لم تسجّل الأردن دماراً أو خسائر اقتصادية مباشرة، لا في أعقاب هجوم 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 مباشرة ولا في العامين التاليين له. وجعلت البنية الاقتصادية للمملكة الأردنية الهاشمية وموقعها الجيوسياسي البلاد معرّضة لتداعيات الحرب بين إسرائيل وحركة حماس. واضطلعت المملكة بدور دبلوماسي وإنساني في النزاع، فنفّذت إسقاطات جوية للمساعدات وأبقت على مستشفى ميداني يعمل في غزة. ومنذ اندلاع هذه الحرب، عارضت عمّان بثبات أي خطة لنقل الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية إلى أراضيها واستدعت سفيرها من إسرائيل احتجاجاً على العمليات العسكرية. وعلى الرغم من كونها بلداً مجاوراً، أكّدت الحكومة أن أيّاً من اللاجئين الفلسطينيين لم يدخل إلى أراضيها نتيجة النزاع باستثناء من جرى استقبالهم لتلقّي العلاج الطبي.
وأحدثت الحرب أثراً كبيراً في المجتمع الأردني وتسببت بخسائر للاقتصاد، على الرغم من عدم تورّط البلاد عسكرياً. وضمّت هذه الآثار اضطراباتٍ في التجارة ناجمة عن عدم الاستقرار في البحر الأحمر وتراجعاً موقتاً في السياحة في الفترة الممتدّة بين العامين 2023 و2025 وصدمات غير مقيسة في سوق الاستهلاك بفعل حملات المقاطعة هزّات في سوق المستهلك لا تزال من دون قياس دقيق
وتتمثل هذه الهزّات في سوق المستهلك في تداعيات المقاطعة التي لم يُحدَّد حجمها بدقة، والتي قابلها جزئيًا ارتفاع استهلاك السلع المصنّعة محليًا، بالإضافة إلى حالة من عدم اليقين، وكذلك ضغوط مالية ودبلوماسية ناتجة من الاعتماد على التمويل الخارجي، ولا سيما من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من ذلك، أدّى تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في العام ٢٠٢٥ إلى إحداث صدمات متعددة القطاعات في مختلف أنحاء البلاد، لا سيما أنّها كانت ثالث أكبر جهة متلقية لتمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية خلال الفترة الممتدة بين العامين ٢٠٢١ و٢٠٢٥. وأثّر الثمن البشري الموثّق للنزاع بعمق في الرأي العام الأردني وفي الديناميات السياسية الداخلية، ما أفضى إلى احتجاجات ومطالبات بوقف أي اتفاقات للتعاون مع إسرائيل. فقد تجاوز الثمن البشري هذا ال 67 ألف حالة وفاة معظمها من المدنيين و169 ألف إصابة في صفوف الفلسطينيين حتى أواخر العام 2025.
الانعكاسات الماكرو اقتصادية والاضطرابات الجوية
وانطلق مسار التعافي الاقتصادي في الأردن قبل اندلاع الحرب في غزة إذ بدأت البلاد تتجاوز آثار جائحة كورونا. وتُظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الذي كان سلبياً وبلغ -1.1 في المئة في العام 2019 قد تعافى ليصل إلى 3.1 في المئة في العام 2023 أي في أعلى مستوى له منذ العام 2010. وأسهم توسّع قطاع السياحة وتطوّر الطلب الخارجي تدريجياً إلى جانب إجراءات الضبط المالي التي دعمت استقرار التضخم وأعادت الثقة إلى المستثمرين في تحقيق هذا التحسّن. ثم تعرّض هذا المسار لاضطراب في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 مع اندلاع حرب غزة وبدء تسرّب حالة عدم الاستقرار إلى الدول المجاورة. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للأردن تراجع في العام 2024 إلى 2.5 في المئة.
