Home السياحةالسياحة اللبنانية بين الصدمات والانتعاش

السياحة اللبنانية بين الصدمات والانتعاشARFREN

قطاع ضيافة صامد حيث الاستراتيجية غائبة

by Thomas Schellen

من الخارج، يعتبر لبنان وجهة رائعة أما عندما يُنظر إليه من ناحية الاقتصاد المحلي، فبدا قطاعه السياحي في العام ٢٠٢٦ كقطاع شهد تراجعًا وانتعاشًا بسرعة لافتة تكاد تكون مذهلة.

اعتاد العاملون في قطاع السياحة اللبناني التقلبات الموسمية والسنوية إلا أن تجربة العام ٢٠٢٦ تبدو استثنائية. فقد جاء اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وحزب الله في مطلع آذار/ مارس أولًا في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة إلى القطاع السياحي.

وأطاحت الحرب، ثانيًا، الآمال بتحقيق تعاف جزئي للاقتصاد الوطني وبالحصول على دفعة يحتاج إليها بشدة لتحقيق نمو إيجابي في الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط فيما كان تأثيرها في تدفقات الزوار فوريًا وقاسيًا.

وأعادت هذه التطورات، أخيرًا، سؤالًا ظل مطروحًا منذ زمن إلى الواجهة: هل يمتلك قطاع السياحة اللبناني آفاقًا فعلية واستراتيجية قابلة للتطبيق للحد من أخطار الأمن والأخطار المتصوّرة؟ وهل يمكن تحويل قطاع الضيافة اللبناني إلى محرك لنمو اقتصادي مستدام حتى العام ٢٠٣٠ وما بعده؟

هكذا مضى الموسم الصيفي بالنسبة إلى رائد الأعمال في قطاع الضيافة والناشط في شبكة القطاع الخاص اللبناني Lebanese Private Sector Network (LPSN)موريس سرسق ضمن مجموعة تضم نحو ١٠ من العاملين في قطاع الضيافة بين مشغلين ومستشارين.

وتدير شركته فود آند ديزاين كاترينغ Food & Design Catering مشروعين راقيين هما كافيه دي ليتر Cafe des Lettres الواقع داخل حرم السفارة الفرنسية في بيروت ونادي اليرزة Yarze Country Club شرق العاصمة. ويؤكد سرسق في حديث إلى مجلة إكزكيوتيف Executive ملاحظته في بداية الموسم إلى تقصير الزوار مدة رحلاتهم أو تأجيلها إضافة إلى انخفاض أعداد الأشخاص في المجموعات الزائرة.

ويقول سرسق: «لدي أصدقاء يعملون في قطاع الحياة الليلية وقد لاحظوا تراجعًا هذه السنة بسبب عدم قدوم عدد كبير من المغتربين. كما نشعر نحن أيضًا بالتأثير في قطاعنا الذي يتركز بشكل أكبر على خدمات الطعام المؤسسية لأن كثيرًا من اللبنانيين لم يعودوا لقضاء الصيف في لبنان». وأضاف قائلًا: «ما يميّز لبنان هو انتعاش النشاط بسهولة كبيرة بمجرد أن نشهد فترة من الاستقرار.”

وترى جومانا دموس سلامة وهي جهة من الجهات المعنية في قطاع السياحة وعضو في شبكة القطاع الخاص اللبناني أن ديناميكية السياحة اللبنانية مدهشة. وفي هذا السياق، حتى القدرة الاستيعابية المحدودة نسبيًا لسوق الإقامة في لبنان تحمل جانبًا إيجابيًا إذ توضح لExecutive أن هذا الحد في الطاقة الاستيعابية يسمح بتحولات لافتة وسريعة نسبيًا في هذه الأوضاع الاقتصادية لأصحاب الفنادق بمجرد تعافي الطلب من الزوار.

وتشير كذلك إلى أن مشغلي قطاع الضيافة في البلاد قد استثمروا في تلبية العديد من اتجاهات الطلب الجديدة كالسياحة الريفية والسياحة البيئية وسياحة المغامرات بالإضافة إلى انخراطهم في عروض ذات القيمة المضافة المرتفعة والاستثمار فيها بدءًا من تطوير بيوت الضيافة ووصولًا إلى التجارب السياحية المتخصصة.

وتعمل دموس سلامة في تنظيم الفعاليات والنشر وقد توسع نطاق نشاطها من تنظيم الفعاليات المحلية وإصدار النشرات في لبنان إلى نطاق إقليمي وسط طموح لجلب معرض هوريكا HORECA المتخصص في شؤون الفنادق والمطاعم وخدمات الطعام والتابع لشركتها العائلية إلى مدن في كل دول المنطقة.

تحول التركيز في خلال السنوات الماضية من سياحة الشواطئ والحفلات إلى المشي في الطبيعة واكتشاف القرى بالإضافة إلى ظهور قناة جديدة للإقامة تتمثل في بيوت الضيافة المتنوعة من حيث طابعها ومواضيعها واصفة التحولات التي شهدها القطاع بأنها «مبهرة.”

وتقول لExecutive إنها تنظر إلى السياحة بوصفها محركًا أساسيًا للاقتصاد وقطاعًا تنفتح فيه فرصة جديدة كلما أغلقت أخرى وأضافت قائلةً: «أرى أن قطاعنا نابض بالحياة فنحن متميزون”.

