Home الاقتصاد والسياسةهل تُدرّ الحرب أرباحًا؟

هل تُدرّ الحرب أرباحًا؟
ARFREN

سؤالٌ مباشر وإجابةٌ شبه مستحيلة

by Thomas Schellen

تطرح هذه النظرة التحليلية سؤالًا يبدو للوهلة الأولى بسيطًا وهو سؤالٌ اقتصادي إذ تسعى بحماسة إلى تجنّب الانجرار وراء دعاية أيّ طرف في أحدث نزاعٍ مسلح عربي إسرائيلي منذ العام ١٩٤٨، فهل تُدرّ الحرب، بمعنى الصراع المسلح بين دول أو بين دولة وفاعلين شبه دولتيين، أرباحًا في القرن الحادي والعشرين على المدى القصير والمتوسط والطويل؟

يبدو السؤال بسيطًا بل قاسيًا أيضًا إذ تعجز حتى أفضل وأدقّ كشوفات الحسابات الاقتصادية لأيّ نزاع عن التقاط الثمن الإنساني لضحـيةٍ واحدةٍ سقطت عرضًا أو لطفل قُتل أو لأب أو لأم أو لمسنٍ بلغ التسعين وما فوق ثم تحويل ذلك إلى بيانات قابلة للقياس. وعلى الرغم من ضيق نطاق الموضوع ظاهريًا يكشف الغوص تحت سطح السؤال وفحص النزاع العربي الإسرائيلي السابع من منظور الآثار الطويلة الأمد مسعى بالغ التعقيد.

يعني ذلك أنّه يكاد يستحيل إعداد حسابٍ شاملٍ للأرباح والخسائر في النزاع الذي استدرج إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومصر في اليوم الرهيب من ٧ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ ثم انفجر إلى أهوال لا تُحصى على امتداد العامين التاليين وصولًا إلى ما قيل إنه انبثاقٌ لحسن النوايا في “إعلان غزة” في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٥ ثم مصادقة مجلس الأمن الدولي عليه في قراره رقم ٢٨٠٣ في ١٧ تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام.

تتبدّى العقبة الأولى أمام هذا النوع من الحسابات في أنّ البيانات ليست غير مكتملة فحسب بل ما زالت متحركة وغير مستقرة. وبينما تراجع سيل الاعتداءات والفظائع في الأشهر الأخيرة ما زال الدمار وانتهاك الحياة الإنسانية والصحة والكرامة يُرتكَب بحق أفرادٍ وعائلات وما زال قائمًا حتى لحظة كتابة هذه السطور.

تظهر العقبة الثانية المرتبطة بإعداد حصيلةٍ كاملة لآثار النزاع في تعمّد حجب البيانات. فلم تكشف عدة حكوماتٍ وبعض الفاعلين غير الدولتيين المشاركين عن الحجم الحقيقي للدمار المادي والأضرار التي أُلحقَت بهم. وفوق ذلك تُدار النفقات العسكرية لدى جميع الأطراف بسرّيةٍ جزئية على الأقل وتبقى غير مُعلنة في مجالات مثل حرب المعلومات والتلاعب بالرأي العام العالمي عبر الإنترنت والاعتداء السيبراني والدفاع عنه والدعاية التقليدية.

يزيد ذلك أنّ عدم اليقين يطغى على التوقعات الحقيقية وعلى أسئلة التداعيات الاقتصادية المستقبلية بل حتى على احتمالات صعودٍ ناجمة عن ارتفاع الطلب في الأسواق الدولية على أنظمة أسلحة “ناجحة” وذلك انطلاقًا من أحكامٍ قانونية وردود فعلٍ تمس السمعة وتثير سخطًا شعبيًا. ويؤثر هذا عدم اليقين في تقدير كلفة سلوكيات الأطراف في هذا النزاع على إسرائيل أكثر من الكيانات السياسية الأخرى قيد البحث.