وشكّل قطاع السياحة أول قناة يتجلّى عبرها التسرّب الاقتصادي بوصفه أحد المصادر الرئيسة للعملات الأجنبية في الأردن. وبيّنت وزارة السياحة والآثار أنه بحلول نهاية الربع الأول من العام 2024، انخفض عدد الزوار بنسبة 3.9 في المئة وتراجعت عائدات السياحة بنسبة 2.3 في المئة مقارنة بالعام الذي سبقه. ورُبطت هذه التطورات بمخاوف أمنية لدى السياح القادمين من أميركا الشمالية ومن أوروبا وباضطرابات أوسع في الحركة الإقليمية أثّرت في جداول الرحلات الجوية وسفن الرحلات السياحية. وزادت إغلاقات الأجواء في أشهر نيسان/ أبريل وتشربن الأول/أكتوبر من العام 2024 إضافة إلى شهر حزيران/ يونيو من العام 2025 التي اتُّخذت كإجراء احترازي في ظل تبادل الضربات الصاروخية بين إسرائيل وإيران من حالة عدم اليقين وتسببت في تعطل موقت لحركة الربط الجوي.
وخلق ذلك، إلى جانب الاضطرابات السياحية، افتراضاً بزيادة التكاليف العسكرية المباشرة التي تكبّدتها الحكومة في عمّان على الرغم من غياب بيانات محددة عن كلفة تشغيل أنظمة الدفاع الجوي الوطنية لاعتراض الطائرات المسيّرة الإيرانية في الأجواء الأردنية.
وتتوقّع تقارير الآفاق الاقتصادية العالمية للعام 2025 الصادرة عن صندوق النقد الدولي أن تحقّق الأردن نمواً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.6 في المئة مع حلول العام 2025 شرط ألا تشهد الحرب مزيداً من التصعيد وأن تستقر التجارة الخارجية. ويمكن لأي اضطرابات جديدة في حركة الشحن في البحر الأحمر أو لأي توترات سياسية إضافية أن تدفع النمو بسهولة إلى ما دون هذه التوقعات. وإلى جانب المخاطر التي تهدد التجارة والسياحة بوصفهما قطاعين رئيسين في الاقتصاد الأردني، تزيد البنية الاقتصادية للبلاد واعتمادها على المساعدات الخارجية ولا سيما تلك الموجّهة إلى المنظمات الداعمة لفلسطين والمتمركزة في الأردن مثل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا من هشاشتها إزاء تجدّد النزاعات الإقليمية وهو احتمال لا يمكن استبعاده في وقت إعداد هذا التحليل وكذلك إزاء التطورات الجيوسياسية عمومًا.
وتضاف إلى التكاليف الناجمة عن النزاعات المجاورة وحالة عدم اليقين الإقليمي كلفةٌ داخلية معتبرة مرتبطة بالموقف الدبلوماسي للأردن الذي أثار غضباً شعبياً واسعاً. وأسفرت حرب غزة والإجراءات الإسرائيلية في القطاع خلال العامين الماضيين عن احتجاجات ليلية حاشدة في عمّان ومدن كبرى أخرى، عكست تصاعداً في المعارضة الشعبية لأي شكل من أشكال التعاون مع إسرائيل.
واضطرت الحكومة في عمّان في الوقت عينه الذي واجهت فيه أصواتاً غاضبة في الشارع إلى إدارة توازن دبلوماسي دقيق لتفادي صدام مع القوى الدولية ذات الأهمية الاستراتيجية لاقتصادها. وقد قدّمت الدعم لسكان غزة عبر إيصال المساعدات الإنسانية واعتماد مواقف صارمة ومتسقة في المحافل الدولية تؤيّد قيام دولة فلسطينية ودعم التحركات القانونية أمام محكمة العدل الدولية عقب صدور الرأي الاستشاري للمحكمة في العام 2024 بشأن عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي.
