Home الاقتصاد والسياسةخراب اقتصادي

خراب اقتصادي
ARFREN

وتباين متسارع بين إسرائيل وفلسطين

by Maryam Alaouie

تُعدّ حرب إسرائيل على غزة كارثة جيوسياسية وجودية إذ تشير البيانات إلى مقتل ٧١٢٦٦ فلسطينيًا في غزة و١٦٧١ إسرائيليًا خلال أقل من ثلاث سنوات حتى كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٥ وذلك وفقًا للتحديث رقم ٣٥١ حول الوضع الإنساني الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حيث إنّ هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية غير المسبوقة وبالتالي تُبرز خطورة التصعيد المستمر. بالإضافة إلى ذلك، يوثق تقرير الوضع الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٥ عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى مقتل ما مجموعه ١٠٤٨ فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ الأمر الذي يعكس اتساع رقعة العنف خارج قطاع غزة أيضًا.

ومنذ ٧ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣، أثّرت هذه الحرب المرتفعة الكلفة بشكل كبير على الاقتصاد الإسرائيلي من دون أن تؤدي إلى انهيار مفرط حيث بقيت إسرائيل مدرجة كثالث أفضل اقتصاد ضمن تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ٢٠٢٥ بحسب مجلة ذي إيكونوميست The Economist  كما أوردت المجلة البريطانية غلوبس Globes، في المقابل أدّت هذه الحرب إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني بشكل شبه كامل. وفي هذا السياق، رأت محكمة العدل الدولية في كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٤ أنّ من “المعقول” اعتبار أنّ إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، كما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر في أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٥ إلى أنّ إسرائيل ارتكبت ولا تزال ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، إذ تُعرّف اتفاقية ١٩٤٨ للإبادة الجماعية هذا الفعل بأنّه “نية تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا.” وعلى الرغم من ذلك، تؤكد الحكومة الإسرائيلية أنّها تدافع عن نفسها في مواجهة الهجمات التي أودت بحياة نحو ١٢٠٠ إسرائيلي في ٧ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣.

ضربة كبيرة من دون شللٍ كامل

أفضت حرب غزة إلى انكماشٍ واضح في اقتصاد الكيانين، غير أنّ النتائج تبقى غير قابلة للمقارنة بين الطرفين. في نهاية العام ٢٠٢٥، يشهد الاقتصاد الإسرائيلي اضطرابًا كبيرًا في النشاط الاقتصادي بفعل الحرب، لكن هذا الاضطراب يترافق، مع ذلك، مع استمرار النمو الاقتصادي. ووفقًا لبيانات آفاق الاقتصاد العالمي الصادرة عن صندوق النقد الدولي للعام ٢٠٢٥، يُتوقع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي ٥٨٠ مليار دولار، وأن يصل معدل التضخم إلى ٣.٢ في المئة كما يُنتظر أن يرتدّ النمو الحقيقي إلى ٢.٥ في المئة في العام ٢٠٢٥ وأن يبلغ ٣.٩ في المئة في العام ٢٠٢٦، مقارنة بالعام ٢٠٢٤ حين سجل ١ في المئة فقط، وهو أدنى مستوى خلال عقدين. كذلك، توقعت تقديرات بنك إسرائيل الصادرة في نيسان/ أبريل ٢٠٢٥ أن يتوسع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٣.٥ في المئة في العام ٢٠٢٥ وبنحو ٤.٠ في المئة في العام ٢٠٢٦، وهو ما يعكس انتعاشًا في الاستهلاك الخاص وفي الاستثمار، على الرغم من استمرار المخاطر المرتبطة بالنزاع.

بلغت حصيلة القتلى ٢١٤٢ من المدنيين والجنود، قُتل معظمهم خلال هجمات حماس العشوائية في ٧ تشرين الأول/ أكتوبر، كذلك سُجلت إصابة مزعومة لأكثر من ٨٠٠٠ شخص على امتداد ثلاثة أعوام. ومع اقتراب نهاية تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣، قدّر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش كلفة الحرب اليومية بنحو ٢٦٠ مليون دولار في اليوم وهو رقمٌ قد ارتفع بصورة حادة مع اتساع نطاق الحرب وتصاعد حدتها وتعدد جبهاتها، أي الحروب المتزامنة، في محطات عديدة خلال فترة الأعوام الثلاثة. وفي ٣٠ أيار/ مايو ٢٠٢٤، أفاد محافظ البنك المركزي الإسرائيلي أمير يارون بأنّ كلفة الدفاع والكلفة المدنية للحرب على غزة ستبلغ ٦٨ مليار دولار بحلول العام ٢٠٢٥، وهو رقم لا يعكس بعدُ الكلفة الاقتصادية الإجمالية لحربٍ متعددة الجبهات.

