تشابكت سرديتان عن التفكك الاقتصادي والدمار في رواية، منحازة بقسوة إلى السلبية، عن هوية لبنان الوطنية المكلومة. وتمثّل السردية المهيمنة انهيار السيولة والمالية وفرص العمل والاقتصاد النظامي وسبل العيش ومدّخرات الشيخوخة والضمان الاجتماعي، وذلك بسبب جذور تعود جزئيًا إلى ما يُقال إنه «مخطط بونزي» متعمّد صاغته أعلى الحلقات السياسية والمالية والاحتكارية في البلاد منذ التسعينيات. وتظهر في المقابل سردية أحدث عمرًا لكنها أشد فتكًا، تتمثل في التدمير المتعمّد للأصول اللبنانية وإلحاق خسائر اقتصادية قُدّرت بنحو ١٤ مليار دولار حتى ربيع ٢٠٢٥ فضلًا عن انتهاكات مُضرّة للسيادة اللبنانية استمرّت حتى وقت إعداد هذا التقرير بعد عام كامل على اتفاق “وقف إطلاق النار”.
ولا يزال الضرر الهائل الذي خلّفته دمار الحرب والانتهاكات المتواصلة على لبنان وعلى أرزاق اللبنانيين، والمنعكس في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٦٫٤ في المئة في ٢٠٢٤، لا يتجاوز جزءًا من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن سوء الإدارة المنهجي المحلي وإيذاء الذات. وإذا قُبلت فرضية تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٣٣ في المئة مجتمعة في ٢٠٢٠ و٢٠٢١، أمكن تقدير الحاجة إلى التعافي بنحو ٢٠ مليار دولار من الإنتاجية الاقتصادية، وبمضاعفات هذا الرقم لاستعادة الثروة الشعبية التي دُمّرت. ويظل تعويض هذه الأخيرة بهذا الحجم ممكنًا تصوّرًا فقط إذا قبلت الدولة مسؤوليتها عن التزاماتها المستحقة للمدّخرين عبر المصرف المركزي والمصارف التجارية. ومن دون مساءلة القطاع العام، يمكن تحويل الثروة المالية المدمّرة لدى القلة ولدى من كانوا نافذين سابقًا ولدى الحشود الهائلة من الفقراء فقرًا مضاعفًا ثلاث مرات ممّن عملوا وادّخروا لعقد واحد أو لأربعة عقود أو أكثر، إلى جبل دين تُسهّل إزالته «اقتطاعات» بعد انهيار القيمة النقدية بما يصل إلى ٩٩ في المئة.
وبذلك شهدت معادلة الاقتصاد اللبناني تصحيحًا قسريًا بالغ القسوة، نقل الصيغة بعيدًا عن نظام ريعي تدفعه المحسوبية وتمويل الدين المفرط للاستهلاك العام والنزعة الاستهلاكية الخاصة وشحّ الإنفاق الرأسمالي في غلاف خدماتي ضيق تهيمن عليه المصارف. وحاولت إدارة قصيرة العمر، تشكّلت في كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٠، ترجيح كفة السياسات نحو الاقتصاد الحقيقي، غير أن تلك المحاولة لم تدم إذ أُجهضت في أعقاب صدمة انفجار بيروت واستقالة مجلس الوزراء برئاسة حسن دياب.