على الرغم من ذلك، برهنت المملكة قدرتها على امتصاص الاضطرابات الاقتصادية المرتبطة بنزاع غزة وإبقاء المواجهات المسلحة خارج حدودها، واضطرت المملكة الهاشمية إلى خلق التوازن بين احتمالات الصراع التي قد تنفجر على المدى القصير أو الطويل منه. ووصف الإعلام الدولي الوجود العسكري الإسرائيلي المستمر في جنوب لبنان على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية بأنه «حرب متدحرجة»، فيما تواصل الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار وما يصفه أكثر من عشرين خبيراً أممياً بأنه «سيطرة عسكرية» على غزة بالتوازي مع نظامٍ قائم في الضفة الغربية ينفّذ ما يصفه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بأنه “تمييز ممنهج” و”خنق ممنهج” لحقوق الفلسطينيين وهي حالة يمكن تسميتها «أزمة دائمة». وفي ظل هذه الظروف، يبقى النمو الاقتصادي الطويل الأمد في الأردن رهناً بتكرارات مستقبلية من الانقسامات الداخلية والاضطرابات وربما النزاعات. وقد تتضرر في مثل هذا السيناريو مرونة الأردن في عقد الشراكات الخارجية تضرراً وقد تتعرّض اتفاقات التعاون الخارجية مع إسرائيل في مجالي المياه والطاقة لمزيد من الاضطرابات وهما يعتبران مجالان حيويان لأمنها الاقتصادي والبيئي.
الخسائر الاجتماعية والاقتصادية والتبعات الإنسانية
حافظت الأردن خلال نزاع غزة على رقابة حدودية صارمة فلم تفتح حدودها أمام أي موجات جديدة من اللاجئين القادمين من غزة أو من تجمعات الضفة الغربية المستهدفة من قبل المستوطنين المعادين على الرغم من حدود المملكة المشتركة مع الضفة الغربية المحتلة. وتعكس هذه اليقظة الخاصة في وقت اشتداد الصراعات في الأراضي المجاورة إلى جانب تشديد التدابير الأمنية اعتباراتٍ أمنية وحساسياتٍ سياسية متجذّرة في تاريخ الأردن.
وشكّل الجمع بين اليقظة والدعم الإنساني والدبلوماسي لفلسطين جزءًا من معادلة التوازن الاجتماعي الاقتصادي التي انتهجتها المملكة بين الضغوط الشعبية وبين ضرورات البقاء الاقتصادي. وبموجب هذه المقاربة، جُنّب السكان في الأردن تكرار أعباء الكلفة الفردية التي ترتبت في السابق على إنشاء مخيمات لجوء جديدة وعلى موجات نزوح واسعة النطاق شهدها العقد الماضي. كذلك جُنّبت البلاد الدمار العسكري والأضرار المباشرة، باستثناء الأضرار المحدودة التي نجمت عن السقوط العرضي للطائرات المسيّرة على البنية التحتية المدنية. لم تتصدر حتى الآن الاهتمام العالمي لكنّ تقديرات الخسائر الاقتصادية ولا سيما الأثر السلبي المرتبط بالنزاع على دخل الفرد وعلى سبل عيش الأسر كما أنّها لم تبلغ أعلى درجات الدقة التحليلية.
وقدّر تقييم مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) في تقدير أولي لتداعيات نزاع غزة الاقتصادية على الأردن ومصر ولبنان خلال الأشهر الثلاثة الأولى من أعمال العنف المسلحة في غزة، الأثرَ السلبي في الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 10.3 مليار دولار لهذه الدول الثلاث. وأبطل تصعيد الأحداث في لبنان لاحقاً تقديرات خسارة متوقعة قدرها 18 مليار دولار لعام 2024. أما التقديرات الخاصة بالأردن فما تزال غير دقيقة لكنها تشير إلى تراجع في إيرادات الحكومة وتأجيل للاستثمارات في البنية التحتية، وتباطؤ في التقدم على صعيد الحماية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية.