من العالمية إلى أدق التفاصيل

يمكن للأرقام أن تعكس بوضوح تجربة القطاع منذ بداية العام ٢٠٢٦. فمع إطلاق الصواريخ الأولى في حرب الربيع، تبخرت أعداد الوافدين بنسبة ٨٠ في المئة إذ تراجعت من ٢٠٥٠٠٠ زائر في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير إلى ٤١٣٠٠ زائر في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل. وبعد أربعة أشهر، أفادت وسائل الإعلام المحلية بارتفاع الأعداد اليومية التقريبية للوافدين بأكثر من ٥٠٠ في المئة في خلال أسابيع قليلة والتي كانت مدفوعة بهدنة هشة لكن يرتبط هذا الارتفاع بشكل أساسي بعودة ثقة المغتربين ورغبتهم في زيارة لبنان.

يشكل قطاع السياحة العالمي اليوم نحو عُشر الناتج المحلي الإجمالي العالمي كما يكتسب أهمية حيوية لا سيما بالنسبة إلى الدول الجزرية والدول الصغيرة. ويُعد لبنان بلدًا صغيرًا وحالة سياحية مميزة إذ إن ثقافة الضيافة فيه جعلته يستقبل الزوار منذ وقت أبكر من العديد من الوجهات الأخرى.

وامتدت ارتدادات أول صدمة شهدها قطاع السفر هذه السنة إلى مختلف أنحاء العالم. ولم تنجم هذه الصدمة الضخمة عن الحرب الأخيرة في لبنان بل عن النزاع المرتبط بإيران.

وفي هذا الإطار، يُطرح سؤالان إضافيان: ما تداعيات الاضطرابات التي شهدتها السياحة العالمية في العام ٢٠٢٦ على السوق اللبنانية الصغيرة التي تمثل اليوم نحو ٠,١ في المئة من حركة السياحة العالمية؟ وبالمعاكس، هل يمكن استخلاص استنتاجات أوسع، ليس على المستوى المحلي فحسب بل دوليًا أيضًا، من ضعف أداء السياحة اللبنانية في العام ٢٠٢٦، على الرغم من الأسباب الخارجية بالكامل والخارجة عن السيطرة المحلية؟

تداعيات عالمية خارجة عن المألوف؟

أثرت صدمة النزاع في الخليج في حركة السفر السياحي الدولية في خلال أواخر الربع الأول من العام ٢٠٢٦. ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة، واصل نشاط السياحة العالمي نموه في خلال ذلك الربع، إذ بلغ ٣٠٧ ملايين مسافر بزيادة سنوية قدرها نحو ١,٩٥ في المئة.

لكن أصبحت الصورة مع حلول منتصف العام أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق ولا سيما بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط إذ لا يمكن إنكار الآثار الممتدة للنزاعات في الخليج وفي منطقة المشرق بأكملها.

ويعني ذلك أن تأثير النزاع في الخليج في النشاط الاقتصادي المرتبط بالسياحة والسياحة شكل كارثة اقتصادية قائمة بذاتها على الرغم من ارتباطها بتداعيات النزاع في تجارة الطاقة وشحن البضائع عبر مضيق هرمز.

ونتيجة الاضطرابات، أشارت التوقعات مع حلول منتصف العام إلى أن اتجاهات النمو العالمي ستكون «أقل بما يتراوح بين نقطة ونقطتين مئويتين من توقعات النمو الأولية لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة التي تراوحت بين ٣ و٤ في المئة للعام ٢٠٢٦»، وفق المنظمة المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي عُرفت سابقًا باسم منظمة السياحة العالمية منذ العام ١٩٧٥ ثم باسم UNWTO منذ العام ٢٠٠٩.

وفي الوقت عينه، يروج مشغلون مرتبطون بالدول وآخرون من القطاع الخاص في منطقة الخليج لروايات تركز على إعادة بناء القدرات ووضع أهداف طموحة لإدارة الوجهات السياحية. ويبدو أن هذه الرسائل المطمئنة تُطرح في محاولة لمواجهة أرقام النصف الأول من السنة. علاوة على ذلك، قد تكتشف الوجهات السياحية في الخليج وفي المنطقة بأكملها، مع حلول نهاية العام، أن ما كان يحميها من اضطرابات حادة وربما مستمرة لم يكن سوى استعراض سياسي وتبادل متردد لسياسات الترغيب والضغط وهي اضطرابات لم يكن بالإمكان توقعها مع بداية العام ٢٠٢٦.

ويبدو هذا العائق أمام النمو أقل إثارة للقلق مقارنة بالصدمات السياحية السابقة التي شهدها القرن الحادي والعشرون وأبرزها الركود الكبير في العامين ٢٠٠٧ و٢٠٠٨ وجائحة كوفيد١٩ وما رافقها من ركود أشد قسوة. إلا أن صدمة النزاع الإقليمي الحالية تحيط بها باستمرار هزات جيو اقتصادية تشمل الحروب التجارية والأوهام المرتبطة بالهيمنة والضغوط الشعبوية وتلك المرتبطة بالهجرة داخل النظام الدولي.

ومع حلول الجزء الأخير من هذا الصيف، تراكمت صدمات إضافية أصغر حجمًا لم تُحلل بالكامل بعد، من بينها حوادث مرتبطة بالمناخ امتدت من ساحل كاليفورنيا إلى جبال الهيمالايا.