من فوق الأنقاض
يظل أفق لبنان الاقتصادي هشًا على نحو حاد فيما يمتص البلد صدمات متراكبة مصدرها الانهيار المالي الممتد والدمار المرتبط بالنزاع. ووفقًا لتقييم الأضرار والاحتياجات السريع الصادر عن البنك الدولي، قُدّرت الكلفة الاقتصادية الإجمالية للنزاع بنحو ١٤ مليار دولار أميركي تقريبًا تشمل ٦٫٨ مليارات دولار من الأضرار المادية و٧٫٢ مليارات دولار من الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطّل النشاط وتراجع الإنتاجية وانقطاعات الخدمات. ومن المهم التنبيه إلى أن هذه الأرقام وُضعت على نحو محافظ صراحة، إذ يغطي التقييم فترة قدرها ٢٦ شهرًا ولا يتضمن أضرار أو خسائر تكبدتها البلاد خلال ٢٠٢٥ ما يعني أن العبء الاقتصادي الحقيقي بات، ونتيجة لذلك، أعلى ماديًا مما ورد. ويمكن جمع احتياجات التعافي المقدّرة بنحو ١١ مليار دولار قبل ٢٠٢٥ مع ديون عامة قائمة منذ سنوات الأزمة تتجاوز ٧٠ مليار دولار للوصول إلى تقدير تراكمي يتراوح بين ٨٠ و٩٠ مليار دولار (انظر قسم الأسئلة والأجوبة).
فقد أدى النزاع إلى تدهور حاد في ديناميات النمو. وقدّر التقييم أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة ٧٫١ في المئة في ٢٠٢٤، أي بزيادة ٧٠ نقطة أساس فوق أحدث تقديرات المصرف المركزي وذلك مقارنة بتوقعات ما قبل النزاع التي كانت ترجّح نموًا هامشيًا بما رفع خسارة الناتج التراكمية منذ ٢٠١٩ إلى ٤٠ في المئة. ويعكس هذا الانكماش، من جهة، اضطرابات مباشرة مرتبطة بالنزاع كما يعكس من جهة أخرى تآكل الطلب والاستثمار وظروف سوق العمل التي كانت أصلًا مُنهكة. ومع شبه نفاد الحيز المالي وبقاء الاستقرار النقدي هشًا، تبقى آفاق النمو على المدى القريب مقيدة بشدة بقدرة إعادة الإعمار وبمدى توافر التمويل الخارجي.
وتكشف الآثار القطاعية صورة ضرر غير متناظرة بصورة صارخة. إذ تمثل المساكن والبنية التحتية المدنية نحو ثلثي إجمالي الأضرار المادية، أي قرابة ٤٫٦ مليارات دولار أميركي، وذلك بسبب تدمير أو تضرر جزئي لعشرات آلاف الوحدات السكنية ولا سيما في الأقضية الجنوبية. وإلى جانب التداعيات الإنسانية المباشرة، يشكل الضرر السكني عبئًا طويل الأمد على ثروة الأسر وعلى تنقل العمالة وعلى الطلب المحلي بما أنه يضع ضغطًا كبيرًا على احتياجات تمويل إعادة الإعمار مقارنة بقطاعات أخرى.
وتبرز الخسائر الاقتصادية بأشد صورها في ثلاث قطاعات جمعها تقييم البنك الدولي، على الرغم من طابعه «السريع»، في مجموعة واحدة هي التجارة والصناعة والسياحة. وقدّر التقييم خسائر هذه المجموعة بنحو ٣٫٤ مليارات دولار أميركي بما يعكس تراجعًا حادًا في تدفقات السياحة وتعطّل تجارة التجزئة والجملة وتوقف مصانع عن العمل وضعف نشاط الخدمات المهنية. وتُظهر هذه الخسائر المتركزة مكانيًا في بيروت والنبطية وصور كيف عطّلت الحرب عقد لبنان التجارية الأساسية واقتصادات الخدمات الحضرية بدل أن تبقى محصورة في مناطق الخطوط الأمامية.
وتفاقم الأضرار المرتبطة بالنزاع في البنى التحتية للنقل واللوجستيات، بما في ذلك تضرر نحو ٩٣٠ كيلومترًا من الطرق، هذه الخسائر لأنها أضعفت الترابط بين المناطق ورفعت كلفة المعاملات في عموم الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، عانت الزراعة والمنظومات الغذائية، على الرغم من أن حصتها من الأضرار المادية أصغر، خسائر تجاوزت ١ مليار دولار، بل إن الرقم سيكون أعلى بكثير بعد عام كامل من الهجمات شبه اليومية في الجنوب وفي مناطق البقاع والهرمل تحديدًا (انظر إلى الرواية في الصفحة)، وذلك بسبب تدمير المحاصيل وخسائر الثروة الحيوانية ونزوح المزارعين.