الآثار القطاعية وتكاليف الفرص الضائعة
تراجع السياحة ثم انتعاشها
أظهرت مراجعة وزارة السياحة والآثار الربع السنوية أن مؤشرات السياحة في الأردن لعام 2023 لم تتأثر بعدم الاستقرار الإقليمي بل سجّلت زيادة مقارنة بفترة الجائحة السابقة إذ ارتفع عدد الزوار وارتفعت عائدات السياحة بنسبة 25.8 في المئة عن العام 2022. غير أنه عند النظر إلى الفترة الممتدة بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 وأيلول/ سبتمبر 2024 وهي الفترة التي تصدّر فيها نزاع غزة العناوين الإخبارية العالمية اليومية، وفقًا للمراجعة الفصلية الصادرة عن الوزارة، نلاحظ تحوّلاً في المؤشرات القطاعية إذ لم تتحقق الإيرادات المتوقعة للقطاع والبالغة 530 مليون دولار. وعلى الرغم من زيادة أعداد الزوار القادمين من منطقة الخليج العربي، ظلّ إجمالي عدد الزوار منخفضاً نسبياً بسبب تراجع أعداد الزوار الدوليين.
وعلى الرغم من محدوديّة التراجع الإجمالي في أعداد الزوار وعائدات السياحة في العام 2024، أفاد الفاعلون في قطاع السياحة والضيافة بحصول تغييرات في مسارات الرحلات البحرية بعيداً عن العقبة التي تشكّل الميناء الوحيد للأردن وبحصول تعليق لبعض الرحلات الجوية في مطار الملكة علياء في عمّان التي شهدت في العام 2024 انكماشاً بنسبة أحادية الرقم في أعداد المسافرين بعد عامين من النمو. وأثّر الانكماش المؤقت في أعداد الزوار على الأعمال المحلية والعمالة الموسمية والمرشدين السياحيين ومشغّلي وسائل النقل لكنه لم يَعُق مع ذلك النمو على المدى المتوسط في السياحة الوافدة إلى الأردن كما يتضح من الانتعاش القوي في أعداد الزوار في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2025. وخلال هذين الشهرين، سجّلت الأردن أعلى عدد من السياح وأعلى عائدات سياحية منذ العام 2010. وبيّنت وزارة السياحة والآثار أن عائدات السياحة في البلاد للربع الأول من العام 2025 بلغت نحو 1.72 مليار دولار بزيادة سنوية نسبتها 8.9 في المئة.
اضطرابات طرق التجارة
احتل ميناء العقبة موقعاً محورياً في البنية التحتية للتجارة في الأردن إذ شكّل نحو ثلث واردات البلاد ونحو نصف صادراتها. ومنذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، بدأ الحوثيون في اليمن في استهداف ممرات الشحن الحيوية في خليج عدن والبحر الأحمر كونهم جزءاً من «محور المقاومة» الذي دخل نزاع غزة عبر مهاجمة أهداف إسرائيلية أو يُعتقد أنها مرتبطة بإسرائيل. وأدّت إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح إلى زيادة تكاليف الوقود والتأمين وخلق ضغوط تضخمية على المنتجين والمستهلكين الأردنيين.
قرّرت الحكومة الأردنية في كانون الثاني/ يناير 2024 فرض إعفاء موقت من ضريبة المبيعات والرسوم الجمركية على تكاليف الشحن البحري للتخفيف من أثر هذه الاضطرابات في التجارة والحد من انعكاساتها السلبية. ومع ذلك، تراجعت مستويات الواردات والصادرات عبر ميناء العقبة تراجعاً حاداً.
كما تأثرت التجارة البرية عبر الحدود الغربية للأردن سلباً. فمع تصاعد حرب غزة، أبقت السلطات في البداية على التجارة العابرة للحدود مفتوحةً عبر جسر الملك حسين/ اللنبي وهو المعبر التجاري الرئيس بين الأردن والضفة الغربية، فسهّلت حركة التجارة الثنائية عند مستوى مُبلّغ عنه يزيد على 400 مليون دولار في العام 2023، على الرغم من عدم توازنها بنسبة 3 إلى 1 لصالح الصادرات الأردنية لكنها جعلتها في الوقت ذاته أكثر هشاشة.