يُعدّ عامل الأثر الإنساني الشامل الذي لا تنفع معه أساطير إقصائية ولا سرديات زائفة متلبسة بلبوس العلم هشاشتنا أمام الصدمة النفسية والكرب مع أضرارٍ مرجحة وطويلة الأمد ومكلفة تمتد من الفرد إلى المجتمع العالمي. ويبقى السؤال حول كيفية استعادة الإنتاجية والقدرة على العيش بسلام لدى من تعرّضوا لإصاباتٍ غيّرت حياتهم وربما أُصيبوا على نحوٍ أشد بمشكلاتٍ تتراوح بين صعوبة ضبط الغضب وحمل مخاوف دائمة وندوبٍ نفسية ليس سؤالًا تملك دراسات الحروب في القرون البعيدة أو القريبة إجابات جاهزة عنه.

تستحيل الإجابة التنبؤية عن أسئلةٍ جوهرية تتعلق باقتصاد الحرب وإعادة الإعمار بعد النزاع وكلفة الفرصة البديلة للحرب أي عدم تخصيص الأموال لتنمية التجارة ودمج سلاسل الإمداد وسلاسل الإنتاج والجهود المشتركة للتخفيف من المخاطر الخارجية أو لقطاعات خدمات استراتيجية مجاورة من السياحة إلى الثقافة بما يحقق عائدًا جيدًا على الاستثمار.

في إطار نظرية الألعاب الحديثة اعتاد العالم تقييم السلوكيات الاقتصادية والاجتماعية وفق مآلات من نوع رابح خاسر ورابح رابح ورابح رابح رابح وخاسر خاسر. وتتعارض سيناريوهات رابح خاسر، أي المحصلة الصفرية، مع الميل الإنساني إلى الإيثار المتبادل وبناء تحالفات اقتصادية ذات منافع مشتركة. وبناءً عليه يفضّل الأفراد المنتجون بل وحتى الدول أنظمةً تسهّل النمو كما حدث في الثلاثين عامًا التي تلت الحرب العالمية الثانية أو في العشرين عامًا من “الاعتدال الكبير” في نهاية القرن العشرين.

غير أنّ الأنظمة والنماذج التي تطورت خلال تلك الفترات، بما فيها النماذج الاقتصادية القائمة لدى المؤسسات المالية الدولية الرائدة ذات إرث بريتون وودز، لم تُبنَ بمنظار نزاعٍ مسلحٍ عالمي. وباستثناء حروب التجارة والمواجهات التجارية بين الدول وداخلها لا تبدو تلك النماذج مهيأة مفاهيميًا لتقييم آثار النزاعات المسلحة بين الدول أو لقلب الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للحرب ضمن سياقٍ جغرافي. وبذلك تتراجع جدوى استشارة “حكمة” مؤسسة مالية دولية لفهم الكلفة الحقيقية للاشتعال الراهن في الشرق الأوسط.

BOX

دينامكيات اقتصادية إقليمية غير واضحة
للأسف لا تنعكس الخبرات الطويلة والمكثفة للصراعات لدى جميع الكيانات السياسية في المنطقة وفي مقدمتها سوريا وفلسطين ولبنان وكذلك مصر والأردن وإسرائيل على نحوٍ جيد وربما لا تنعكس أصلًا في المصدر العالمي الأبرز للبيانات الاقتصادية والآراء أي مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

تغطّي أحدث “توقعات الاقتصاد الإقليمي” لصندوق النقد الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وباكستان والقوقاز وآسيا الوسطى (MENAP CCA) أربعًا فقط من الكيانات السياسية التي تتابعها مجلة Executive كما يغطيها تغطية جزئية وبأوصافٍ متقطعة. ويبدأ هذا الانقسام من التعريفات. فمن حيث تجميعات البلدان يُدرج الصندوق مصر والأردن ولبنان وسوريا (بوصفها “الجمهورية العربية السورية”) ضمن الفئة الفرعية لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أمّا ما يسميه معظم العالم اليوم فلسطين فيسميه الصندوق “الضفة الغربية وغزة” ويختصره بـ WBG. وفي المقابل لا يتناول “التوقعات الإقليمية” لإسرائيل أصلًا.

ومن حيث التجميعات التحليلية تُصنَّف مصر والأردن ولبنان وWBG على أنها اقتصادات ناشئة ومتوسطة الدخل تستورد النفط. أمّا سوريا فتُدرج بوصفها بلدًا منخفض الدخل يستورد النفط. ويُشار أيضًا إلى لبنان وسوريا وWBG بوصفها دولًا هشّة ومتأثرة بالنزاعات. وللحصول على معلوماتٍ عن إسرائيل يلزم الرجوع إلى منشورٍ آخر للصندوق وهو “آفاق الاقتصاد العالمي” حيث تظهر الدولة التي تعلن نفسها يهودية وديمقراطية ضمن فئة “الاقتصادات المتقدمة الأخرى”، وهي ١٧ ولاية قضائية لا تنتمي إلى مجموعة السبع ولا إلى منطقة اليورو وبينها إسرائيل البلد الوحيد الواقع في الشرق الأوسط.