وعلى مستوى المناطق، سُجّل أن محافظتي الجنوب والنبطية هما الأكثر تضررًا في مؤشرات الضرر والخسارة بينما تتحمل محافظة جبل لبنان وبيروت خسائر اقتصادية غير مباشرة كبيرة نظرًا لتمركز الخدمات والتجارة والنشاط السياحي فيهما. وتتضمن الجغرافيا العامة للآثار، بالتالي، تدميرًا ماديًا محليًا إلى جانب ارتدادات اقتصادية وطنية واسعة.
ومع التحول الجاري نحو تثبيت السيادة والأمن ضمن نموذج مُجرّب دوليًا لسيطرة الدولة على الأرض واحتكار العنف وهو مسار بدأ في مطلع ٢٠٢٥ ووصل إلى حد تنفيذ دبلوماسية مباشرة بحثًا عن التعايش مع الجوار أي مع إسرائيل وسوريا في كانون الأول/ ديسمبر، تبرز ضرورة ملحّة لإعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية ليس بقدر ما يتعلق ذلك بترتيبها الكلي بل من حيث الحوكمة واتجاهات التنمية.
ومع أن إعادة بناء قطاع الخدمات المالية تظل شرطًا ركنيًا للاقتصاد، فإنه لم يصل بعد إلى مرحلة نضج وحدة الرؤى السياسية وقبول الالتزامات على نحو يسهّل نموًا سريعًا. وقد أُثيرت شكوك بشأن صدقية الدولة وفاعلية الحكومة الإصلاحية بسبب انطباعات عن وعود غير واقعية وبطء وزاري امتد من بعض الوزراء نزولًا. وانعكس هذا القلق الشعبي كذلك في نقاشات كثيفة الإشاعات خلال الربع الأخير من ٢٠٢٥.
وتحتاج قطاعات أخرى، مثل الاقتصاد السياسي للمؤسسات المملوكة للدولة، إلى توافق على أساس سياسي وقانوني آمن. وفي الواقع، لا يبدو أن ثمة قطاعًا واحدًا في البلد لا يحتاج إلى استثمارات وإعادة بناء واتجاه جديد وإصلاح.
لكن القطاعات التي تبدو، في نهاية ٢٠٢٥، أولويات تنموية استراتيجية للفاعلين من القطاعين العام والخاص هي إعادة الإعمار وإنشاء البنى التحتية والعقار مع تركيز على عقارات منتجة وخاضعة لضريبة إنتاجية وصولًا إلى مستوى تصميم الحضر ضمن حوكمة تُخفف أثر المناخ وتدعم الاستدامة بما يتوافق مع أهداف البلد في حماية المناخ والبيئة، وهو ما يشمل قطاع الطاقة، والتحول الرقمي وقطاع التكنولوجيا بما يتضمن الصناعات الثقافية والإبداعية، ومجالات متخصصة في التصنيع تمتد من التكنولوجيا والدواء إلى منتجات التجميل الصحية، والزراعة والصناعات الزراعية الغذائية، والسياحة في سياق اندماج إقليمي.
