Home تعليقالانتعاش العقاري واقعًا اليوم…

الانتعاش العقاري واقعًا اليوم…ARFREN

لكن تمويل السكن لا يزال قاصرًا في بيروت

by Michael Zoghzoghi

أمضى السوق العقاري اللبناني الأشهر الأولى من العام ٢٠٢٦ يستوعب تداعيات تجدد النزاع. وأظهرت وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك الاعتماد اللبناني في تقرير أصدرته في نهاية حزيران/ يونيو من العام ٢٠٢٦ تراجع عدد المعاملات العقارية بنسبة ٣٢,٢٥ في المئة على أساس سنوي في خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام ليبلغ 19.097 معاملة مقابل 28189 معاملة قبل عام، فيما انخفضت القيمة الإجمالية للمعاملات بنسبة ١٧,٧٩ في المئة خلال الفترة عينها. وربط البنك هذا التباطؤ مباشرة بالقتال الذي تجدد في مطلع شهر آذار/ مارس.

وجاء الانتعاش سريعًا عندما بدأ. فقد سجّل بنك الاعتماد اللبناني أولى مؤشرات التحول في شهر أيار/ مايو، إذ ارتفع عدد المعاملات بنسبة ٤,٦٤ في المئة مقارنة بالشهر السابق عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار في منتصف شهر نيسان/ أبريل. ثم تسارعت وتيرة النشاط بصورة حادة في شهر حزيران/ يونيو، مسجلة ٤999 معاملة وفق قراءة بنك بلوم إنفست BLOMINVEST Bank لبيانات السجل العقاري، قبل أن يضيف شهر تموز/ يوليو ارتفاعًا آخر بنسبة ٦,١٨ في المئة ليصل العدد إلى ٥٣٠٨ معاملة وهو أعلى مستوى شهري مسجل حتى الآن في العام ٢٠٢٦ وفق قراءة بنك الاعتماد اللبناني الصادرة في ١٨ آب/ أغسطس من العام ٢٠٢٦ لبيانات السجل العقاري.

لكن التفريق بين هذا الانتعاش وبين التعافي الكامل أمر ضروري. فقد أظهرت الأرقام التراكمية لبنك الاعتماد اللبناني، والصادرة في منتصف آب/ أغسطس من العام ٢٠٢٦، تسجيل ٢٩404 معاملات عقارية حتى نهاية تموز/ يوليو، أي أقل بنسبة ٢٥,٥٤ في المئة من المعاملات البالغ عددها 39490 والمسجلة خلال الفترة نفسها من العام ٢٠٢٥. في المقابل، سجلت قيمة المعاملات تراجعًا أضيق بكثير بلغ ٥,٣٦ في المئة لتصل إلى نحو ٣,٢٥ مليارات دولار. وبالنسبة لنا أي الناشطين في السوق، بدا هذا التحول واضحًا قبل أن تؤكده الأرقام الأخيرة إذ بدأت الاستفسارات التي خفتت خلال الاضطرابات في فصل الربيع تتحول مجددًا إلى عمليات فعلية مع استقرار الأوضاع.

أما التمويل فيروي قصة أكثر بطئًا. فقد وسّع مصرف الإسكان أي المؤسسة المدعومة من الدولة التي أعادت إطلاق برنامج القروض السكنية المدعومة في العام ٢٠٢٤ بعد توقف استمر أكثر من خمس سنوات نشاطه تدريجيًا. وحتى ٢ تموز/ يوليو من العام ٢٠٢٦، كان المصرف قد منح 1059 قرضًا بقيمة ٧٤ مليون دولار، من بينها ٩٨٠ قرضًا لشراء شقق بقيمة ٦٨,٩ مليون دولار وفق الأرقام التي زود بها المصرف صحيفة لوريان توداي L’Orient Today في شهر تموز/ يوليو.

كما خفّض المصرف معدل الفائدة السنوية على القروض الممولة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي من ٦ في المئة إلى ٥,٧٥ في المئة اعتبارًا من ١ تموز/ يوليو من العام ٢٠٢٦، بعدما تنازل مصرف لبنان عن رسم إدارة نسبته ٠,٢٥ في المئة وفق ما أوردته لوريان توداي. وكان خط الائتمان المقدم من الصندوق العربي والبالغة قيمته نحو ١٦٥ مليون دولار قد أتاح بالفعل لمصرف الإسكان رفع الحد الأقصى للقرض السكني المدعوم من 50000 دولار إلى 100000 دولار في العام ٢٠٢٥.