تختبئ خلف تلك الأرقام حكايةُ دولةٍ خاضت حربًا مُثقلةً ماليًا، لكنها تواصل مع ذلك تسجيل نمو. ويبدو أنّ العامل الأبرز في صمود الاقتصاد الإسرائيلي يتمثل في الدعم الأميركي السياسي والعسكري بما لا يقل عن ٢١٫٧ مليار دولار بين تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ وأيلول/ سبتمبر ٢٠٢٥، وفق تقرير صدر في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٥ عن معهد كوينسي للحكم الرشيد ومشروع كلفة الحرب في جامعة براون. ويشير التقرير إلى أنّ هذا الرقم لا يشمل «عشرات مليارات الدولارات من اتفاقات بيع الأسلحة التي التُزم بها لأسلحة وخدمات» لم تُسلّم بعد. ومع أنّ هذه الأرقام توحي بتعافٍ كلي بطيء، يظل من الضروري التنبيه إلى أنّ هذا التعافي بعيد عن أن يكون نموًا عضويًا، إذ تدفعه بدرجة كبيرة نفقات الحكومة والدفاع، وبالتالي يغدو نموًا قابلًا للتآكل نسبيًا. وعلى الرغم من أنّ الاقتصاد الإسرائيلي لم يشهد انهيارًا ويعود ذلك أساسًا إلى النمو الذي يشهده قطاع التكنولوجيا، بقيت حرب غزة باهظةً بما يكفي لتوليد مخاطر زعزعةٍ اقتصادية متوسطة الأجل وتوسيع فجواتٍ بين القطاعات، بعدما تراجعت قطاعات عديدة تراجعًا حادًا بسبب الأعباء العسكرية والمالية التي تفرضها الحرب.

ميزانية الاحتلال

تراكمت، كما شددت محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة على امتداد الحرب، انتهاكات لا تُحصى للقانون الدولي والقانون الإنساني ارتكبتها إسرائيل، بما يرفع الكلفة الاقتصادية والسياسية إلى مستوياتٍ عالية. وأفاد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، وهو جهة دولية تُعنى بتجميع بيانات الصراعات وإنفاق التسلح، في نيسان/ أبريل ٢٠٢٥ بأنّ «العبء العسكري العالمي»، أي حصة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفع إلى ٢٫٥ في المئة في العام ٢٠٢٤. أمّا في إسرائيل، فقفز الإنفاق العسكري بنسبة ٦٥ في المئة ليبلغ ٤٦٫٥ مليار دولار في العام ٢٠٢٤، أي ما يعادل ٨٫٨ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما وصفه المعهد بأنه «أشد زيادة سنوية منذ حرب الأيام الستة في العام ١٩٧٦».

أعلن أمير يارون في آذار/ مارس ٢٠٢٥ في خلال مؤتمر صحفي في القدس، أنّ «الحرب تثبت مرةً أخرى الأهمية الحاسمة لانخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نسبيًا، بما يعزز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات». غير أنّ الدين العام في إسرائيل بلغ قرابة ٧١ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع عجز عند ٥ في المئة، وفق تقديرات بنك إسرائيل.

تتحول الإزاحة السكانية خلال الحرب إلى واقع ملازم لكثيرين، كما تصبح واقعًا مكلفًا. وتتمثل كتلة كبيرة من الإنفاق المالي المباشر للحكومة في تعويضات واستبدال الدخل لأكثر من ٣٠٠٬٠٠٠ من جنود الاحتياط الإسرائيليين الذين جرى استدعاؤهم منذ بدء الحرب. وتنفق الحكومة أيضًا على إيواء الجنود وإطعامهم، ما يرفع الكلفة إلى نحو ٦٠٠ مليون شيكل يوميًا، أي ١٥٨ مليون دولار، وفق وزارة المالية. وتُحدث إزاحة هؤلاء الاحتياطيين كذلك فجوةً في القوى العاملة ضمن صناعاتهم، فتُعطل خطوط إنتاج عدة. ويبلغ مشروع الموازنة العسكرية المتوقعة للعام ٢٠٢٥، والذي أُعلن في آذار/ مارس ٢٠٢٤ بحسب وزارة الدفاع، ١١٨ مليار شيكل أي ٣١ مليار دولار، وهو ضعف ما خُصص للعام ٢٠٢٣. ولن تعزز هذه الأرقام قطاعات الجيش والأمن فحسب، بل ستترافق أيضًا مع اقتطاعات في قطاعات أخرى بما ينعكس في نهاية المطاف مباشرةً على مسار النمو الاقتصادي العام.