ويُعد هذا المزيج من القطاعات الاستراتيجية جديدًا لكنه غير متجذر في نقاط قوة تاريخية راسخة للاقتصاد اللبناني. ومع ذلك، يفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى موازنة رشيدة بين الاستثمار الرأسمالي في الاقتصاد الحقيقي وتطوير اقتصاد الخدمات. ويحتاج هذا كله إلى عنصر مُلزم، أو مادة لاصقة، تأتي من منظومة ريادة الأعمال التي ما زالت بحاجة إلى تعافٍ إضافي بعد أن وقعت في الشلل في بدايات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
البناء والتنمية الحضرية
تعرّض قطاع الملكية العقارية، وهو أساس مفاهيم الثروة والأمان والذي كان، منذ ما قبل العصر الصناعي، يقف إلى جانب التجارة والزراعة كأعمدة لعيش المجتمع واستقراره، لتشوّه بفعل الحروب والاضطراب في القرن الماضي. وأدى التمدد الحضري غير المنظم وسوء الإدارة إلى تحويل مدن كانت ساحرة إلى كتل شبه غير قابلة للاستدامة، وتحويل ممرات السير إلى عوائق أمام الإنتاجية، كما شوّه العديد من القرى الريفية حتى باتت منفّرة للعين.
وأفضت أحدث حرب على لبنان، والتي سببت أضرارًا تتجاوز ٤٫٦ مليارات دولار ودمارًا في المساكن، إلى جانب تنامي الوعي بمخاطر المناخ والبيئة والمجتمع، إلى انعطاف جديد في دور النسيج العقاري اللبناني شديد التحضر. وبذلك تحولت أنشطة البناء والعقار والتنمية الحضرية إلى قطاع فوقي بالغ الأهمية لتعافي سبل العيش وترميم الأنسجة الاجتماعية، وذلك عبر تطوير الملكية والبنى التحتية وفق أولويات بيئية ومناخية، وكذلك اجتماعية وحفظ تراثي وإنتاجية اقتصادية.
ويغدو هذا القطاع متعدد الوجوه، والمدعّم بالاستدامة، حاسمًا لإعادة بناء المساكن التي دُمّرت وتضررت في لبنان وسوريا خلال العامين الماضيين وخلال السنوات الأربع عشرة الماضية، علمًا بأن الحاجة إلى إعادة الإعمار في سوريا قُدّرت بين ١٠٠ و٣٠٠ مليار دولار أميركي منذ ٢٠١٨، كما يغدو ضروريًا لتنظيف الركام وإعادة تدويره الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية في ٢٠٢٤ و٢٠٢٥، ولتنفيذ بنى تحتية تمتد من بوابات البلاد الخارجية إلى شبكات الطرق والمرافق، ولتحويل المشاهد الحضرية في بيروت وطرابلس وصيدا إلى مراكز إنتاجية مدينية، ومن أجل جعل المدن اللبنانية أكثر قدرة على الصمود أمام المناخ.
اقتصاد المعرفة الرقمي
يشمل نشاط فوقي استراتيجي آخر للبنان، وللمنطقة بأسرها، فئة اقتصاد المعرفة الرقمي، بما يتضمن قطاعات تكنولوجيا المعلومات، البرمجيات والمعدات، والصناعات الثقافية والإبداعية، ومجالات ملاصقة للأتمتة والتعلّم الآلي.
وبقيت محاولات إطلاق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتنظيم القطاع أو تعزيز شركات ناشئة عبر تشجيع منظومة ريادة الأعمال هشة ومعرّضة للاهتزاز طوال التسعينيات والألفينيات. ولم يبدأ القطاع برؤية دعم حكومي استراتيجي يُذكر لمنظومة ريادة الأعمال وللشركات الناشئة الحيوية إلا حين تدخل مصرف لبنان، المصرف المركزي، بحزمة دعم تمويلي عُرفت بالتعميم ٣٣١ في ٢٠١٢.