ما يُعتبر تقدمًا فعليًا لا سيما بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط التي يستهدفها البرنامج. لكن لا يزال حجم هذا التمويل متواضعًا مقارنة بحجم السوق العقاري اللبناني. وبالنسبة إلى العديد من المشترين، ولا سيما أولئك الذين يبحثون عن عقارات في أغلى مناطق البلاد، لا يزال توافر التمويل وحجمه يشكلان عائقًا مهمًا.

ويتفاعل هذا العائق مع العامل الجغرافي بطريقة تستحق اهتمامًا أكبر. وتنشر منصة دور إيست DoorEast العقارية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتي شاركت في تأسيسها بيانات عن اتجاهات السوق ورؤاه ترصد أسعار العرض المعلنة في مئات المواقع. وتكشف هذه البيانات مدى اتساع الفوارق في الأسعار بين المناطق اللبنانية. إذ يبلغ متوسط السعر في وسط بيروت نحو ٦ ٤٠٢ دولار للمتر المربع فيما يباغ في رأس بيروت حوالي ٤ ٤١٥ دولارًا. وفي الأشرفية، يبلغ متوسط السعر

في منطقة كاريه دور Carré d’Or نحو 3700 دولار مقابل نحو 3091 دولارًا في المنطقة ككل. أما كلما ابتعدنا عن وسط العاصمة فتتراجع الأسعار سريعًا إذ يبلغ المتوسط في جونية نحو 1744 دولارًا للمتر المربع وفي الدكوانة نحو 1378 دولارًا وفي جبيل قرابة ٩٧٢ دولارًا وفي دوحة عرمون نحو ٨٤٢ دولارًا.

وتعكس هذه الأرقام أسعار العرض المطلوبة لا أسعار عمليات البيع المنجزة. وبما أنّ يعتمد السوق اللبناني بشكلٍ كبيرة على التفاوض، قد يكون الفارق بين السعرين كبيرًا. كما قد يزيد سعر عقار معين كثيرًا عن متوسط المنطقة أو يقل عنه تبعًا لعمره وحالته والطابق الذي يقع فيه والإطلالة ومستوى التشطيب والموقع الدقيق.

لكن يكشف هذا التفاوت جانبًا مهمًا يتعلق بالمناطق التي يتمتع فيها التمويل بقوة شرائية فعلية. وفي دور إيست، يشير النمط الذي نرصده من خلال الإعلانات واستفسارات المشترين إلى أنّ جزءًا من ارتفاع الأسعار في وسط بيروت يعكس تركز الطلب المقوم بالدولار والمدعوم بالسيولة النقدية في المواقع الرئيسية بما في ذلك الطلب الصادر عن اللبنانيين المقيمين في الخارج. وفي المقابل، كلما ابتعدنا عن أغلى مناطق العاصمة أصبحت أسعار العرض أقرب بكثير إلى ميزانيات المشترين الذين يعتمدون بصورة أكبر على الدخل المحلي والتمويل.

وهنا تلتقي مسألة التمويل مع جغرافيا الأسعار. إذ يقدم مصرف الإسكان حاليًا قروضًا للشراء والبناء تصل قيمتها إلى 100000 دولار. وعند مقارنة هذا المبلغ بمتوسطات أسعار العرض التي ترصدها دور إيست، يتبين أنه يعادل ثمن نحو ١٦ مترًا مربعًا وفق أسعار وسط بيروت أو ٢٣ مترًا مربعًا في رأس بيروت. أما المبلغ نفسه البالغ 100000 دولار فيعادل نحو ٥٧ مترًا مربعًا في جونية و٧٣ مترًا مربعًا في الدكوانة و١٠٣ أمتار مربعة في جبيل و١١٩ مترًا مربعًا في دوحة عرمون.