وبعيدًا عن هذه التمييزات اللافتة التي تتحدى الحقائق الجغرافية والاجتماعية التاريخية تبقى بيانات العناوين المسجّلة والمقدّرة والمتوقعة بشأن الكيانات السياسية الستة واقتصاداتها ناقصة وغير حاسمة. ويمكن العثور على بيانات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإسرائيل في ٢٠٢٤ و٢٠٢٥ و٢٠٢٦ في “آفاق الاقتصاد العالمي” ولكن ليس في “التوقعات الإقليمية” وفق منطق الصندوق. وتتوفر مجموعات بيانات الأردن ومصر للسنوات الثلاث نفسها. غير أنّ مصائر الاقتصاد السوري لا تنعكس في بيانات نمو الناتج المحلي الإجمالي، كما تُعرض هذه البيانات للبنان وWBG لسنة ٢٠٢٤ فقط. ويترك ذلك فراغًا من ٣ نقاط بيانات لسوريا ونقطتين لكل من لبنان وWBG أي ٧ نقاط من أصل ١٨ نقطة مع تنبيه إضافي يتمثل في أنّ البيانات الاستشرافية غير مؤكدة.

لا يسهل البحث في ترابطات الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والتأثيرات المتبادلة وفجوات التجارة الإقليمية والتكامل أو في اختلاف آثار النزاع المسلح على اقتصاداتٍ مجمّعة بطرقٍ مختلفة تحت عدسة الصندوق. وعلى نحوٍ يناقض خبرة المنطقة الثقيلة من النزاعات بين ٢٠٢٣ و٢٠٢٥ يفترض “التوقع الإقليمي” لصندوق النقد أنّ الأداء الاقتصادي للمنطقة كان “متينًا عمومًا في ٢٠٢٥” كما يفتتح فصله الأول من فصلين بالتأكيد مجددًا أنّ اقتصادات المنطقة “أظهرت قدرة على الصمود حتى الآن في ٢٠٢٥” رغم عدم اليقين العالمي والتوترات التي شملت نزاعًا “قصير الأمد” بين إسرائيل وإيران في حزيران/ يونيو.
END BOX

عدم اليقين والمخاطر
يقول صندوق النقد الدولي في أحدث توقعاته الإقليمية، في الفصل الأول، إنّ “نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة MENAP يُتوقَّع أن يتعزز في ٢٠٢٥ بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا في أيار”. أمّا المخاطر فيذكر أساسًا مخاطر مالية ونقدية واقتصادية وجيو اقتصادية وكذلك مخاطر مناخية ونقاط ضعف في السياسات لبلدان المنطقة كلها. ويذكر التقرير، ليس بطريقةٍ بارزة، أنّ التوترات الجيوسياسية ما زالت خطرًا رئيسيًا على اقتصادات المنطقة مع خطرٍ حاد يتمثل في تجدّد التصعيد في نزاع إيران وإسرائيل ومع خطرٍ آخر يتمثل في أنّ “أزمة غزة غير المحلولة قد تقوّض الاستقرار الاقتصادي والتجاري الإقليمي بدرجةٍ أكبر مما يُفترض حاليًا في السيناريو الأساسي”.

يُبرز الفصل الثاني من التوقع الإقليمي خلاصاتٍ من توقعات ربيع ٢٠٢٤ مفادها أنّ “الناتج للفرد يظل في المتوسط أقل بنحو ١٠ في المئة من مساره السابق للنزاع بعد عقدٍ من بدء نزاعٍ شديد” في منطقتي MENAP وCCA. ويسعى الفصل إلى إضافةٍ أكاديمية للنقاش حول العوامل التي قد تكون محرّكات للتعافي بعد النزاع كما يدعو إلى “جهود استقرار كلي وتمويل بما في ذلك تدابير دعمٍ دولية وسياساتٍ هيكلية”. ويشير الفصل بصورةٍ مفيدة إلى أنّ “تعزيز فرص تعافٍ ناجح بعد النزاع يتطلب استراتيجية شاملة تُعايَر وفق ظروفٍ خاصة بكل اقتصاد” كما يستشهد بأهمية المزيد من البحث.

