Home الاقتصاد والسياسةمصر على مرمى البصر من الحرب

مصر على مرمى البصر من الحرب
ARFREN

والاقتصاد المصري في مهب الريح

by Jamile youssef

منذ اندلاع حرب غزة في تشرين الأوّل/أكتوبر من العام 2023، وجدت مصر نفسها عالقة بين العنف الإقليمي والهشاشة الاقتصادية والتوتر الدبلوماسي. ولا يمكن فصل اقتصادها الذي تشكله سيطرة الدولة القوية والمؤسسة العسكرية النافذة وقوى عاملة تعاني من الضغوط عن الصراع الأوسع نطاقاً. ومع ذلك، وعلى الرغم من موقعها الإقليمي الدقيق وانكشافها الدبلوماسي والاستراتيجي المتعدد المستويات لم تواجه مصر دماراً مادياً كبيراً أو خسائر اقتصادية مباشرة واضحة منذ بداية الحرب وحتى الأشهر التسعة الأولى من العام 2025 وذلك على الرغم من إصدار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في أيار/مايو من العام 2024 “تقييماً سريعاً” للآثار الاجتماعية والاقتصادية المحتملة لحرب غزة على مصر مستنداً في تقديراته إلى ثلاثة سيناريوهات تراوحت بين حرب محدودة وحرب إقليمية. وقد تراوحت الآثار الاقتصادية المقدرة على مصر في هذه السيناريوهات ما بين 5.6 مليار دولار و19.8 مليار دولار. وعلى الرغم من أن السيناريو الثالث المتمثل في صراع عالي الحدة لم يتحقق في الكامل إلا أن جوانب معينة منه قد وحصلت بالفعل مثل المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران. ومع ذلك، فقد تم تجنب التداعيات الكبرى على قطاعات النفط والغاز والسياحة والاضطرابات التجارية طويلة الأمد التي كانت تبرر تقدير الخسائر بـ 19.8 مليار دولار إلى حد كبير.

لا تعكس مؤشرات مصر الاقتصادية تأثراً كبيراً بسيناريو الصراع الإقليمي الذي ساد خلال العام والتسعة الأشهر الماضية. فوفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في حزيران/ يوليو من العام 2025، انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 10 نقاط مئوية خلال السنة المنتهية في حزيران/ يونيو من العام 2025 لتصل إلى 86 في المئة. ولا يُعزى عبء الدين المستمر في مصر ونقاط الضعف الاقتصادية الأخرى إلى الصراعات الإقليمية في إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا بل توقع صندوق النقد الدولي نمواً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4 في المئة للعام 2025. وفي حين أثرت الأعباء المالية المرتبطة بالصراع على كل من تلك البلدان بطرق محددة، يربط المحللون ديون مصر ومؤشرات مشاكلها الأخرى بتفاقم أزمات داخلية المنشأ تعود إلى العامين 2010 و2000 وحتى قبل ذلك.

بدلاً من ذلك، يسلط صندوق النقد الدولي الضوء على التحسينات التي طرأت على الاقتصاد المصري والاستقرار الاجتماعي خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وتشمل هذه العلامات الإيجابية استقرار معدلات البطالة حول 7 في المئة. وفي حين تم تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي أيضاً، سُجلت انخفاضات كبيرة في كل من معدلات التضخم الكلي وتضخم أسعار المستهلكين.

تداعيات الصراع غير المباشرة

بدلاً من المعارك الإقليمية وخسائر الأرواح في صفوف العسكريين والمدنيين، تجلّت التحديات التي واجهتها الحكومة المصرية على جبهات اقتصادية وسياسية متعددة. ويرتبط جزء كبير منها بشكل غير مباشر بما يعتبره الكثيرون الصراع العربي الإسرائيلي المسلح السابع (تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023 لغاية 2025).