وتزامنت موجات الحر الشديدة في مختلف أنحاء النصف الشمالي من الكرة الأرضية مع أحداث محلية كان بعضها مروع وقد أثرت في السياح. وشملت مؤخرًا سيولًا مفاجئة في غراند كانيون وحرائق غابات أدت إلى إجلاء مصطافين في وسط فرنسا وفي وجهات تستقطب أعدادًا كبيرة من الزوار على الساحل الشمالي للبحر المتوسط بالإضافة إلى انهيار جليدي وفيضان أكثر تدميرًا أدى إلى مقتل عشرات السكان المحليين والحجاج والسياح الآخرين عند الحدود بين نيبال والصين.

Insert Sidebar

مواجهة القطاع الجديد تحديات الأمس واليوم

تُعد السياحة الدولية التي سجلت صعودًا لافتًا منذ العام ١٩٧٥ قوة اقتصادية أحدث عهدًا من الزراعة والصناعة والخدمات المالية وحتى الأتمتة وتكنولوجيا المعلومات إلا أنها لطالما بقيت عرضة للعوامل الخارجية. وفي السنوات الخمس الماضية، تكاثرت النقاشات حول أخطار السياحة في أعقاب جائحة العام ٢٠٢٠.

ومنذ العام ٢٠٢١، توالت التحذيرات من تحديات وشيكة ناجمة عن «الآثار الخارجية السلبية» إذ إن التعامل معها «يتطلب تقييم آثارها الحقيقية والتعويض عنها» بحسب ما ذكر خبير في التنمية تابع للأمم المتحدة ومسؤول سعودي في إدارة الوجهات في تعليق مشترك كُتب للمنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum في العام ٢٠٢٤. وأوصى الخبيران بأن تمتد استراتيجيات القطاعين العام والخاص للحد من أخطار السياحة من «التخطيط السياحي المستدام ومشاركة المجتمعات المحلية» إلى استثمارات ينبغي تمويلها من خلال «فرض ضرائب على الإيرادات المرتبطة بالسياحة وإعادة توجيهها نحو المجتمع المحلي.”

وأضاف بحث قامت به ونشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في العام ٢٠٢٥ مزيدًا من التفاصيل بشأن أهمية إدارة الوجهات وتحليل البيانات. وذكر البحث حاجة الوجهات إلى «خطط مصممة وفق احتياجاتها وتطلعية واستراتيجية لتطوير السياحة» وهو هدف يستدعي إنشاء منظمات لإدارة الوجهات Destination Management Organizations (DMOs).

واستنادًا إلى سلسلة طويلة من الأمثلة المستمدة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وشركائها، قدم البحث خمس توصيات تمثلت الأخيرة منها في جمع بيانات أكثر آنية وتفصيلًا حول سلوك الزوار وتبادلها و«الاستفادة من التقنيات الجديدة» مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

فالمنطق عينه للوفود المشاركة في الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة التي استضافتها المملكة العربية السعودية في العام ٢٠٢٥، إلى الاستنتاج بأن «قطاع السياحة العالمي يقف عند نقطة تحول» بالإضافة إلى وضع الذكاء الاصطناعي على رأس جدول أعمال القطاع الممتدة لسنوات عدة حتى العام ٢٠٣٠ وما بعد.

وشهدت الفعالية التي عقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي مشاركة وفود من ١٦٠ دولة من بينها وفد لبناني ترأسته وزيرة السياحة لورا خازن لحود. وأكدت الفعالية أن الذكاء الاصطناعي أصبح قضية محورية في قطاع السياحة العالمي إذ بات موجودًا في مختلف مجالاته ومساراته تقريبًا.

وأسفر تركيز الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة على الذكاء الاصطناعي عن مجموعة من النتائج. فبالإضافة إلى توصيات إعلان الرياض، ستكون «الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة» موضوع يوم السياحة الدولي المقبل في أواخر أيلول/ سبتمبر. كما سيكون الذكاء الاصطناعي، مع الانتقال إلى العام المقبل، أحد المواضيع الرئيسية لـ«العام ٢٠٢٧ للسياحة المستدامة والقادرة على الصمود»، وهي فعالية تُنظم مرة كل عشر سنوات وتهدف إلى تعزيز العلاقة الإيجابية بين السياحة والشمول الاقتصادي والإدارة البيئية والتماسك الاجتماعي.

ومع حلول منتصف العام، بدت دواعي الحذر بشأن نمو السياحة العالمية حتى العام ٢٠٣٠ أقل بروزًا من توقعات التوسع السريع إذ يتوقع المجلس العالمي للسفر والسياحة World Travel and Tourism Council نمو القطاع بوتيرة أسرع بمرة ونصف من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. مع ذلك، يفرض تغير المناخ وتقلب السلوك البشري والدور الذي يؤديه الأفراد في جعل الضيافة تجربة ممتعة بصورة متبادلة للمضيفين والزوار، اعتماد استراتيجيات تتجاوز الربح والإنتاجية.

وقد تطرح وجهات نظر مختلفة سؤالًا عما إذا كانت «نقطة التحول» التي سلط عليها الضوء إعلان الرياض الصادر عن الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة تشير في الواقع إلى تلاقي الأخطار المناخية والاجتماعية والاقتصادية وعما إذا كانت هذه الأخطار ستتفاقم مع اعتماد الدول التي ترتكز اقتصاداتها على السياحة والمشغلين العالميين في مجال السياحة بصورة متسارعة وربما مصيرية على وكلاء الذكاء الاصطناعي والأدوات السيبرانية.