أغلقت السلطات الإسرائيلية جسر اللنبي «إلى أجل غير مسمّى» بعد حادث حصل في شهر أيلول/ سبتمبر، قُتَل فيه سائق شاحنة أردني جنديَّين إسرائيليين عند نقطة العبور. وعلى الرغم من إعادة فتحه جزئياً في نهاية الشهر نفسه، بقيت التداعيات المستقبلية على التجارة بالغة الأهمية وإن اكتنفها قدر كبير من عدم اليقين بسبب الوضع العام. وأظهرت سجلات السنوات الأخيرة أن إغلاق المعبر يؤثر في تسليم شحنات المساعدات الإنسانية إلى غزة إذ مرّ نحو ربع المواد الغذائية والخيام وغيرها من الإمدادات الأساسية التي أُرسلت إلى غزة عبر آلية القرار 2720 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في آب/ أغسطس 2024 من خلال الأردن.
وأكّد تراجع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأردن في العام 2024 مقارنة بالعام 2023 حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي تكبّدتها البلاد جراء عامين من الحرب على غزة وفيها. وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي، وقد يُعوَّض هذا الأثر تدريجياً إذا عاد نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات أعلى. وعلى الرغم من عدم توفر قيمة رقمية موحّدة لحجم الكلفة الاقتصادية التراكمية التي لحقت بقطاعي التجارة والسياحة في الأردن، يتّضح أن هذين القطاعين شكّلا القناتين الرئيسيتين لتأثيرات النزاع على الأردن خلال العامين الماضيين.
حملات المقاطعة والإضرابات العامة وسلوك المستهلكين
شكّل اتساع حركة نشطة للمقاطعة الاستهلاكية أحد أبرز الآثار الاقتصادية والسلوكية والاجتماعية وقد حظيت بتغطية إعلامية واسعة محلياً إذ استهدفت شركات غذاء ومشروبات عالمية تُعد مؤيدة لإسرائيل. واستند كثير من الأردنيين إلى مقاطعة هذه الشركات إلى جانب الإضرابات العامة بوصفها وسيلة لإظهار دعمهم للفلسطينيين. وساعدت منظمات الضغط المحلية وشبكات المجتمع المدني ومنصات التواصل الاجتماعي في توسيع الحملة فحوّلت خيارات المستهلكين الفردية إلى موقف سياسي واقتصادي. وبينما تحوّل جزء من الطلب نحو السلع المنتجة محلياً والشركات المحلية، جعل اعتماد الأردن المرتفع على الواردات سلاسلَ التوريد والتغليف والتوزيع وعمليات الامتياز التجاري عرضة للتأثر السلبي. وبيّنت التجارب التاريخية للمقاطعات على الرغم من إعلانها بحماسة من جهة وإنكار أثرها أو مواجهتها بحملات مضادة من جهة أخرى أن تأثيرها الاقتصادي المؤلف من آثار في سلاسل التوريد وسمعة العلامات التجارية بقي شبه مستحيل التنبؤ به على نحو دقيق.
عندما تتعطل واردات الطاقة
وكشفت قاعدة بيانات «حلول التجارة العالمية المتكاملة» التابعة للبنك الدولي أن الاستهلاك الداخلي في الأردن اعتمد على الواردات بنسبة 57 في المئة في العام 2023 مع احتلال قطاعات الغذاء والطاقة الحصة الأكبر من هذه الواردات. وتولّد الأردن جزءاً كبيراً من كهربائه من الغاز الطبيعي المستورد أساساً من إسرائيل ومصر. وشهد خط الغاز العربي وهو خط غاز إقليمي يمر من مصر عبر الأردن وسوريا واضطرابات في تدفقات الغاز منذ موجة عدم الاستقرار الإقليمي في أواخر العام 2023. وفي الفترة الممتدة من 2010 إلى 2019 التي تشير إليها الحكومة الأردنية بوصفها فترة من انخفاض النمو الاقتصادي، اضطُر قطاع الطاقة في المملكة إلى التعامل مع تحديات التخطيط وتنفيذ أول رؤية للنمو الأخضر وإطلاق محطات الطاقة المتجددة تزامناً مع نمو الطلب المحلي على الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج فيما واجه المواطنون إصلاحات مثيرة للجدل في دعم الكهرباء. وزادت الأعباء المالية لقطاع الطاقة بما حملته من آثار مكلفة على تسعير الكهرباء والإنفاق العام تعقيداً إضافياً في إدارة هذا الملف.