تختلف مقاربة الصندوق الهادئة عن أوراقٍ للبنك الدولي أثارت “مسألة فلسطين” في كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٤. وإذ يدين البنك “الأثر الكارثي للنزاع على الاقتصاد الفلسطيني” يقدّر انكماش الناتج المحلي الإجمالي في ٢٠٢٤ بـ ٢٦ في المئة ويقول إنّ جميع القطاعات في فلسطين تأثرت بشدة “حيث شهدت قطاعات البناء والتصنيع والخدمات والتجارة أكبر الانخفاضات”. ويؤكد أنّ معالجة الأزمة الاقتصادية العميقة وتجنّب انهيارٍ اجتماعي اقتصادي ومزيد من تفاقم الفقر “سيتطلب عدة إجراءات حاسمة وعاجلة من السلطة الفلسطينية وحكومة إسرائيل والمجتمع الدولي”.

تقييمات من دون حلول واضحة
تأتي قراءةٌ أوسع لمشهد النزاع الإقليمي من مشروع ACLED الأكاديمي والمنظمة غير الحكومية المعنية ببيانات مواقع النزاع والأحداث، على الرغم من أنّ هذه البيانات لا تقدّم رؤى إضافية حول اقتصاديات النزاع أو حلولٍ اقتصادية لاحقة أكثر مما يقدمه البنك الدولي في إشارته الموجزة إلى الاقتصاد الوطني الفلسطيني.

سجّلت شدة النزاع، كما تتبعها ACLED، في العام ٢٠٢٤ أن فلسطين كانت الكيان السياسي الأكثر تضررًا من النزاع في العالم وفق تحليلٍ قائم على أربع فئات هي القتل والانتشار والتشظّي والخطر. واحتلت سوريا ولبنان المرتبتين الثالثة والسابعة ضمن أكثر المواقع تضررًا. ويُظهر هذا التصنيف أنّ سوريا جاءت أعلى بـ ٣٠ مرتبة في شدة النزاع مقارنة بإسرائيل. ووجدت ACLED أنّ مصر والأردن كانتا أقل تأثرًا بهوامش واسعة إضافية عند مراتب تتجاوز ٧٠ و١٠٠.

في مؤشر النزاعات لعام ٢٠٢٥ لدى ACLED ظلّت فلسطين وسوريا في المرتبتين الأولى والثالثة من حيث التعرض الكلي للنزاع. وتراجع لبنان خارج قائمة العشر الأوائل الأكثر شدة ليبقى مع ذلك عند ترتيبٍ مرتفع جدًا هو ١٩ في الشدة الكلية. وتراجعت الأردن وإسرائيل أيضًا أكثر بينما أشارت مرتبة مصر إلى زيادةٍ طفيفة في شدة النزاع. ووفق ACLED اندمجت ملامح النزاع في بلدان شرق المتوسط ضمن مشهدٍ عالمي حيث “أصبحت المستويات المرتفعة من النزاع هي الوضع الطبيعي الجديد”.

غير أنّ شدة النزاع من منظور التحليل الإحصائي لا تتحول إلى قياسٍ للبُعد الاقتصادي للاشتعال الإسرائيلي الغزّي الأخير ولا إلى تقديرٍ لعطب الإنتاجية الوطنية في البلدان المتضررة من أفعال جيش الدفاع الإسرائيلي. وبالمثل لا تنعكس التداعيات الاقتصادية لأحدث نزاع في فلسطين في التحليلات العالمية التي يقدمها معهد الاقتصاد والسلام الأسترالي المنشأ (IEP) والذي وجد في “مؤشر السلام العالمي” لعام ٢٠٢٥ أنّ الأثر الاقتصادي للعنف في العالم كان يعادل ١١٫٦ في المئة من النشاط الاقتصادي العالمي.