لكن لا يوجد ما يضمن ألا تؤدي نقاط التحول المتراكمة حاليًا في سلوك المسافرين بغرض الترفيه ومضيفيهم إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة لتعزيز الإنتاجية إلى عبء إضافي قد يدفع قطاع السياحة إلى تجاوز قدرته على الاحتمال.

إعادة تقييم السياحة في الاقتصاد الوطني

وفق بيانات من مصادر رسمية لبنانية جرى الاستناد إليها في بداية آب/ أغسطس، تراجعت السياحة الوافدة إلى لبنان بأكثر من ٤٠ في المئة على أساس سنوي في خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة وبأكثر من ٣٠ في المئة في خلال النصف الأول.

كما تراجع عدد الوافدين خلال سبعة أشهر بنسبة ٣٠,٣ في المئة على أساس سنوي. وبقي عدد الوافدين في تموز/ يوليو ٢٠٢٦ أقل بنسبة ٧,٩ في المئة إذ بلغ ٤٣٦٦٠٠ مسافر مقارنة بالشهر عينه من العام ٢٠٢٥.

وفي خلال الأشهر السبعة الأولى، بلغ إجمالي حركة المسافرين في مطار رفيق الحريري الدولي الذي لا يزال المطار التجاري الوحيد العامل في لبنان ٢,٧٥ مليون مسافر أي شهد انخفاض يقدر ب ٢٧,٥ في المئة مقارنة بالفترة الممتدة من شهر كانون الثاني/ يناير إلى شهر تموز/ يوليو من السنة السابقة.

وتذبذبت مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي اللبناني بصورة حادة على مدى العقدين الماضيين إذ تشير التقديرات في سنوات الذروة إلى أنها تجاوزت ٢٠ في المئة، ما جعل لبنان، وفق هذا المقياس، البلد العربي الأكثر اعتمادًا على السياحة.

لكن التقديرات في سنوات أخرى أشارت إلى مساهمة أقل بكثير في الناتج المحلي الإجمالي والتي لم تتجاوز نسبة 9 في المئة. وبالتالي، قد يشكل النصف الأول من العام ٢٠٢٦، بالنسبة إلى المشككين في الجدوى الطويلة الأجل للنموذج السياحي اللبناني الموسمي والقائم على المغتربين منذ عقود، إنذار شاملًا يؤكد أن أخطار السياحة المحلية لا تقتصر على المشاكل الداخلية مثل الازدحام الموسمي وأخطار الحرب الخارجية الدائمة الحضور.

بل قد يضطر المشغلون المحليون أيضًا إلى احتساب عوامل مشكلة عالمية، تمتد من فرط السياحة إلى الأخطار المناخية بالإضافة إلى الاستعداد لصدمات غير متوقعة بالكامل قد ترتبط بالأتمتة في قطاع السياحة الدولي أو بصدمة لا تدخل اليوم أصلًا في أي سيناريو للأخطار.

سيناريو 2026 القاتم

بصرف النظر عن التوازن الفعلي للأخطار مع حلول نهاية العام ٢٠٢٦، تبدو أحدث التوقعات للعام بأكمله بالنسبة إلى الاقتصاد اللبناني أسوأ بدرجة يصعب تصورها من التقديرات الخاصة بالنصف الأول ولا سيما في ما يتعلق بالأداء السيئ للسياحة.

ويتناول إصدار آب/ أغسطس ٢٠٢٦ من تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان» Lebanon Economic Monitor (LEM) الصادر عن البنك الدولي World Bank عنوانًا قاتمًا هو «اقتصاد تمزقه النزاعات». ويسلط هذا العدد نصف السنوي الضوء على السياحة بوصفها عاملًا رئيسًا في الخسائر الاقتصادية الناجمة عن النزاع المسلح. وتقدر النماذج خسارة الإيرادات المتأتية من تدفقات السياحة الوافدة خلال العام بأكمله بما يشمل إيرادات السفر وإنفاق الزوار محليًا، بنحو ٣ مليارات دولار أو أكثر. ويشير معدو التقرير إلى أن هذه التقديرات تراعي أيضًا احتمال وجود خسائر إضافية غير محددة في الإيرادات بسبب احتمال تصنيف جزء من إنفاق السياح المغتربين خطأ ضمن إنفاق «المقيمين» بالإضافة إلى انتشار استخدام النقد في الاقتصاد السياحي غير الرسمي.

وتتناقض هذه الصورة الاقتصادية الجديدة بحدة مع تقرير المرصد الاقتصادي للبنان الخاص بشتاء العام ٢٠٢٥، الذي حمل عنوان «انتعاش هش»، إذ ذكر أن «التحويلات المالية والسياحة» ستبقيان المحركين الأساسيين للنمو لكنه حذر في الوقت عينه من أن «محركات النمو الحيوية» هذه تواجه أخطارًا تشمل عدم الاستقرار الإقليمي وتأخر الإصلاحات.

ولا يفترض البنك الدولي في توقعاته الصادرة في منتصف العام دخول وقف شامل لإطلاق النار حيز التنفيذ مع حلول نهاية السنة. ويفسر هذا التشاؤم إزاء احتمال استمرار النزاعات في مناطق جنوب لبنان توقع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة ٦,٤ في المئة، بالإضافة إلى توقعه القاتم بأن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد «أقل بـ١٠,٤ نقاط مئوية مقارنة بسيناريو افتراضي من دون نزاع». وعمليًا، بدلًا من تحقيق نمو بنسبة ٤ في المئة كان البنك الدولي قد توقعه للعام ٢٠٢٦، يُنتظر أن يكون انكماش هذه السنة أشد من ذلك الذي سُجل في العام ٢٠٢٤.