بالإضافة إلى تعويضات جنود الاحتياط، دفعت إسرائيل أيضًا تعويضات لنحو ٦٠٠٠٠ من سكان الشمال الذين أُجلوا بسبب الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وكذلك لنحو ١٦٤٠٠٠ نازح في الجنوب بسبب حرب غزة. وعلى الرغم من أنّ العدد الإجمالي للسكان النازحين في الشمال تجاوز ٦٠٠٠٠، إلى جانب نحو ١٦٤٠٠٠ نازح في الجنوب، فإنّ الذين أُجلوا رسميًا حصلوا على مساعدات معيشية وبدلات إيجار وتعويضات عن الأضرار والخسائر في إيرادات الأعمال، وذلك عبر سلطة الضرائب الإسرائيلية. وقدمت السلطات كذلك حوافز لعودة السكان إلى أماكن عملهم السابقة.

تشققات في قطاع البناء

خلّفت الحرب على غزة تداعيات كبيرة على قطاع البناء الإسرائيلي خاصة البناء السكني منها. وقبل تقييم حجم هذه الخسائر وطبيعتها، تبرز أهمية وضع هذه الصناعة في سياقها البنيوي والسياسي الأوسع. فقد واصلت الحكومة الإسرائيلية تخصيص أموال كبيرة لتوسيع المستوطنات ولتطوير البنية التحتية في الضفة الغربية المحتلة، وذلك في إطار الموازنة المالية للعام ٢٠٢٥ والخطط المتعددة السنوات المرتبطة بها. وفي تموز/ يوليو ٢٠٢٥، وافقت الحكومة على تخصيص ٩١٨ مليون شيكل أي نحو ٢٧٥ مليون دولار، لمشاريع البنية التحتية الخاصة بالمستوطنات وهو قرار عُرض على لجنة المال في الكنيست من قبل وزيرة النقل ميري ريغيف ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش. علاوة على ذلك، خصص وزير المالية سموتريتش في كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٥ خطة أوسع بقيمة ٢.٧ مليار شيكل، أي ما يقارب ٨٤٣ مليون دولار، على مدى السنوات الخمس التالية، وذلك من أجل توسيع المجتمعات الاستيطانية وتعزيزها وتطوير البنية التحتية وتسجيل الأراضي والخدمات المرتبطة بها خارج الخط الأخضر، وهي حزمة تناولتها وسائل إعلام إسرائيلية استنادًا إلى توجيهات رسمية للموازنة وإلى تصريحات صادرة عن مكتب سموتريتش. وبحلول نهاية العام ٢٠٢٤، أفاد مجلس يشع الإسرائيلي بأن عدد المستوطنين تجاوز ٥٠٠٠٠٠. وتُنفذ هذه الأنشطة في أرض خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في ١٩ تموز/ يوليو ٢٠٢٤، إلى أنها ترزح تحت احتلال غير قانوني.

لم يشهد قطاع البناء انهيارًا كاملًا عقب اندلاع الحرب لكنه تأثر تأثرًا بالغًا بنقص اليد العاملة. وبرز عاملٌ رئيسي تمثل في التراجع الحاد في توافر العمال الفلسطينيين، نظرًا لقرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣ بتقييد دخولهم إلى إسرائيل وإغلاق المعابر من الضفة الغربية المحتلة. وأدى هذا الاضطراب إلى عجزٍ حاد في القوى العاملة. وفي كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٣، قدّر وزير المالية الإسرائيلي الخسائر الاقتصادية اليومية بنحو ٨٣٠ مليون دولار بما يظهر اعتماد القطاع على العمالة الفلسطينية. ومنذ بدء الحرب، عُلقت أو أُغلقت مؤقتًا مواقع بناء ومشاريع سكنية عديدة مع الإشارة إلى اعتبارات أمنية وإلى إعادة تخصيص الموارد لمتطلباتٍ مرتبطة بالدفاع. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء في إسرائيل، بلغت نسبة مواقع بناء المساكن غير النشطة في تل أبيب ٤١ في المئة بحلول الربع الأول من العام ٢٠٢٤. وعلى الرغم من استمرار اهتمام المستثمرين استنادًا إلى فرضية صمود الاقتصاد الإسرائيلي، قيّدت مستويات مرتفعة من عدم اليقين الأمني والتنظيمي تطوير العقارات وأخّرت قرارات الاستثمار.