وتعثّر اندفاع اقتصاد المعرفة الذي دفع به مصرف لبنان إلى صدارة المشهد الاقتصادي الوطني وكاد يتوقف مع بدايات العقد المضطرب من العشرينيات. ووفق ما قاله كمال شحادة، وزير المهجرين ووزير الدولة في المكتب المُعلن حديثًا لوزارة تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، خلال قمة بيروت للذكاء الاصطناعي الافتتاحية في تشرين الثاني/ نوفمبر، فإن استثمارات الشركات الناشئة التي كانت تساوي نحو ٥٠٠ بموجب التعميم ٣٣١ حتى ٢٠١٩ هبطت إلى ٥ ملايين في السنوات الخمس الأخيرة. ويشرح ذلك مفارقة قطاع شكّل على مدى نحو ثلاثة عقود مشاريع ريادية كثيرة، مع حصة معتادة من الإخفاقات، وكذلك مع بعض قصص النجاح المدهشة.
وتتضمن أهداف الوزارة الجديدة شراكات ابتكارية مع المؤسسات الأكاديمية، وزيادة عدد خرّيجي التعليم العالي ممن يملكون مهارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أضعاف ليصل إلى ١٠٠٠٠ بحلول ٢٠٣٠، ورفع مساهمة التكنولوجيا الرقمية في الناتج المحلي الإجمالي اللبناني إلى نحو ١٠ في المئة. ويرتبط قطاع آخر بتوقعات تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي، وهو فضاء الإعلام والإنتاج الإبداعي. ويمكن للصناعات الثقافية والإبداعية، وفقًا لعدد من أصحاب المصلحة المعروفين في هذا المجال، أن ترتفع مساهمتها لتقارب نسبًا مشابهة من الناتج المحلي الإجمالي كما قبل الأزمة الاقتصادية، حين كان نحو ٥ في المئة من الناتج يأتي من شركات وأفراد ذوي بصمة ثقافية وإبداعية.
وعلى الرغم من أن الآثار المباشرة وغير المباشرة للحرب على اقتصاد المعرفة لم تكن بمستوى آثارها على قطاع الإسكان وعلى الزراعة، فقد سُجلت خسائر اقتصادية في التعليم، وبالتالي انعكست على تكوين رأس المال البشري، غير أن الآثار السلبية لسنوات الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك مُثبط كوفيد، يجب النظر إليها بوصفها أضعاف ما تعرض له لبنان من حرب في ٢٠٢٤.
وسُجلت، في أوساط ريادة الأعمال التقنية والصناعات الثقافية والإبداعية، مظاهر أذى كثيرة منها انهيار شركات ناشئة وجدت فجأة أن تمويلها تبخر وتدمير الروابط المصرفية، وهجرة المبدعين والمواهب التقنية إلى الخارج وانتقال أو انسحاب لاعبي المنظومة وإلغاء مهرجانات قسرًا وخسارة دخل بسبب إحجام المؤدين عن الحضور وتدهور جودة الحياة الحضرية وتزايد العجز عن جذب الاختصاصيين المطلوبين وانهيار دخل الإعلانات والرعايات الثقافية والتجارية وتعطّل مؤقت للإبداع لدى مغنين ومصممين وشعراء ومنتجين ومحررين شديدي الحساسية أنهكهم القلق فضلًا عن أضرار اقتصادية أخرى من دون توافر تقييم كامل للخسائر التراكمية وللآثار الاقتصادية طويلة الأمد.
ومهما تكن التوقعات والإسقاطات في المشهد الواسع الممتد من الفنون والحِرف إلى الخدمات الرقمية والتعلّم الآلي ومهما تكن مخاطر الهبوط وغموض الملكية الفكرية واحتمالات الانفجار في فقاعة تقنية جديدة من العالمي إلى المحلي، يظل القطاع التقني المحلي وتمكين لبنان رقميًا المجال الرئيسي والواسع الذي يجب إدراجه في أي خطة استراتيجية للنمو، وذلك من خلال ترتيبات مؤسسية مستقرة تدعم تلاقي الاقتصاد الحقيقي واقتصاد الخدمات، وتدعم السياسات العامة والتطوير التنظيمي والرقابة، وتضمن تطوير المهارات المطلوبة على أعلى مستوى عبر الأكاديميا.