وتتعلق ملاحظة جانبية حول محدودية عروض السفر إلى بيروت وافتقارها إلى التنوع بمسألتين هما خطط تطوير الطاقة الاستيعابية للمطار وتمثيل شركات الطيران الدولية في لبنان من جهة وتركيز الرحلات المتاحة ومقاعد الطائرات لدى عدد محدود من الجهات من جهة أخرى.
وفي ما يتعلق بالنقطة الثانية، نقلت الشركة الوطنية شركة طيران الشرق الأوسط Middle East Airlines (MEA) أكثر من ٤٥ في المئة من المسافرين الوافدين وأكثر من ٤٩ في المئة من المسافرين المغادرين في خلال الأشهر السبعة الأولى من العام ٢٠٢٦ بانخفاض بالكاد بلغ نقطة مئوية واحدة مقارنة بالفترة عينها من العام ٢٠٢٥. ولا تُعد هذه الهيمنة أمرًا غير مألوف، إذ تستحوذ شركة الطيران الوطنية الرئيسة وشركاتها المنخفضة التكلفة في دول مثل الإمارات وفرنسا وألمانيا وتركيا، عادة على ما يتراوح بين ٥٠ و٨٠ في المئة من حركة الطائرات وأحجام المسافرين في المطار الرئيسي.أما ما يثير القلق في الحالة اللبنانية فهو السرعة التي تخلت بها شركات الطيران الدولية عن بيروت عند اندلاع النزاع في العام ٢٠٢٤ ثم مجددًا في العام ٢٠٢٦ حتى أنها عادة ربط المطار بالشبكات العالمية ببطءٍ. وتبدو الفجوات والاختناقات الناتجة في الخدمات التجارية أسهل في إدارتها بالنسبة إلى طيران الإمارات Emirates والخطوط الجوية الفرنسية Air France ولوفتهانزا Lufthansa والخطوط الجوية التركية Turkish Airlines مقارنة بطيران الشرق الأوسط فيما لا تبدو آفاق القدرة على تحمل كلفة الرحلات وتنوع الروابط الدولية لبيروت على المديين المتوسط والطويل مشجعة.
ويضيف تحدي الطيران الآخر المتمثل في توسيع الطاقة الاستيعابية وتنويعها مزيدًا من التعقيد وعدم اليقين. فقد أشار بعض العاملين في قطاع السياحة المحلي الذين تحدثت إليهم Executiveإلى وعود سياسية أمريكية بفتح الأجواء أمام رحلات مباشرة بين بيروت وأمريكا الشمالية.
لكن أشار العديد من المعنيين في السياحة في لبنان إلى أن آفاق مطار رينيه معوض، الذي لا يزال قيد التطوير في شمال البلاد، على المديين القريب والمتوسط تتجه أكثر نحو العمليات المتخصصة والطيران الخاص بدلًا من استقطاب حضور أوسع لشركات الطيران منخفضة التكلفة أو العلامات التجارية المعروفة. أما جهود التوسع في مطار رفيق الحريري الدولي الرئيسي في بيروت فتتكرر منذ سنوات وغالبًا ما تأخرت مشاريع زيادة الطاقة الاستيعابية فيه عن النمو المتوقع للطلب.
وعلى الرغم من أن الحديث عن إطلاق طيران الشرق الأوسط وحدة منخفضة التكلفة وتطوير خط عبر شمال الأطلسي إلى الولايات المتحدة أثار حماسة المعنيين في القطاع فإن أيًا من المبادرتين لن يجعل لبنان تلقائيًا وجهة أكثر قدرة على المنافسة. كما لا تخدم أي شركة طيران أميركية حاليًا مطارات منافسة في شرق المتوسط مثل تونس والقاهرة وعمان وبغداد ودمشق.

هل من حدود سواء في الاقتصادات؟

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُبحث على نطاق واسع الحجم الكامل لتداعيات ذلك النزاع غير المتوقع على قطاع السياحة عالميًا وإقليميًا نظرًا إلى أن آثار الربع الثاني لم تُجمع بعد في العديد من الأسواق والوجهات.

وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط ككل، التي تضم ١٣ دولة وفق خريطة منظمة الأمم المتحدة للسياحة، تراجعت أعداد السياح بنسبة ١٤ في المئة في خلال الربع الأول. وعلى سبيل المثال، اضطر مطار دبي الدولي Dubai International (DXB)، وهو أكثر مطارات المنطقة العربية ازدحامًا، إلى الإعلان عن انكماش في حجم المسافرين بنسبة ٣١,٣ في المئة خلال النصف الأول من العام ٢٠٢٦ مقارنة بالأشهر الستة الأولى من العام ٢٠٢٥.

ولا يبدو أن جميع اقتصادات المنطقة تتعامل بالطريقة نفسها مع مستقبل قطاعاتها السياحية. فقد عزز لاعبون اقتصاديون إقليميون كبار مثل تركيا والسعودية بالإضافة إلى دول متوسطية أصغر مثل مالطا وقبرص استراتيجياتهم في أعقاب جائحة كوفيد ١٩ أو وضعوا استراتيجيات سياحية جديدة بالكامل في خلال السنوات الأخيرة. وتسعى السعودية بقوة إلى تحقيق هدف يتمثل في رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى نسبة من خانتين وقد تكون المملكة أبرز الوافدين الجدد والمفاجئين إلى سوق السياحة من المنطقة العربية، بعدما رفعت القطاع إلى مستوى أولوية استراتيجية في إطار «رؤية ٢٠٣٠.”