اضطراب في السياحة

تراجع السفر إلى إسرائيل تراجعًا حادًا بعد اندلاع الحرب على غزة، إذ ضغطت مخاطر الأمن المتصاعدة وعدم الاستقرار الإقليمي وتحذيرات السفر الدولية بقوة على الطلب السياحي. وبالتوازي، تعرضت صورة إسرائيل عالميًا لتدقيقٍ متزايد بسبب سلوك الحرب، ما أسهم في آثارٍ تتعلق بالسمعة قد تكون بدورها قد نفّرت السفر الترفيهي. وأعلنت وزارة السياحة الإسرائيلية انخفاضًا بنسبة ٩٠ في المئة في أعداد السياح الدوليين في العام ٢٠٢٤ مقارنةً بالعام السابق، إذ هبطت الوافدات إلى نحو ٨٨٠٬٠٠٠ بعد أن كانت ٢٫٩٥ مليون في العام ٢٠٢٣، وهي مستويات لم تُسجل منذ أكثر من عقد.

قلّص هذا الانكماش في السياحة الوافدة الإيرادات عبر منظومة الضيافة الأوسع بما يشمل شركات الطيران العاملة إلى إسرائيل والفنادق ومرافق الترفيه. وبحسب وزارة السياحة، بلغت الخسائر التراكمية في قطاع السياحة نحو ٣٫٤ مليار دولار بحلول نهاية العام ٢٠٢٤. وعلى الرغم من تخفيف السياحة الداخلية جزء من حدة التراجع، تبقى قدرتها على تثبيت القطاع محدودة، كما تظل شديدة الارتهان لتطورات البيئة الأمنية والدبلوماسية في الإقليم.

إنعاش قطاع التكنولوجيا الاقتصاد

ثبتت الأقسام السابقة أنّ الاقتصاد الإسرائيلي يواصل إظهار قدرٍ من الصمود. ويأتي قطاع التكنولوجيا في صلب دوافع هذا الصمود. فبحسب هيئة الابتكار الإسرائيلية (IIA)، شكّل قطاع التكنولوجيا قرابة ٢٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠٢٣ بإنتاجٍ سنوي يقارب ٨٥ مليار دولار مسهمًا بأكثر من نصف صادرات البلاد. وأتاحت هذه القدرة الاقتصادية لشركات غوغل ومايكروسوفت وأمازون تأسيس مراكز أبحاث وتطوير في إسرائيل في تل أبيب وحيفا خلال العقد الماضي. ويؤدي هذا القطاع بما أنه ركيزة محورية للاقتصاد الإسرائيلي دورًا مؤثرًا في مشهد الابتكار العالمي بفضل التصنيع المتقدم والبحث والتطوير على مستوى العالم.

يظل القطاع قائمًا على أرضٍ صلبة غير أنّ الحرب على غزة أبطأت نموه بسبب استنزاف القوى العاملة وبطء الاستثمار وتراجع وتيرة تأسيس الشركات الناشئة بالإضافة إلى تردد الأسواق الدولية. ففي العام ٢٠٢٢، بلغ عدد العاملين النشطين في قطاع التكنولوجيا في إسرائيل ٥٠٨٤٤٠ موظفًا. وأشارت هيئة الابتكار الإسرائيلية إلى أنّ هذا العدد انخفض إلى ٣٩٠٨٤٧ موظفًا في العام ٢٠٢٤ بعد بدء الحرب على غزة. ومع ذلك، وكما ذُكر أعلاه، شكّلت المكونات الرئيسية للقطاع أي الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الطبية والتكنولوجيا المالية قرابة ٢٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب إلا أنّ هذه الحصة تراجعت لتصل إلى ١٧ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠٢٤.

