنان أي البنك المركزي بعد الانتقال إلى حاكم جديد في العام ٢٠٢٥. وفرض مصرف لبنان ضوابط إضافية على حركة الأموال وآليات الدفع في الصفقات الكبرى ما أثّر مباشرة في طبيعة بعض العمليات وفي الحجم الإجمالي لنشاط السوق.

لا يزال جزء من الصفقات العقارية الكبرى يُنجز عبر التحويلات المصرفية النظامية. غير أنّ حصة مهمة من هذه السيولة ترتبط بثروات أنتجتها أنشطة رجال أعمال لبنانيين في الخارج ولا سيما في القارة الأفريقية حيث لا يزال كثير من المغتربين اللبنانيين يشكلون عنصر دعم أساسي لجزء من السوق العقارية اللبنانية ونبرز أهميتهم بصورة خاصة في الصفقات ذات القيمة المرتفعة.

في المقابل، ارتفعت أسعار العقارات وتكاليف البناء بصورة كبيرة بسبب زيادة أسعار المواد والكلفة التشغيلية إضافة إلى التضخم الكبير في نفقات الطاقة. ومع ذلك، لا تزال الرواتب المتوسطة ودخول الأسر الراغبة في شراء منزل متدنية للغاية مقارنة بأسعار السوق. وقد خلق هذا الخلل فجوة هائلة بين الدخل الحقيقي وقيم العقارات إلى حد ارتفعت معه حصة اللبنانيين الذين لم يعودوا قادرين واقعيًا على شراء منزل إلى نحو ٩٠ في المئة.

لم يعد الطلب متمركزًا بصورة أساسية في خانة العقارات المرتفعة القيمة كما كان الحال في السنوات السابقة. إذ يبحث جزء متنامٍ من المشترين عن خيارات أكثر قدرة على التحمّل وأكثر واقعية، بسبب تراجع القدرة الشرائية وازدياد حذر الأسرة المالي.

طلب مشتّت

على الرغم من هذا الواقع، لا تزال الأسعار مرتفعة في مناطق كثيرة في ظل غياب أي معايير تسعير واضحة. ففي حالات كثيرة، تُحدَّد أسعار العقارات وفق التوقعات الشخصية والخوف من التضخم والحاجة الفورية إلى السيولة أو الاعتبارات العاطفية بدلًا من أن تُبنى على أسس السوق الحقيقية ما يخلق سوقًا غالبًا ما تطغى عليها الفوضى السعرية وانعدام اليقين.

ضمن الأسواق المتخصصة المتعددة التي يتكوّن منها القطاع العقاري اللبناني، لا تزال السوق الفاخرة التي تستهدف المقيمين الأثرياء والمغتربين والمشترين الذين يملكون سيولة بالدولار الفريش موجودة. إلا أنّ سوقًا مهمة أخرى، كانت في الماضي تلبّي احتياجات الطبقة الوسطى، باتت شبه مجمّدة بسبب غياب التمويل وتراجع القدرة الشرائية. وفي الوقت عينه، برزت شريحة أخرى تقوم على عمليات البيع الاضطراري والاستثمارات الانتهازية والصفقات الانتقائية حيث تغيب إلى حد كبير الشفافية ومؤشرات التسعير الواضحة.

ينعكس هذا التشظي أيضًا في التوزيع الجغرافي للصفقات في أنحاء البلاد. ففي حين تبدو بعض المناطق، مقارنة بحصتها من عدد السكان على المستوى الوطني، ممثلة بصورة ضعيفة في حضورها العقاري بسبب عوامل السعر والنزاع أيضًا، تستحوذ مناطق أخرى على غالبية النشاط العقاري. وبحسب أرقام الربع الأول من العام ٢٠٢٦، احتلّت محافظة بعبدا المرتبة الأولى بنسبة ٢٠,٩ في المئة من إجمالي الصفقات العقارية المسجلة وتلتها المتن بنسبة ١٤ في المئة وكسروان بنسبة ١٣,٥ في المئة والبقاع بنسبة ١١,٧ في المئة وطرابلس بنسبة ١١ في المئة. وتبيّن هذه الأرقام أنّ الطلب لا يزال متركزًا في مناطق محددة يرى فيها المشترون قدرًا أكبر من الأمان والاستقرار وسهولة الوصول والقيمة الطويلة الأجل.

على الرغم من التباطؤ الواضح في الأسواق، لا تزال بعض مؤشرات البناء تُظهر قدرة جزئية على الصمود ولا سيما في المناطق التي تستقطب اهتمامًا استثماريًا طويل الأجل. ويُعكس ذلك في استمرار إيمان اللبنانيين الكبير ببقاء العقار أصلًا استراتيجيًا على المدى الطويل. والمفارقة أنّ العرض لا يزال محدودًا في مناطق كثيرة على الرغم من ضعف القدرة الشرائية إذ لا يزال كثير من المالكين يفضّلون الاحتفاظ بالعقار بدل بيعه معتبرين أنّ الملكية العقارية أكثر أمانًا من النقد أو الودائع المصرفية.

لكل هذه الأسباب، لا يمكن تحقيق تعافٍ حقيقي في القطاع العقاري من دون حل فعلي للأزمة المصرفية. ومن جهة أخرى، لا يزال لبنان يفتقر إلى سياسة إسكانية جدية أو استراتيجية للسكن الميسّر. فلا خطط إسكانية وطنية ولا برامج تمويل مستدامة ولا شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص ولا حوافز حقيقية تشجع تطوير مشاريع سكنية ميسّرة.

أهمية الملكية العقارية المتجذّرة

يعزّز هذا الاضطراب المزدوج أي الاضطراب الحديث في القطاع المصرفي والاضطراب الأقدم بكثير في حوكمة القطاع العقاري، قناعة مفادها أنّ لا وجود لقطاعٍ عقاريٍّ سليمٍ ومستدامٍ من دون نظام مصرفي سليم واستقرار سياسي وأمني وسياسات إسكانية واضحة وآليات تمويل قادرة على إعادة الطبقة الوسطى إلى السوق.

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الأزمات هذه، تبقى سمة أساسية راسخة في المجتمع اللبناني وهي: لا يزال اللبنانيون يؤمنون بالعقارات. فلا تُنظر الملكية العقارية على أنها مجرد استثمار بل تُعتبر رمزًا للاستقرار والأمان والإنجاز العائلي والنجاح الاجتماعي ما يشرح لما لا يختفي الطلب بالكامل في لبنان حتى في أصعب المراحل. فالعلاقة بين المجتمع اللبناني والعقارات مرتبطة ارتباطًا ولا تشبه منطق الاقتصاد التقليدي.

وعلى الرغم من التحديات الراهنة، يبقى هذا القطاع من بين أكثر القطاعات قدرة على استعادة دوره متى عادت الظروف المناسبة نظرًا إلى ارتباط البنانيين التاريخي بالعقارات وأهمية القطاع هذا في تكوين الثروة وتحريك النشاط الاقتصادي. ومع الأمل في عودة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بعد انقشاع غبار النزاعات المسلحة الأخيرة، يبقى القطاع العقاري في لبنان مرشحًا قويًا ليكون من أوائل القطاعات التي تستعيد زخمها وتزدهر في لبنان الجديد الذي نأمل جميعًا أن نراه.

You may also like