وبالتالي، يبدو أن ما امتلكته دبي ووجهات خليجية أخرى في التعامل مع أزمة النزاع الأخيرة في الخليج وتداعياتها على السياحة وافتقر إليه لبنان بصورة واضحة هو الميزانية والإرادة والاستراتيجية متعددة القنوات للتواصل التسويقي العالمي. فقد أغرقت شركات الطيران الخليجية القوائم البريدية الخاصة بوسائل الإعلام والصحافيين برسائل تعلن توسعات جديدة في شبكاتها ووجهات جديدة مخططًا لها بالتوازي مع تنفيذ حملات تسويقية وجهود للحد من أخطار السمعة.

وشهد لبنان أيضًا انتعاشًا في نشاط قطاع السياحة هذا الصيف احتُفي به محليًا إلا أن جهود إدارة الأخطار السياحية أو الترويج للبنان كوجهة تبدو في أفضل الأحوال، خجولة مقارنة بنظرائه العرب. وأظهرت مراجعات سريعة لمواقع الوزارات اللبنانية منذ بداية شهر حزيران/ يونيو تفاوتًا بين غياب الأخبار بالكامل ونشر أخبار وبيانات صحافية بصورة متقطعة. وعرضت بعض الوزارات إعلاناتها لكنها مالت إلى تفضيل الأخبار التي تتمحور حول الأشخاص من نوع «قال الوزير» و«اجتمع الوزير». أما وزارات أخرى تقدم خدمات ومعلومات ذات صلة بالزوار الأجانب فلم تعرض أي أخبار على الإطلاق.

أما وزارة السياحة التي يبدو أن أبرز إنجاز ترويجي تتباهى به يتمثل في مشاركتها في إطلاق تطبيق مخصص للسياحة في لبنان في العام ٢٠٢٥، فظلت تعرض الوعد عينه أي أن «قسم الأخبار والتعاميم سيصبح متاحًا قريبًا»، في شهر حزيران/ يونيو كما في شهر آب/ أغسطس، فيما استمرت صفحة الفعاليات لديها في عرض جدول «مستقبلي» يعود إلى شهر آب/ أغسطس من العام ٢٠٢٤.

ويدرك العاملون في قطاع السياحة الذين قابلتهم Executive جيدًا أن عمليات البحث التي يجريها الزوار المحتملون للبنان ستقابل في الغالب بنتائج غير مشجعة. ومع تزايد اعتماد المسافرين على البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيطّلع كثيرون أولًا على التحذيرات الأمنية وإرشادات السفر بمجرد كتابة كلمة «لبنان». وبصرف النظر عن مدى صعوبة الواقع الاقتصادي اللبناني الإجمالي الذي سيظهر في نهاية السنة لا يمكن إنكار الثقل الكبير الذي تمثله إيرادات السياحة المفقودة.

الرؤية الاستراتيجية للسنوات المقبلة؟

فمن منظور يمتد لسنوات عدة، تعيد أرقام العام ٢٠٢٦ التأكيد على هشاشة قطاع الضيافة وضعفه على الرغم من أنه يشكل في الوقت عينه محركًا أساسيًا للناتج المحلي الإجمالي السنوي ومصدرًا عميقًا لعدم اليقين. وعلى الرغم من أهمية إيرادات السياحة للاقتصاد الوطني، اعتمدت وزارة السياحة تقليديًا على دعم إعلاني مجاني لإنتاج الحملات التسويقية ونشرها. كما يتذكر العاملون في القطاع جلسات للابتكار والتدريب ممولة من جهات مانحة ورعتها منظمة الأمم المتحدة للسياحة في مراحل مختلفة.

وتنبع هذه المخاوف من نمط واضح تظهره بيانات السنوات الـ١٥ الماضية، إذ أصبحت التقلبات الموسمية والشهرية الحادة سمة شبه دائمة في قطاع السياحة اللبناني. وفيما تركز الأخبار الأخيرة على إعادة بناء الفنادق المتضررة من الاضطرابات المحلية أو انفجار مرفأ بيروت في العام ٢٠٢٠، لا تظهر أحدث البيانات المتاحة، بما فيها بيانات المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان Investment Development Authority of Lebanon (IDAL)، وجود مشاريع فندقية جديدة كبرى أو تقدم في معالجة أوجه القصور الهيكلية في القطاع.

ويتحدث خبير الضيافة اللبناني آلان شهاب من منظور مزدوج، بصفته مستشارًا مستقلًا في قطاع الضيافة ومديرًا مسؤولًا عن قسم خدمات الطعام في مجموعة عائلية معروفة تعمل في الضيافة والمطاعم.

ويرى شهاب أن تحديات القطاع المحلي ترتبط بثقافة الفردية ومحاولة ممارسة الأعمال اعتمادًا على اجتهاد الفرد ووسائله الخاصة. ونظرًا إلى ضعف الشعور بالانتماء المشترك في مختلف أنحاء قطاع الضيافة، يقول إنه يريد «أن يشعر قطاع الضيافة بأننا جميعًا نعمل تحت مظلة واستراتيجية واحدة ونتشارك الأهداف نفسها». وبالنسبة إليه، يعني ذلك أن تقدم السلطات العامة ووزير السياحة رؤية استراتيجية لرواد الأعمال السياحيين المحليين وأن «تمنحهم مساحة للابتكار ضمن استراتيجية موحدة.”