لقد تأثرت قطاعات من الاقتصاد المصري ومشاريع تُعتبر حيوية للتنمية الوطنية بما في ذلك الافتتاح الكامل للمتحف المصري الكبير الذي تأخر وهو مشروع تبلغ تكلفته مليارات الدولارات وصُمم لجذب خمسة ملايين زائر سنوياً. ومع ذلك، فإن المصدر الرئيسي للضغط على الإيرادات في العام 2024 نبع من حركة العبور في قناة السويس وهو ما ظهر بشكل رئيسي في النصف الأول من العام 2024.

كما تأثرت قطاعات كالطاقة وكتصنيع الأسلحة بالتوازي مع ضغوط على السلم الاجتماعي الاقتصادي وارتفاع تكاليف حفظ الأمن وتوجيه الرأي العام. وهناك مجموعة من عوامل الخطر الناشئة التي لا يمكن حصرها بعد والمتعلقة بالمشاعر الشعبية المنقسمة والتوجهات السياسية والتحريض الشعبوي وتدفقات اللاجئين ومخاطر النزوح المستقبلية.

وقد شكّل معبر رفح المؤشر السياسي والإنساني الأساسي للصراع كونه المنفذ الوحيد إلى غزة الذي لا يخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة وتديره مصر (ضمن تفاهمات سياسية وأمنية مع تل أبيب). وفي وقت إعداد هذا التقرير، استمر العبء الإنساني على مصر على طول حدودها مع غزة في التزايد مع سعي عشرات الآلاف من الفلسطينيين للجوء. وفي حين لعبت حكومة السيسي دوراً رئيسًا في تيسير اتفاقيات غزة في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2025، فإن دور البلاد كوسيط وعامل استقرار إقليمي في مرحلة ما بعد العام 1978 قد تعقد بفعل الضغوط الداخلية والمناورات الجيوسياسية والأولويات المتغيرة لحلفائها التقليديين.

معبر رفح الحدودي كشريان حياة إنساني وحقل ألغام سياسي

يشكّل معبر رفح نقطة العبور الوحيدة غير الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بين غزة والعالم الخارجي ويقع في القرب من الطرف الجنوبي الشرقي لشبه جزيرة سيناء في مصر. بالنسبة لاقتصاد القطاع الخاص الفلسطيني، يعمل المعبر كممر تجاري حيوي. وبالنسبة لمصر، فقد أتاح فرصاً تجارية هامشية. وقد استخدمته حكومة القاهرة كـأداة ضغط يخضع لرقابة صارمة لعقود من الزمن ويتم فتحه وإغلاقه بناءً على الاعتبارات السياسات الداخلية والمواقف الدبلوماسية والتقديرات الأمنية.

علاوة على ذلك، أصبح معبر رفح تحدياً محورياً لمسؤوليات مصر الإقليمية ولهواجسها الأمنية الداخلية. وضعت الحكومة المصرية رفح في موقع مركز للإغاثة الإنسانية بدلاً من أن تكون ملجأ جماعياً مباشرًا بعد بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في العام 2023. لذلك، سمحت القاهرة لعدد محدود من قوافل الإغاثة بالدخول إلى غزة بالتعاون مع الأمم المتحدة والهلال الأحمر المصري والجهات المانحة من دول الخليج مثل قطر والإمارات العربية المتحدة.

بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 وأيار/ مايو 2024، دخل أكثر من 80 في المئة من الإمدادات الإنسانية التي وصلت إلى غزة عبر مصر، حتى شهر أيار/مايو 2024، عندما نفذت القوات الإسرائيلية توغلات برية في الجانب الغزاوي من معبر رفح.

وفيما بررته إسرائيل بكونه ضرورة تكتيكية لتدمير البنية التحتية لحماس، اعتُبِرَ الاستيلاء على المعبر إهانة صريحة للسيطرة اللوجستية المصرية. ومع تقويض دورها كوسيط أساسي للوصول الإنساني، اتهمت القاهرة إسرائيل بخرق اتفاقيات طويلة الأمد وتغيير قواعد التنسيق الإنساني بشكل أحادي. وفي غضون ساعات، أغلقت مصر جانبها من المعبر.