ولا تعني هذه المقارنة أنّ المقترض الذي يحصل على قرض بقيمة 100000 دولار لا يستطيع شراء عقار تتجاوز مساحته هذه الحدود. إذ يمكن للمشترين بطبيعة الحال المساهمة بأموالهم الخاصة أو الاستعانة بمصادر تمويل أخرى كما يمكن أن يشكل تمويل مصرف الإسكان جزءًا من سعر الشراء فقط. وتوضح المقارنة مدى الاختلاف الكبير في القوة الشرائية للتسهيل التمويلي نفسه بحسب الموقع.

Location Avg. / m² $100K equivalent* $500K buys

Downtown Beirut $6,402 16 m² 78 m²

Ras Beirut $4,415 23 m² 113 m²

Carré d’Or, Achrafieh ~$3,700 27 m² 135 m²

Achrafieh (district avg.) $3,091 32 m² 162 m²

Jounieh $1,744 57 m² 287 m²

Dekwaneh $1,378 73 m² 363 m²

Jbeil $972 103 m² 514 m²

Location Avg. / m² $100K equivalent* $500K buys

Dawhet Aramoun $842 119 m² 594 m²

*Approximate floor-area equivalent of Banque de l’Habitat’s $100,000 maximum housing loan and of a $500,000 budget, calculated using DoorEast’s advertised asking-price averages. The $100,000 figure represents the purchasing-power equivalent of the loan amount, not the maximum property size a borrower can purchase. Figures are illustrative and do not represent specific listings or closed transaction prices.

ويجعل ذلك عمليًا برنامج الإقراض المدعوم الحالي أكثر تأثيرًا بكثير في جبل لبنان وأسواق الضواحي البعيدة مما هو عليه في وسط بيروت. إذ يمكن للقرض أن يساهم بصورة ملموسة في تقليص فجوة القدرة على تحمل تكاليف السكن في المناطق الأقل سعرًا. أما في المناطق الرئيسية من بيروت فمن المرجح أكثر أن يشكل القرض جزءًا واحدًا من عملية شراء تتطلب مساهمة كبيرة من الأموال الذاتية.

وتتجاوز أهمية هذا الاختلاف حدود المشترين الأفراد. فإذا كان التمويل السكني الفعلي يتمتع بقوة شرائية أكبر خارج أغلى مناطق العاصمة، فقد يساهم تدريجيًا في تعزيز الطلب في تلك المناطق. وبالتالي، قد تترتب على ذلك انعكاسات على المناطق التي ستشهد نموًا في المشاريع السكنية واحتياجات البنية التحتية والخدمات مع مرور الوقت. وفي المقابل، من المرجح أن يظل وسط بيروت أكثر اعتمادًا على المشترين الذين يمتلكون سيولة نقدية كبيرة أو أموالًا ذاتية مرتفعة ما لم تصبح المنتجات التمويلية كبيرة بما يكفي لتغطية حصة أكبر من مستويات الأسعار السائدة فيه.

وتكشف جغرافيا السوق العقاري اللبناني بوضوح حدود تطبيق سقف تمويلي موحد. إذ يمثل قرض بقيمة 100000 دولار حصة مهمة من سعر الشراء في بعض المناطق ولا يشكل سوى جزء محدود منه في مناطق أخرى. ولا يعني ذلك أنّ البرنامج غير فعال لكنه يعني أنّ تأثيره على القدرة على تحمل تكاليف السكن يختلف بدرجة كبيرة بحسب الموقع.

وفي الوقت عينه، تشير أرقام المعاملات الأخيرة إلى أنّ النشاط قادر على التعافي بوتيرة سريعة نسبيًا مع استقرار ظروف السوق. لكن السؤال الأكثر صعوبة يتمثل في مدى قدرة هذا الانتعاش على الامتداد إلى ما يتجاوز المشترين الذين يتمتعون أصلًا بإمكانية الوصول إلى سيولة نقدية كبيرة أو أموال ذاتية مرتفعة.

وهذا هو الفارق الذي يستحق المتابعة. إذ يمثل تعافي أحجام المعاملات أحد مؤشرات تحسن صحة السوق العقاري، فيما يشكل توسيع نطاق الوصول إلى التمويل مؤشرًا آخر. أما في لبنان اليوم فلم يتحرك المؤشران بعد بالوتيرة عينها

You may also like