ينزف قطاع التكنولوجيا من جهة، لكنه يزدهر من جهة أخرى. فعلى الرغم من تراجع الاستثمارات، يظل من المهم التنبيه إلى أنّ شركات التكنولوجيا الإسرائيلية شهدت خلال العام ٢٠٢٥ سوقًا قويًا استثنائيًا لعمليات الاندماج والاستحواذ، إذ بلغت ٧١ مليار دولار أي خمسة أضعاف ما كانت عليه في العام ٢٠٢٤، بحسب أفـي حسّون الرئيس التنفيذي لمؤسسة ستارت أب نايشن سنترال في تصريح له في أيار/ مايو ٢٠٢٥ إذ قال: «نرى جولات تمويل أقل، لكن بأحجام قياسية، ما يشير إلى ثقةٍ بشركات جاهزة للتوسع. وفي الوقت نفسه، يقوم مشترون عالميون بأجرأ الرهانات التي رأيناها على الإطلاق على التكنولوجيا الإسرائيلية، ولا سيما في الأمن السيبراني». وعملت الحكومة الإسرائيلية بكثافة على أدواتها الوطنية والدولية في الأمن السيبراني، ويُستخدم كثيرٌ منها لدعم الدعاية وصناعة حملات التأثير.

كلفة حملة تجميل الصورة

أثر اعتراف الأمم المتحدة بحرب إسرائيل على غزة بوصفها إبادة جماعية، مع مقتل أكثر من ٧٠٠٠٠ فلسطيني في غزة وتضرر أو تدمير ٩٢ في المئة من المباني السكنية في غزة، وفق تقديرٍ للأمم المتحدة حتى نيسان/ أبريل ٢٠٢٥، سلبًا على مكانة إسرائيل عالميًا. وسعيًا إلى تعزيز صورتها في الداخل والخارج، استثمرت إسرائيل مبالغ كبيرة في البروباغاندا لتخفيف العزلة الاقتصادية ومخاطر السمعة التي تواجهها. وفي أواخر العام ٢٠٢٤ ومطلع العام ٢٠٢٥، أقرت الحكومة الإسرائيلية زيادة كبيرة في موازنة البروباغاندا المعروفة بالعبرية باسم «هاسبارا» التي تترجم إلى الانكليزية “شرح” مخصّصةً مبلغًا إضافيًا قدره ١٥٠ مليون دولار، أي نحو ٥٤٥ مليون شيكل لصالح وزارة الخارجية لهذه الجهود. ويمثل هذا المبلغ زيادةً تتجاوز ٢٠ ضعفًا مقارنةً بالمخصصات السنوية السابقة للدبلوماسية العامة. وأفادت كذلك وكالة الإعلان الحكومية الإسرائيلية بإنفاق ١٢٠٫٥ مليون دولار في العام ٢٠٢٤ على إعلانات غوغل المموّلة. وذكر تقرير لوكالة أنباء الأناضول التركية أنّ مكتب الإعلانات الحكومي الإسرائيلي أنفق في حزيران/ يونيو ٢٠٢٥ مبلغ ٥٠ مليون دولار على منصة إكس وغوغل ومنصات أخرى لمواجهة السرديات المناهضة لإسرائيل وكذلك لمواجهة مواد إعلامية تهدف إلى كشف المجاعة وجرائم حرب مزعومة في غزة.

الكلفة في قطاع غزة

وصفت مجموعة البنك الدولي اقتصاد غزة بأنه «على وشك انهيار شبه كامل» إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ١٧ في المئة في الضفة الغربية حتى العام ٢٠٢٤ وبنسبة ٨٣ في المئة في غزة. وأفاد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد (UNCTAD) في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٥ بأنّ الناتج غزة المحلي الإجمالي بلغ ٣٦٢ مليون دولار في العام ٢٠٢٤ أي ١٦١ دولارًا للفرد. وإلى ذلك، بحسب صندوق النقد الدولي، كان الدين العام للسلطة الفلسطينية قبل الحرب عند ٥٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام ٢٠٢٢، ثم ارتفع بصورة حادة منذ بدء الحرب ليبلغ قرابة ٨٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول منتصف العام ٢٠٢٤.

أكد البنك الدولي مرارًا أنّ جمع البيانات في غزة يكاد يكون مستحيلًا لأنّ النشاط الاقتصادي قد توقف تقريبًا بشكلٍ كاملٍ. وقبل النزاع، كان يعتمد اقتصاد غزة بشكل أساسي على الصناعات الصغيرة وعلى الزراعة وعلى وظائف خدمية وكان يقيم بعضها في أراضٍ إسرائيلية.