حذرت وكالات الأمم المتحدة من وضع كارثي في غزة، حيث شارفت الأدوية والوقود على النفاد تماماً. وعلى الرغم من الجهود المكثفة التي بذلها الدبلوماسيون الغربيون والعرب لإيجاد حل بديل لإعادة فتح المعبر، رفضت مصر فتح رفح مجدداً حتى تتمكن من ذلك دون أن يُنظر إليها على أنها حليف في حملة إسرائيل الجنوبية. وعلاوة على ذلك، ومن أجل منع نزوح الفلسطينيين إلى أراضيها، دعا المسؤولون المصريون بدلاً من ذلك إلى إنشاء نظام لتوزيع المساعدات يكون مراقباً دولياً.

أظهرت التحليلات الطارئة أن مصر تفتقر إلى الموارد اللازمة لاستقبال عدد كبير من اللاجئين الغزاويين. وحتى المساعدة المحدودة للنازحين في سيناء قد تكلف مئات الملايين من الدولارات وفقاً لتقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أيار/ مايو 2024 وهي أموال لا تملكها القاهرة ببساطة.

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر ليست مستعدة لتوفير الإسكان الطارئ وتوزيع الغذاء والبنية التحتية للرعاية الصحية والتعليم اللازمة لاستضافة 100 ألف نازح فلسطيني. وحذر السيسي في عدد من التصريحات العلنية من أن إعادة توطين الفلسطينيين في سيناء من شأنه أن “يصفي القضية الفلسطينية” وينتهك السيادة المصرية.

وبصرف النظر عن المخاطر الأمنية، ينبع اعتراض القاهرة على النزوح الجماعي لسكان غزة إلى الأراضي المصرية من خوف معقد ومتعدد الأوجه يتمثل في أن السماح بتدفق جماعي هائل للغزاويين إلى سيناء قد يصبح سمة طويلة الأمد أو جانباً ثانوياً من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبالتالي، ركزت الحكومة المصرية في العام 2024 على بناء منطقة عازلة كبيرة وجديدة على طول حدودها مع غزة. وتقع هذه المنطقة بالقرب من معبر رفح وتمتد عدة كيلومترات في شمال سيناء. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها شركة التكنولوجيا الأمريكية Ventor التي كانت تُعرف سابقاً باسم Maxar Technologies، وأكدها مسؤولون مصريون، أرضاً مجرفة وبنية تحتية مشيدة حديثاً.

اللاجئون والخدمات الاجتماعية والضغوط على سيناء

على الرغم من الجهود الوطنية لكبح تدفقات اللاجئين، دخل أكثر من 100 ألف فلسطيني إلى مصر بين تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحزيران/ يونيو 2025، إما عبر مسارات غير رسمية أو بتصاريح خاصة لتلبية الاحتياجات الإنسانية أو لم شمل العائلات أو الرعاية الطبية. واستقرت الغالبية العظمى في شمال سيناء، وتحديداً حول مدينتي رفح والعريش.

وجد تقييم سريع مشترك بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبرنامج الأغذية العالمي في أيار/ مايو 2024 أن تدفق النازحين ساهم في زيادة انعدام الأمن الغذائي بأكثر من 40 في المئة في المحافظات الحدودية. وبناءً على التقديرات الأولية للمحللين، فإن توفير الخدمات الأساسية لهذا العدد الهائل من اللاجئين سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لمصر بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بالاستثمار الرأسمالي في البنية التحتية أو تكاليف الاندماج طويلة الأجل.

مع عجز مالي يتجاوز خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي ومع خدمة دين تستحوذ على ثلث إيراداتها الوطنية فانكشاف البلاد الاقتصادي المباشر على الإجراءات العسكرية الإسرائيلية على مدى العامين الماضيين أصغر من انكشاف فلسطين ولبنان وسوريا.

وفي حين تلقت مصر بعض المساعدات والدعم اللوجستي من دول الخليج والوكالات الدولية، لم يتم إنشاء أي آلية تمويل طويلة الأجل. وفيما يتعلق بمقترحات إعادة توطين سكان غزة، لا يمكن لأي مبلغ أن يبدد عدم شرعية مثل هذه الإجراءات ولا يُنظر إليه كحل من قبل الحكومة. وقد أعاد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد في مقابلة أُجريت في العام 2025 مع شبكة CNN على أن يمثل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ‘خطاً أحمر’، ولن تسمح القاهرة لأي أحد أن يعرّض تعريض أمن مصر القومي أو سيادتها للخطر.”