وعلى المستوى الاستراتيجي يجب معالجة مسألة تطوير السياحة بما في ذلك دور الذكاء الاصطناعي ودمجه في القطاع. وعندما ينتقل النقاش إلى قضايا الذكاء الاصطناعي، يعبر العاملون في السياحة الذين استشارتهم Executive عن آراء متقاربة بشأن فائدة الأدوات السيبرانية. لكنهم يبدون أقل اقتناعًا بكثير بإمكان تحول الذكاء الاصطناعي إلى حل شامل لمشكلات السياحة المحلية أو حتى اقترابه من أداء هذا الدور.

ويقول شهاب: «أنا مهتم جدًا بحوكمة الشركات العائلية في قطاع الضيافة وهي مسألة بالغة التعقيد»، مشيرًا إلى عدد من نقاط الضعف الهيكلية التي قد لا تساعد على الإصلاح والابتكار بما في ذلك اعتماد الذكاء الاصطناعي.

وبالاستناد إلى ثقافة الإدارة السائدة في العديد من المشاريع السياحية العائلية، يلاحظ شهاب أن بعضها يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه حجة تسويقية أكثر منه أداة رؤيوية لا غنى عنها.

ويوافق كذلك على أن مجموعات الضيافة العائلية تواجه تضاربًا في المصالح عندما تصل مسألة الذكاء الاصطناعي إلى شغل مناصب إدارية ربما كان رب العائلة يديرها سابقًا بأدق تفاصيلها. من جهتها، تسلط دموس سلامة الضوء على القيمة التي استطاعت تحقيقها باستخدام الذكاء الاصطناعي في دورها الإداري، لكنها تضيف أنها التقت عاملين في السياحة بدوا أقل حماسة مما كانت تتوقع للاستفادة من فرص التدريب المجانية المتاحة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وسُجلت اتجاهات سلوكية مشابهة في استطلاعات أعمال عالمية إذ تبين أن إدخال الذكاء الاصطناعي في عمليات الشركات يجب أن يكون محددًا جدًا وواضح المعالم، فيما واجه الاستخدام الاستراتيجي التعاوني للأدوات السيبرانية ومشاركة البيانات على مستوى المؤسسة بأكملها تحفظات وعوائق مرتبطة بالثقة.

حتى إعلان الرياض، الذي وضع فرص تحسين السياحة عبر الذكاء الاصطناعي وعمليات استخدامه في صلب اهتمامه، حذر من أن التقدم التكنولوجي ينطوي أيضًا على خطر تعميق أوجه عدم المساواة بين الدول والوجهات.

ولا يمنع ذلك المبالغة في الترويج لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع السياحي. فعندما أعلنت المملكة العربية السعودية في حزيران/ يونيو إطلاق «رؤية الذكاء الاصطناعي للسياحة»، أعادت الرسالة الشاملة عن «استراتيجية وطنية مصممة لتحويل كل مرحلة من مراحل الرحلة السياحية عبر الذكاء الاصطناعي» إلى الأذهان الوعود المستخدمة في التسويق التجاري التي أصبحت معروفة بالمبالغات ونقاط العمى.

وترى دموس سلامة أن الذكاء الاصطناعي سيشكل عنصرًا لا مفر منه في عملية التغيير داخل القطاع، لكنها تشدد على ضرورة عدم إغفال حقيقة أن السياحة قطاع يقوم في جوهره على البشر. أما بالنسبة إلى جهود القطاع الخاص لتطوير السياحة، فتقر بالحاجة إلى العمل المنسق. وتقول: «من المرجح أن يجعل الذكاء الاصطناعي الأعمال أكثر إنتاجية وكفاءة، لأنه سيؤثر في كل ما يمكن أتمتته أو توليده أو تسهيله باستخدام الذكاء الاصطناعي. وبالتالي، سيخفض التكاليف وسيضاعف تأثير قطاعنا القائم على العنصر البشري في المقابل. ونحن، بصفتنا شبكة للقطاع الخاص سنولي ذلك أهمية أكبر.”

ومن حيث المبدأ، لا يثار أي شك حول فائدة الذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاجية والسيطرة على العمليات التجارية، لكن سؤالًا كبيرًا يبقى مطروحًا حول كفاءته الحقيقية من حيث التكلفة. وفي السياق اللبناني تحديدًا، حيث يضم القطاع السياحي عددًا كبيرًا من المشغلين العائليين والمؤسسات الصغيرة والصغيرة جدًا، تبرز أسئلة أساسية مرتبطة بالأولويات السياسية والسياسات والموارد البشرية والإصلاحات الهيكلية في الإدارات العامة وحجم البنية التحتية التقليدية والرقمية وقدراتها والتمويل اللازم لكل ذلك. كما تبرز أسئلة إضافية ترتبط بالعوامل الثقافية وبالتفاوت الزمني في تبني الذكاء الاصطناعي بين الأفراد والمؤسسات الصغيرة والمنظمات العائلية والهيئات العامة والوزارات.

وعمليًا، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يُنظر إليه على الإطلاق بوصفه حلًا شاملًا. ويقول رائد الأعمال في قطاع الضيافة موريس سرسق: «لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيحدث فرقًا كبيرًا على المدى القصير، لكنني متأكد من أنه سيساعد القطاع ويمكن أن يساهم في الترويج للبنان كوجهة.”