وفي موازاة ذلك، كشفت تقديرات أصدرَتها اليونيسف في العام 2025 أن الموارد المستدامة للمياه العذبة في الأردن تقل عن 100 متر مكعب للفرد سنوياً وهو مستوى أدنى بكثير من خط الفقر المائي العالمي.
ومع تشكّل «الترابط بين المياه والطاقة» في المملكة خلال العقد الثاني من الألفية وفي ظل ندرة الموارد المائية والطاقة الأحفورية من جهة وتنامي الطاقة المتجددة من جهة أخرى، وقّعت الحكومة أولى اتفاقيات شراء الغاز الطبيعي من الحقول الإسرائيلية البحرية «تمار» و«ليفياثان» وسط احتجاجات على ما عُرف بـ«مشروع الازدهار» وبدأت مفاوضات بشأن مشروع مبادلة المياه بالطاقة المتجددة. ثم أصبح المشروع الأخير، المعروف باسم «مشروع الازدهار (Project Prosperity)”، غير قابل للاستمرار سياسياً وجرت تعليقاته نتيجة الاعتراض الشعبي خلال حرب غزة.
وولّد تأجيل هذا المشروع تكاليف مباشرة وتكاليف فرص ضائعة، إذ جرى تصميمه ضمن جدول أعمال التكامل الإقليمي بمشاركة الإمارات العربية المتحدة ودعم دبلوماسي من الولايات المتحدة الأميركية. وأدّى فقدان المكاسب المتوقعة في مجال أمن المياه وتأجيل الاستثمارات في البنى التحتية المساندة إلى تقليص قدرة الأردن التفاوضية وإضعاف إمكانيته في جذب التمويل الأخضر لمشاريع البنية التحتية واسعة النطاق. ومع ذلك، تستمر الحاجة إلى التعاون الإقليمي في مجالي المياه والطاقة خلال العقود المقبلة، في ظل وجود الاستراتيجية الوطنية للمياه في الأردن، وخطة المملكة الطموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية 2022–2033 التي تهدف إلى مضاعفة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي تقريباً مقارنة بالمعدل المنخفض في عقد 2010، وخلق مليون فرصة عمل جديدة بزيادة نسبتها 65 في المئة عن مخزون الوظائف البالغ 1.59 مليون وظيفة في العام 2021 ضمن رؤية لرأس مال استثماري متعدد المصادر يبلغ 41.4 مليار دينار أردني (58.4 مليار دولار أميركي).
ويمكن، في ضوء هذه المعادلات، قياس الفجوات بين نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي والأهداف القطاعية للصناعة التحويلية وفروعها مثل الأغذية والكيماويات والأدوية والمنسوجات والخدمات الاستراتيجية في التجارة والسياحة والتعليم والرعاية الصحية والقطاع المالي إلى جانب محور الطاقة والمياه مقارنة بخارطة الطريق الاقتصادية التي تمثل أحدث أجندة تنموية للمملكة الهاشمية وجدولها الزمني للسنوات الثماني المقبلة واعتماد ذلك مؤشراً بديلاً على الخسائر الاقتصادية وتكاليف الفرص الضائعة التي يواجهها الأردن في سيناريو ما بعد النزاع في حال توافر حالة «اللا عنف» اعتباراً من العام 2026 فصاعداً.