قناة السويس والتضخم والعملة الأجنبية

تُعد قناة السويس، بالنسبة لمصر، أصلاً وطنياً ومكوناً حيوياً لاستدامتها الاقتصادية. فهي تدرّ أكثر من 9 مليارات دولار كإيرادات سنوية، ولطالما مثلت مصدراً هاماً للعملات الأجنبية للحكومة. وكونها مساراً لحوالي 12 في المئة من التجارة العالمية وحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر فإنها تسلط الضوء أيضاً على موقع مصر الاستراتيجي في طرق التجارة البحرية.

لكن حرب غزة أضعفت هذه الميزة الاستراتيجية. فقد كان تعطيل حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر أحد أكثر الآثار المباشرة والمكلفة للتصعيد الإقليمي على مصر. دفعت هجمات الحوثيين شركات الشحن الدولية إلى تحويل مسار سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس. ونتيجة لذلك، انخفضت الإيرادات على أساس سنوي بنحو 47 في المئة في تشرين الثاني/ يناير 2024 وتراجعت حركة المرور البحرية بنسبة 30 في المئة. وتمثل هذه الأرقام أكبر انخفاض في إيرادات القناة منذ أكثر من عشر سنوات؛ حيث أوقفت شركات شحن دولية كبرى مثلMaersk وHapag-Lloyd عمليات العبور في البحر الأحمر.

كانت العواقب فورية. وجدت مصر نفسها في مأزق مالي لأنها اعتمدت على الحركة المستمرة عبر قناة السويس لتوفير الوظائف والعملة الأجنبية على طول ممر القناة. وبناءً على الأرباح المتوقعة في ظل الظروف العادية، قُدِّرت الخسائر التراكمية خلال النصف الأول من العام 2024 بأكثر من 6 مليارات دولار.

جاء هذا الحدث السلبي في فترة ضعف اقتصادي بالنسبة لمصر، حيث كانت تعاني من مستويات عالية من الدين الخارجي، وتفاقم العجز التجاري، وضغوط تضخمية. وفقاً للتقييم السريع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بلغ التضخم 23.5 في المئة في العام 2023 ومن المتوقع أن يصل إلى 32 في المئة في العام التالي. بالإضافة إلى ذلك، سمح البنك المركزي في آذار/ مارس 2024 للجنيه المصري بالتعويم الحر وفقاً للمبادئ التوجيهية التي وضعها صندوق النقد الدولي، مما أدى إلى انخفاض في قيمته بنحو 60 في المئة تقريباً وتلا ذلك ارتفاع حاد في تكلفة الوقود والسلع المستوردة والسلع الغذائية الأساسية.

اتفاق صندوق النقد الدولي والخانق المالي لمصر

تمت زيادة الالتزامات المترتبة على مصر تجاه صندوق النقد الدولي (IMF) مما أدى إلى زيادة الضغط على استقلالها الاقتصادي. كانت البلاد قد وقعت مع صندوق النقد الدولي على تسهيل ائتماني ممدّد بقيمة 3 مليارات دولار في كانون الأول/ ديسمبر 2022 لتحقيق الاستقرار في هيكلها الاقتصادي الكلي.

ومع ذلك، تم توسيع المبادرة بشكل كبير نتيجة الصدمات السلبية كالصراع في غزة وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر وما يرتبط بها من خسائر في الإيرادات. وبموجب الاتفاقية المحدّثة، التزمت مصر بمسار أكثر صرامة لـلضبط المالي يشمل تخفيض عجز الموازنة والسماح بمرونة سعر الصرف وإلغاء الدعم غير الموجه (لغير المستحقين).