ويحذر قائلًا: «في رأيي، نحن لا نفكر فعلًا على المدى الطويل. فنحن نحاول الحفاظ على الاستدامة والربحية في الوقت نفسه، لأننا نعيش حربًا متواصلة منذ سنتين أو ثلاث سنوات. لكننا نحتاج أيضًا إلى الاستثمار في البحث والتطوير وتطوير منتجاتنا، لأننا لا نستطيع البقاء حيث نحن. علينا أن نستثمر في أنفسنا.”

وبالاستناد إلى التقلبات في احتياجات مؤسسته من الموظفين في أعقاب الحربين الأخيرتين، يوضح سرسق: «لن نخفض فعلًا العدد الحالي للموظفين. لكننا لن نضطر إلى توظيف مزيد من المديرين عندما يتوسع حجم أعمالنا. هذه هي المعادلة».

ويظهر أداء القطاع على المدى الطويل أن العام ٢٠٢٥، الذي سجل نموًا مقارنة بالعام ٢٠٢٤، شهد أعدادًا من الزوار تراوحت بين ١,٦ و١,٧ مليون زائر. ويشبه عدد السياح الوافدين هذا العدد المسجل في العام ٢٠٠٥، مع فارق أن منتصف العقد الأول من القرن الحالي كان فترة تتسم بطموح منطقي لتطوير القطاع في ظل هدوء إقليمي، مع أهداف متوسطة الأجل لزيادة تدفقات الزوار وتحويلها إلى حركة مستمرة طوال السنة وأكثر تنوعًا ومواصلة نموها مدة لا تقل عن عقد والوصول إلى عشرات الملايين من الوافدين.

في المقابل، اتسم واقع السياحة اللبنانية بالتقلبات والتذبذب، ما أدى فعليًا إلى خفض حصة البلاد في سوق السياحة العالمية إلى النصف، من ٠,٢ في المئة إلى ٠,١ في المئة، إذ بقيت أعداد الوافدين محدودة وتعرضت عمليات بناء القدرات للاضطراب بصورة متكررة، فيما تضاعف العدد العالمي للرحلات الترفيهية السنوية من ٨٠٠ مليون في العام ٢٠٠٥ إلى ١,٦ مليار في العام ٢٠٢٥.

ويستند المستشار آلان شهاب إلى تجربته الشخصية في التعامل مع أفراد ومؤسسات للتأكيد أن التغيير العقلاني في السلوك لا يمكن اعتباره أمرًا مضمونًا. كما يعرب عن شكوكه في تغير بعض السلوكيات، مثل ميل اللبنانيين إلى الالتفاف على القواعد والتحايل على النظام، إذا تطلبت استراتيجية سياحية مدعومة بالذكاء الاصطناعي الانتقال نحو قدر أكبر من التنظيم الاقتصادي الرسمي.

ويشير كذلك إلى ثقافات الخضوع المتجذرة محليًا وإلى التفاوت الاقتصادي الكبير بوصفهما من ركائز الواقع الاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من استمرار رسوخ هذه الأنماط السلوكية القديمة، يعتقد شهاب أن المهنيين المتعلمين والواعين والمنفتحين عالميًا سيرفضون مثل هذه الثقافة القابلة للفساد. ونتيجة لذلك، تصبح الحاجة ملحة إلى إرساء قاعدة للمساءلة وثقافة تكرسها القوانين والأنظمة. ويقول شهاب: «ربما تكون هذه هي القضية الأساسية. يمكنك وضع الأنظمة وإشارات المرور على الطرق وتنفيذ كل شيء، لكن من سيراقب تطبيق كل ذلك؟».

هل لبنان وجهة المستقبل؟

وفق بعض الصفحات غير الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لوزارة السياحة اللبنانية، عُقد في بيروت لقاء تناول فرص السياحة بحضور الأمينة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للسياحة الشيخة النويس ووزيرة السياحة لورا لحود. وأشارت بعض التقارير، مع ذلك، إلى توقيع مذكرة تفاهم لبناء قدرات البلاد في مجال منظمات إدارة الوجهات السياحية Destination Management Organizations (DMOs).

وتعرّف منظمة الأمم المتحدة للسياحة إدارة الوجهات بأنها «الإدارة المنسقة لجميع العناصر التي تشكل الوجهة السياحية.”

ويتفق عضوا شبكة القطاع الخاص اللبناني جومانا دموس سلامة وموريس سرسق على حاجة قطاع الضيافة إلى استراتيجية سياحية شاملة ترتكز على مشاركة القطاع العام واستثماراته. كما يؤكدان تفاعل الشبكة مع وزارة السياحة واستمرار الجهود والمشاريع المتعلقة بأدوات الذكاء الاصطناعي التي ستتاح لزوار لبنان.

ويعني ذلك أنه لا يوجد ما يدعو إلى توقع تراجع السياحة عن موقعه كنشاط اقتصادي رئيسي. وفي الوقت عينه، ستواصل العلاقات السياحية بين مجتمعات المنشأ والوجهات تغيرها. أما في لبنان، وعلى الرغم من قدرة قطاع الضيافة المثبتة على الصمود والانتعاش السريع، فلا توثق العقود الماضية نموًا مستدامًا أو مجديًا اقتصاديًا لحصة البلاد في سوق السياحة العالمية في الوقت الراهن، ولا يبدو أنها ست ذلك في خلال السنوات المقبلة.

You may also like