يقيم IEP، وهو جهة ترصد السلم العالمي وقد أطلق هذا العام إنذارًا بشأن ١٧ عامًا من تراجعٍ تدريجي في السلم العالمي، الأثر الاقتصادي للعنف لكل بلد وفق عوامل عديدة تتجاوز آثار النزاع المسلح. ويعرض سوريا وفلسطين بوصفهما من البلدان الأعلى كلفةً اقتصادية للعنف كنسبةٍ من الناتج المحلي الإجمالي في ٢٠٢٤ ويحدد هذه الكلفة بـ ٣٣٫٩٧ في المئة و١٩٫٤٢ في المئة. وتشير هذه المقاربة، رغم دلالتها على العبء الاقتصادي الإجمالي للعنف على كيانٍ سياسي وفق تعادل القوة الشرائية، إلى فائدةٍ محدودة لتقدير الكلفة الفعلية لحرب ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ وللتوغل الإرهابي في ٧ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ من غزة إلى إسرائيل.

الدعاية واقتصاد الحرب
لا يمكن إنكار أنّ الدعاية وحرب المعلومات والبُعد السيبراني لخطابات العسكرة والتشدد في أحدث نزاع في الشرق الأوسط يهيمن اليوم أكثر مما كان في أزمنةٍ سابقة من تاريخ الحروب. وضمن خطابات الكيانات السياسية الستة التي يغطيها هذا التقرير تتغلغل نقاشات البنى الاجتماعية وكلمات الدمار الشامل ذات الطابع الحزبي من “إبادة جماعية” إلى “معاداة السامية” في العقول أينما وصلت تكنولوجيا الاتصال.

شقوق عميقة وحاجات شاهقة
يُعدّ قياس الاقتصادات ومقارنتها ضمن بيئاتها الجغرافية وكذلك ضمن مجموعاتها النظيرة ممارسةً معيارية لجهاتٍ تمتد من مجموعة البنك الدولي إلى المنتدى الاقتصادي العالمي. ومع ذلك لا تبدو تقارير المؤسسات المالية الدولية ومراكز التفكير الاقتصادي العالمية متضمنة لتحليلاتٍ عن الكلفة الطويلة الأمد للنزاعات الإقليمية ولا عن كلفة الفرص البديلة لهذه النزاعات.

إضافةً إلى ذلك لم تقف أسبابٌ موحدة خلف الانكماشات الاقتصادية والركودات الفائقة العمق في ثلاثة من الأقاليم. فقد مُحي اقتصاد غزة، وليس اقتصاد فلسطين ككل، بفعل القصف والتوغلات البرية بين تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ ووقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٥، كما استمر المحو في الشهر الذي تلا وقف إطلاق النار، ومع ذلك عانت فلسطين بأكملها انكماشًا مقدرًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٢٦ في المئة في ٢٠٢٤.

وعانى الاقتصاد اللبناني المجاور، الذي تلقى ضربة مقدّرة بنحو ٦٫٥ مليارات دولار نتيجة الدمار والأضرار الحربية في ٢٠٢٤ وشهد تراجعًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٧٫٥ في المئة، انهياره الأشد، المقدر تراكميًا بـ ٣٨ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى ثلاث سنوات، ابتداءً من ٢٠١٩ وبأسبابٍ لا تعود من حيث الظاهر إلى نزاعاتٍ خارجية. لكنه كذلك عانى آثارًا غير محددة الحجم من “السلام” الذي فرضته إسرائيل في ٢٠٢٥.

تشمل أسباب الانهيار السوري عقوباتٍ اقتصادية ودمارًا ناجمًا عن نزاعات داخلية مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (ISIL) وسياساتٍ فاسدة ونظامًا قمعيًا في عهد سلالة الأسد من ١٩٧١ حتى كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٤. وكان تقدير الحاجة إلى إعادة بناء بنى تحتية وأصول عقارية مدمرة نتجت عن صراعٍ داخلي بين ٢٠١٢ و٢٠١٨ قد بلغ أصلًا ما بين ١٠٠ و٣٠٠ مليار دولار، وذلك في وثيقة “رؤية لبنان الاقتصادية” الصادرة عن شركة الاستشارات ماكنزي.