غير أن العائدات قد تقيدت بشدة بسبب الاضطراب الجيوسياسي وتخفيض قيمة العملة وحذر المستثمرين العالميين. فالدول التي كانت مستعدة سابقاً لتقديم الدعم المالي لمصر كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اتخذت موقف “الانتظار والترقب” وحثت القاهرة على زيادة الشفافية قبل اتخاذ أي التزامات.

وفي تقييم صادر في تموز/يوليو 2024، أشاد صندوق النقد الدولي بجهود القاهرة لكنه حذر من أن تزايد نقاط الضعف الخارجية وعدم اليقين الجيوسياسي يمكن أن يُعرقل البرنامج. وتفرض استراتيجية مصر الجيوسياسية قيوداً ضمنية ولكنها ثابتة لأن اتفاقيات صندوق النقد الدولي واستثمارات دول الخليج ستكون مُهدَّدة إذا استضافت مصر لاجئين فلسطينيين قد يكونون مقربين من حماس. ففي نهاية المطاف، تعزّز التفاصيل الجيوسياسية الدقيقة التي تأتي مع كل دولار من المساعدات الخارجية بالإضافة إلى جداول بيانات صندوق النقد الدولي القيود المالية المفروضة على مصر.

علاوة على ذلك، أمست الإصلاحات أكثر تكلفة من الناحية السياسية. فقد أثار رفع الدعم عن الغذاء والوقود غضباً شعبياً في الوقت الذي كان فيه التضخم يضغط على الأسر. وعلى الرغم من ضغوط صندوق النقد الدولي، أجّلت الحكومة جولات متعددة من تخفيضات الدعم التي كانت مقررة حتى منتصف العام 2024. وقد زاد الإعلان عن تدابير حماية اجتماعية جديدة وزيادة الأجور لموظفي القطاع العام من الضغط على التوازن المالي.

الآثار على قطاع السياحة والتجارة والطاقة

على الرغم من بُعد مصر جغرافياً عن مركز الصراع، فقد أثرت حدودها مع غزة وهجمات البحر الأحمر والتغطية الإعلامية الواسعة على وجهة السفر الآمنة في الأشهر الأولى من الحرب. وقد يؤثر الاضطراب الإقليمي بشدة على السياحة التي كانت لا تزال تتعافى من جائحة كورونا. ومع ذلك، أفاد المجلس العالمي للسفر والسياحة بشهود العام 2024 أعلى نسبة مساهمة للسياحة في الاقتصاد المصري مع توقعات بأن يصل العام 2025 إلى مستويات جديدة. وحتى كتابة هذا المقال، تظل السياحة ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني حيث تمثل حوالي 8.5 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي.

واجهت قطاعات اللوجستيات والتجارة سلسلة من التحديات. وكما ذُكر أعلاه، انخفضت حركة مرور الحاويات عبر قناة السويس بشكل كبير حيث أدت هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى جعل الطرق غير آمنة. وخارج منطقة الشحن العابر، عانى المصدرون من تأخيرات هددت اتفاقيات التوريد وتأثر المستوردون بشكل غير متناسب بارتفاع تكاليف الشحن. وارتفعت التكاليف اللوجستية والشحن بشكل عام بسبب ارتفاع أقساط التأمين حيث قدّر بعض الخبراء أن التكاليف المضافة لكل سفينة شحن كبيرة محوّلة المسار لا تصل إلى ملايين الدولارات فحسب بل تؤدي أيضاً إلى موازين مناخية أكثر سلبية.

في قطاع الطاقة، عززت مصر علاقاتها مع إسرائيل على الرغم من تنامي المشاعر المعادية لإسرائيل والغضب العام الذي أعقب حرب غزة. ووقعت القاهرة والشركة الإسرائيلية NewMedصفقة تاريخية بقيمة 35 مليار دولار في آب/ أغسطس من العام 2025 لمضاعفة إمدادات الغاز ثلاث مرات من حقل ليفياثان (Leviathan) البحري الإسرائيلي. ويأتي هذا الترتيب في الوقت الذي انخفض فيه إنتاج الغاز المحلي في مصر بأكثر من 40 في المئة منذ العام 2021 مما زاد الاعتماد على الواردات في وقت تنخفض فيه احتياطياتها الأجنبية.