قطاعات غزة الاقتصادية المُعطّلة

كان قطاع الخدمات أكبر مساهم في اقتصاد غزة قبل الحرب إذ كان يوفر نحو ٦٠ في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي شاملًا الرعاية الصحية والتعليم والإدارة العامة والنقل. ويعمل النظام الصحي في غزة في حالة انهيارٍ شبه تام تحت ضغط العمليات العسكرية المستمرة وتضرر البنية التحتية والقيود الحادة على الإمدادات (انظر إلى التقرير). وبحسب بيانٍ إخباري صادر عن منظمة الصحة العالمية في أيار/ مايو ٢٠٢٥، لا يزال ١٩ مستشفى من أصل ٣٦ في غزة يعمل جزئيًا ومن بينها ٧ لا تستطيع تقديم سوى خدمات طوارئ أساسية.

تعطّل نظام التعليم في غزة إلى حدٍ كبير بسبب النزاع مع أضرار جسيمة لحقت بالمدارس وإغلاق مطوّل ونزوح الطلاب والمعلمين. وأفادت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في شباط/ فبراير ٢٠٢٤ بأنّ ٥٦٣ مبنى مدرسيًا تعرض للقصف. ونتيجة لذلك، عطّل تعليق التعليم النظامي ومحدودية الوصول إلى بدائل التعلم مسار التعليم على نطاقٍ واسع.

تضررت الزراعة في غزة التي كانت تسهم بنحو ٦ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب على نحو بالغ. وأفادت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الفاو (FAO) في تقييمٍ صادر في آذار/ مارس ٢٠٢٥ بأنّ ٤٫٦ في المئة فقط من إجمالي الأراضي الزراعية في غزة بات متاحًا للزراعة في حين تضرر أكثر من ٨٠ في المئة منها تضررًا كاملًا.

تفككت المدارس والمستشفيات والأعمال إلى حدٍ كبير ومع ذلك زادت الحصارات الجزئية والكاملة الوضع تفاقمًا. وفي خلال حصار المساعدات الممتد من بداية آذار/ مارس ٢٠٢٥ حتى منتصف أيار/ مايو، ارتفعت أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية ارتفاعًا هائلًا إذ أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بتراوح سعر كيس واحد من الطحين بين ٣٠٠ و٥٠٠ دولار. وأعلنت الأمم المتحدة رسميًا وقوع مجاعة في غزة يوم الجمعة ٢٢ آب/ أغسطس عازيةً ذلك إلى «عرقلة منهجية» للمساعدات من قبل إسرائيل خلال أكثر من ٢٢ شهرًا من الحرب. وسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رفض النتائج واعتبر التقرير المدعوم من الأمم المتحدة “كذبًا محضًا”.

التداعيات الاجتماعية والاقتصادية
شهدت إسرائيل في أعقاب الحرب أزمة صحة نفسية غير مسبوقة. وأفادت وزارة الدفاع الإسرائيلية بأنّ عدد الذين تلقوا علاجًا نفسيًا في العام ٢٠٢٤ بسبب ارتفاع اضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب بنسبة ٤٢١ في المئة مقارنةً بالعام ٢٠٢٢. وأدى هذا الارتفاع في الطلب على مرافق الصحة النفسية إلى زيادة كبيرة في التمويل لتوسيع العيادات النفسية وخدمات الصحة النفسية في العام ٢٠٢٤. وقال رئيس قسم الصحة النفسية في وزارة الصحة غلعاد بودنهايمر في تصريحٍ في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٥: «خصصنا ٨٨٫٤ مليون دولار لخدمات الطب النفسي في العام ٢٠٢٤ و١٦٣٫٤ مليون دولار للعام ٢٠٢٥». وقدّرت دراسة أُجريت في تموز/ يوليو ٢٠٢٤ من قبل مؤسسة التمويل الاجتماعي في إسرائيل (SFI) وهي جمعية غير ربحية متعددة التخصصات للدراسات المُتعلقة بالمواد المُهلوسة أنّ العبء الاقتصادي لاضطراب ما بعد الصدمة وحده يُتوقع أن يصل إلى ٥٣ مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

أمّا في غزة، فأجرت منظمة الصحة العالمية بين ١٥ حزيران/ يونيو و١٥ آب/ أغسطس ٢٠٢٤ دراسة لتقييم انتشار القلق والتوتر والاكتئاب بين النازحين داخليًا في دير البلح وجنوب غزة ولا سيما أولئك الذين أُجبروا على العيش في خيام. وبلغ انتشار الاكتئاب والتوتر والقلق ٩٩٫٥ في المئة و٩٣٫٧ في المئة و٩٩٫٧ في المئة على التوالي مع الإشارة إلى ندرةٍ شديدة في بيانات الصحة النفسية المتاحة على مستوى السكان.

You may also like