جيران ومعاناة مستمرة
ألقت تداعيات النزاع بظلالها على النظام الصحي الأردني على الرغم من عدم تأثر سكان الأردن مباشرة بالنزاع في غزة من حيث صحتهم الجسدية. وتضم الكلفة المرتبطة مباشرة بنزاع غزة تشغيل مستشفى ميداني في القطاع وتقديم الرعاية الطبية الطارئة للمدنيين بما في ذلك علاج الحروق والعلاج من الصدمات النفسية والجسدية وعلاج الأمراض المزمنة. وأبرزت مشاركة الأردن الواسعة في الاستجابة الإنسانية الإقليمية حجم التنسيق الوثيق بين المنظمات الإنسانية الدولية والطواقم الطبية الأردنية. وإلى جانب ذلك، تحوّل المستشفى الميداني إلى رمزٍ للدعم الإنساني والسياسي الذي يقدّمه الأردن للشعب الفلسطيني.
وتنعكس كذلك على الأردن آثار نفسية اجتماعية غير مباشرة. فقد ارتفعت مستويات الضغط النفسي الاجتماعي وتدهورت مؤشرات الصحة النفسية بين المجتمعات المضيفة وبين اللاجئين في البلاد على نحو ملحوظ، وذلك وفقًا لتقرير اليونيسف الصادر في العام ٢٠٢٣ بشأن دمج خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في الرعاية الصحية الأولية، حيث سُجّلت معدلات مرتفعة من القلق والخوف والحزن، ولا سيما في المناطق الحضرية مثل عمّان والزرقاء وإربد. كذلك أوضح التقرير السنوي لليونيسف عن الأردن للعام ٢٠٢٤ أنّ هذه الفئات تعرّضت للنزاع بصورة غير مباشرة من خلال التعبئة السياسية والتغطية الإعلامية والروابط العائلية مع غزة، حيث إنّ كثيرًا من الأسر الأردنية لديها أقارب هناك. وإضافة إلى تصاعد التوتر خلال فترات اشتداد العنف، أفاد متخصصون في الصحة النفسية بزيادة في مستويات القلق واليأس والحزن والضيق العاطفي، ولا سيما بين الشباب وبين الفئات الأكثر هشاشة. ومن المتوقع أن تستمر هذه الأعباء النفسية وما يرتبط بها من كلفة إلى ما بعد انتهاء صلاحية أي خطة للتنمية الاقتصادية. وكشف تقرير حالة استثمارية أعدّته وزارة الصحة الأردنية ومنظمة الصحة العالمية في تشرين الأول/ سبتمبر ٢٠٢٥ بشأن الصحة النفسية في الأردن أنّ الاضطرابات النفسية فرضت في العام ٢٠٢٣ عبئًا اقتصاديًا قُدّر بنحو ٢٥١٫٨ مليون دينار أردني، أي ما يعادل نحو ٠٫٧٥ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، بما في ذلك النفقات المباشرة على الرعاية الصحية وكذلك التكاليف غير المباشرة الكبيرة، مثل خسائر الإنتاجية.
وفي نهاية المطاف، لا يكشف موقع الأردن في المشهد الإقليمي لما بعد ٧ تشرين الأول/ أكتوبر عن بصمة اقتصادية متميزة بقدر ما يؤكد حالة الإنهاك البنيوي التي تعانيها البلاد. فالحرب على غزة قد تكون أرسلت صدمات كلية قابلة للقياس إلى اقتصادات مجاورة، لكن هذه الإشارات امتصها الاقتصاد الأردني أو خفّف حدّتها أو أعاد تشتيتها أو حتى أضاعها بالكامل. وما يبرز فعليًا هو أنّ هشاشة الأردن باتت اليوم بنيوية لا ظرفية، إذ إنّ التعرض للضغوط المناخية والاعتماد على التحويلات وتراجع قدرة الدولة وتفاقم الفقر كلها عوامل تترك للبلاد هامشًا ضيقًا جدًا لمواجهة أي صدمة خارجية، سواء كانت جيوسياسية أو بيئية. ومع إعادة تكيّف المنطقة مع توازن جديد قائم على عدم استقرار طويل الأمد، يشكّل المسار الأردني إنذارًا واضحًا بأنّ كل أزمة جديدة تضيف، في غياب التكامل الإقليمي والسلام والاستقرار، طبقة إضافية من الإرهاق الاقتصادي الممتد.