كما ارتفعت تكاليف دعم البنزين مع ارتفاع أسعار النفط العالمية. وتبقى مصر مستورداً صافياً للطاقة. وحالياً، تجمع أكثر من نصف وارداتها وما يصل إلى 20 في المئة من استهلاكها الإجمالي من الغاز الإسرائيلي. وبالإضافة إلى توفير شريان حياة اقتصادي موقت عن طريق الحد من نقص الطاقة وتثبيت الأسعار، يمثل الاتفاق استثماراً استراتيجياً طويل الأجل للقاهرة في التكامل الإقليمي بدلاً من الانقسام السياسي الرمزي الذي يفسره المراقبون كدليل على الأهمية الطويلة الأجل للاتفاقيات الموقعة منذ العام 2020 من قبل دول أخرى في الخليج وشمال أفريقيا (البحرين والإمارات والمغرب والسودان) مع إسرائيل والمعروفة باسم “اتفاقيات إبراهيم”.

 سلوكيات المستهلك المفاجئة وتأثيرات العمالة السائبة

في إطار استجابات المستهلك المصري، أدى صراع غزة إلى مقاطعة واسعة النطاق للشركات الغربية والشركات التي يُعتقد أنها تابعة لإسرائيل. وللحركة تداعيات اقتصادية ملحوظة على الرغم من كونها وسيلة أساسية للتعبير عن الرأي العام والموقف السياسي. ساهمت المقاطعة على الشركات الدولية في نمو الشركات المصرية المحلية لا سيما في قطاع الغذاء والمشروبات. وتشير التقارير استفادة أكثر من 100 شركة محلية من اختيار المستهلكين للمنتجات المحلية.

تتماشى المعارضة هذه للتدخلات الإسرائيلية في غزة مع أهداف مصر الكبرى المتّجهة نحو التوطين والتصنيع التي تشجع الإنتاج المحلي على الرغم من الشكوك المتكررة حول قابلية التوسع على المدى الطويل والقدرة التنافسية العالمية. ومع ذلك، فإن التأثير الاقتصادي ليس إيجابياً بالكامل. فالعديد من الشركات التي تمت مقاطعتها هي جهات توظيف رئيسية، مما يثير مخاوف من أن يؤدي الانخفاض المفاجئ في المبيعات إلى فقدان الوظائف أو انتهاك حقوق العمال. وهذا يسلط الضوء على كيف يمكن للنشاط الاستهلاكي أن يؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاضطرابات المدنية في بلد يواجه بالفعل ارتفاعاً في معدلات البطالة والضغوط المالية.

أثرت تكاليف عملية حماس في إسرائيل في تشرين الأوّل/أكتوبر من العام 2023 وعامان من التدمير الشامل للمنازل في القطاع والمواجهات الإقليمية الأوسع نطاقاً بشكل ملموس على مصر لكنها أقل من الأعباء التي خلقها أربعون عاماً من السياسات الاقتصادية المتقلبة للبلاد.

تشرف هيئة مؤقتة دولية تدعى مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية على السيناريو النظري لما بعد الصراع المتمثل في إعادة إعمار غزة تحت نظام حكومة فلسطينية انتقالية. سيكون له أعباء وفوائد على حد سواء على الاقتصاد المصري. يمكن أن يستمر هذا التأثير في مجالات تتراوح بين رعاية اللاجئين وإيرادات قناة السويس وعائدات السياحة والعمل كبوابة لتوصيل المساعدات الإنسانية والتجارة وإعادة الإعمار.

من المرجح أن تشمل عوامل التكلفة المحلية الحفاظ على الاضطرابات الداخلية تحت السيطرة. علاوة على ذلك، يجب اعتبار التداعيات الاجتماعية المحلية وتداعيات السمعة العالمية لتشغيل جهاز دولة يعتبره منظمات الدعوة الحقوقية المدنية الدولية جهازاً قمعياً جزءاً من تأثير جانبي غير معروف لصراعات العصر الحديث حول فلسطين.

You may also like