تبدو “أفضل التقديرات المحافظة” الحديثة للبنك الدولي لكلفة استعادة الأصول المادية، أي أصول البنية التحتية والمباني، عند ٢١٦ مليار دولار مع هامش صعود محتمل قدره ١٢٩ مليار دولار إضافية، رهانًا أكثر أمانًا لمحللٍ لا مصلحة مباشرة له مقارنةً بمقاولٍ رئيسيٍ متخيَّل سيدخل مناقصةً للمشروع. وفي المقابل جاءت آثار الحرب على الأردن ومصر غير مباشرة وتركزت في آثارٍ غير مباشرة على الشحن عبر البحر الأحمر، أي على الأردن عبر خليج العقبة وعلى مصر بسبب تحويل مسارات السفن بعيدًا عن قناة السويس.

تراجعت عوائق السياحة في البلدين بدرجةٍ أقل من فلسطين ولبنان وإسرائيل. وإلى جانب ذلك وبحسب القدر الضئيل من البيانات الشفافة تمامًا بدت كلفة الحرب على إسرائيل محدودة من حيث الدمار الذي لحق بها لكنها كانت مؤلمة اقتصاديًا بسبب التزامات الخدمة العسكرية التي طالت كثيرين من المواطنين الإسرائيليين وبسبب الذخائر وأنظمة الأسلحة التي كان لا بد من إعادة تزويدها بعد استخدامها في الدفاع والغارات الانتقامية والطلعات العقابية التي وُجهت إلى غزة ولبنان وإيران وسوريا واليمن.

استشراف مصائر ست كيانات سياسية
يبقى المستقبل الاقتصادي للكيانات السياسية الستة غامضًا مع مخاطر هبوط تفوق فرص الصعود في خمسة منها ومع غموضٍ يختلط بإحساسٍ بمخاطر صعود في واحدٍ منها. وقد تتراوح كلفة “الإنقاذ الاقتصادي”، أي ثمن الاستثمارات التي سترفع مصر وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين إلى مستوى أعلى من الدخل والوظائف والإنتاجية والحماية الاجتماعية والاستدامة البيئية، بين مرةٍ واحدة وثلاث مرات من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي الجماعي المقدّر لعام ٢٠٢٤.

يعني ذلك بالأرقام أنّ كلفة تبلغ تريليون دولار تقع تمامًا ضمن نطاق الضرورات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وتشير إمكانات الاستثمار وتقييماتٍ أولية للبنك الدولي وخطط وطنية متفائلة إلى أنّ تقديرًا منخفضًا لكلفة الإنقاذ سيتجاوز الناتج المحلي الإجمالي السوري والفلسطيني كلٌّ على حدة بأضعاف، أي نحو ٢١٤ مليار دولار لسوريا و٧٠ مليار دولار لفلسطين مقابل قيمٍ مقدرة للناتج المحلي الإجمالي في ٢٠٢٤ تبلغ ٢٢ و١٤ مليار دولار.

في الأردن ومصر ستتطلب طموحات التنمية الوطنية الحالية على الأقل ما يعادل ناتجًا محليًا إجماليًا وطنيًا لمرة واحدة في ٢٠٢٥، أي ٥٨ مليارًا مقابل ٥٣ مليار دولار في الأردن و٤٠٠ مليار دولار، كما يقدّرها مراقبون ومستشارون، مقابل ٣٨٩ مليار دولار في مصر. وفي لبنان ستتطلب ولادة اقتصادية جديدة نحو ضعفين إلى ضعفين ونصف من الناتج المحلي الإجمالي للإنتاج الحالي من السلع والخدمات، بما في ذلك الأنشطة غير الرسمية، إذا افترضنا أنّ الكلفة الإجمالية ستبلغ ٨٠ إلى ٩٠ مليار دولار وأنّ الناتج المحلي الإجمالي الفعلي لعام ٢٠٢٥ يتجاوز ٤٠ مليار دولار بدلًا من ٢٥ إلى ٣٠ مليار دولار كما تذكره المصادر الدولية.

قد يبلغ جوع الكيانات السياسية الخمسة للتمويل على مدى عقدٍ من الزمن، أو عقدين أو أكثر، ما لا يقل عن ٨٢٠ مليار دولار. غير أنّ حاجتها الفعلية للاستثمارات قد تتراوح بين ١ و١٫٥ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبذلك تتجاوز الحاجة تريليون دولار بثبات. وفي ذلك لا تختلف هشاشة المنطقة الناتجة عن الحرمان الاستثماري عن حال شخصٍ يتضور جوعًا ولا يجرؤ على الإفراط في الأكل إذا أراد استعادة عافيته. غير أنّ مصدر القوت، أي الاستثمارات المطلوبة التي قد تزيد قيمتها على ناتجٍ محليٍ إجمالي وطني لسنةٍ كاملة، يبقى غير مؤكد حتى في أفضل التصورات ومثقلًا بإخفاقاتٍ سابقة في حشد الكميات المطلوبة سواء من الضرائب أو من المؤسسات المالية الدولية أو من دولٍ صديقة أو من مصادر خاصة أو عبر شراكاتٍ هجينة بين القطاعين العام والخاص.

علاوةً على ذلك جرى البحث في رؤى واسعة مثل مفاهيم التنمية الوطنية القائمة في الأردن ومصر ورسمها في عقد ٢٠١٠ كما يتضح من كثرة الاستشهادات والإحالات إلى سلسلة “ممارسة أنشطة الأعمال” للبنك الدولي وإلى “تقرير ومؤشر التنافسية العالمية” للمنتدى الاقتصادي العالمي. ولا تدخل محددات أحدث للإمكانات الاقتصادية الحاسمة، أي مقاييس تركز على عوامل مثل الجاهزية للذكاء الاصطناعي وحوكمة الذكاء الاصطناعي، ضمن حجج الاستثمار في أيٍّ من الكيانات السياسية العربية قيد النظر. والواقع أنّ جميع المؤشرات والترتيبات الجيو اقتصادية، كلما وُضعت، تُظهر إسرائيل في مواقع أكثر تفضيلًا بوضوح من جيرانها.

بالنسبة إلى إسرائيل تبدو معادلة التطوير الرئيسية مختلفة تمامًا. فمع ناتجٍ محليٍ إجمالي وطني قدره ٥٤٠ مليار دولار وفق بيانات البنك الدولي المفتوحة لم تشهد الدولة اليهودية سنة واحدة من انكماش الناتج المحلي الإجمالي منذ ١٩٦٦ باستثناء سنة الجائحة ٢٠٢٠. ووفق أي مقارنة رقمية مع الجيران الإقليميين تقع إسرائيل فعلًا ضمن فئةٍ مختلفة من الثروة والدخل ومن تبنّي التكنولوجيا والتقدم الصناعي ومن الجاهزية للعصر الرقمي.

في هذا الحساب تبدو نتيجة العقود الثمانية الماضية بلا جدال لعبةً ذات محصلة صفرية، حيث تقف إسرائيل باعتبارها القيد الذي لا يُنازع في خانة الرابحين ضمن ميزانيات النزاع بما فيها ميزانية الاشتعال الأخير. وقد سعت فكرة تحويل هذا المشهد الرابح الخاسر إلى واقعٍ رابح رابح من تكاملٍ اقتصادي في الشرق الأوسط ضمن إطار سلامٍ اجتماعي وديني وثقافي خلال العقود الخمسة الماضية عبر عمىً إرادي عن خطوط الأساس الاقتصادية للقوة. وما زالت احتياجات الاستثمار للوصول إلى تكاملٍ إقليمي يوفر فوائد نمو لجميع الكيانات السياسية تبدو أقرب إلى اليوتوبيا في ضوء المتطلبات السياسية والأمنية.

أما الخيار الآخر، أي أنّ وضعًا قائمًا رابحًا خاسرًا يخفي مستقبلًا واقعًا خاسرًا خاسرًا بكلفةٍ ثقافية ونفسية غير قابلة للقياس فضلًا عن تداعياتٍ اجتماعية ومناخية وبيئية على حساب الحضارة الرأسمالية برمتها، فليس سوى تكهّنٍ بلا جاذبية تحت مقترح الإيثار المتبادل. وبالقدر نفسه من الطابع الافتراضي تأتي فكرة أنّ تحولات الأتمتة، حيث يترك الناس التفكير للآلات بسبب معالجاتها المتفوقة، ومع مزيدٍ من الرقمنة ستقلب لعنة بحث هذه الحضارة “الفاوستية” وأبطالها عن المعرفة والمال والسلطة بلا نهاية إلى انبهارٍ وسعيٍ نحو الروح والرحمة والاستدامة والإيثار المتبادل.

You may also like