الزراعة والصناعات الزراعية
تمثل الزراعة والصناعات الزراعية الغذائية في لبنان أساسًا من أسس الاقتصاد الحقيقي، وتستمد أهميتها من صورتين، كونه سلة خبز تاريخية وكونه سلة مطبخ متوسطية، وذلك إلى جانب كل الهواجس المرتبطة بالوصول العادل إلى تغذية متوازنة ضمن مفاهيم الأمن الغذائي. وقد كان أثر الحرب على الزراعة، ولا سيما على صغار المشغلين والمعالجين الحرفيين، قاسيًا.
وإذا حُكم على الواقع من خلال نقاشات ٢٠٢٥ بين أصحاب المصلحة في القطاع، فإن تقدم القطاع في ملفات تمتد من خفض فاقد الغذاء وهدره إلى الدائرية وفحص الجودة وتحسين المواءمة مع معايير الأسواق الدولية، وبالتالي استدامة الإنتاج الزراعي وقابلية تصدير المنتجات الزراعية الغذائية، قد يكون بطيئًا على نحو جليدي. لكن الحاجة إلى تحسين رسمية القطاع وإنتاجيته في سياق الحق في عمل كريم، وعلاقة الماء والطاقة والغذاء، وتوافر الفحوص وجودتها وسرعتها، وما إلى ذلك، تصبح، ونتيجة لذلك، أكثر إلحاحًا مع كل موسم يغيب فيه الإنجاز أو يأتي دون المستوى في الجوانب التنظيمية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية للصناعات الزراعية الغذائية.
**جيوب صناعية متخصصة**
توجد في لبنان معرفة بدور الصناعة التحويلية الحاسم في اقتصاد قادر على المنافسة الدولية، على الأقل لدى الصناعيين ولدى مجتمع رأس المال المغامر ولدى وكالات دولية معنية مثل اليونيدو والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة. وبينما تظل اقتصادات الحجم مجرد وهم في بلد صغير، يفتح تعقيد الاقتصاد اللبناني وابتكاره الريادي أبوابًا للنمو في مجالات غير زراعية غذائية مثل مستحضرات التجميل الصحية والأدوية ومواد كيميائية مختارة ووحدات سكنية مُسبقة الصنع وتكنولوجيا معلومات متخصصة.
وكان تدمير المصانع خلال حرب ٢٠٢٤ ممكنًا احتواؤه، على الرغم من أن الخسائر الاقتصادية تراكمت بسبب نزوح شركات قسرًا وإغلاقات مؤقتة. غير أن صلابة القطاع كانت أصلًا عند ذروتها لأن الصناعيين خضعوا لتدريب طويل على المرونة بفعل سيل الدروس القاسية الممتد لعقود من سوء معاملة حكومية وفساد، ثم تصاعدت حدته بدرجات كثيرة خلال سنوات الأزمة الاقتصادية.
سياحة مُحصّنة إقليميًا
تبقى السياحة حيوية للمرحلة المقبلة من التنمية الاقتصادية في لبنان. وانطلاقًا من جاذبية البلد الطبيعية والثقافية وأسلوب عيشه في الستينيات، بدا قطاع الضيافة خيارًا بديهيًا للتنمية منذ لحظة تراجع النزاع اللبناني الذي امتد ١٦ سنة أمام هدوء نسبي، وإن كان مضللًا، ومحاولات إعادة الإعمار تحت إدارات قادها الراحل رفيق الحريري.
غير أن القطاع كان استراتيجيًا بصورة مفككة، إذ كان مهمًا للناتج المحلي الإجمالي وللأرزاق بقدر ما كان ضعيف التمثيل في الاعتبارات الاستراتيجية للسياسات، ومحرومًا من التنسيق الحكومي ومن جهود الترويج. وخارجيًا، قيّدته عوامل طلب متبدلة في أسواق مصدر ضيقة لقاصدي العطلات الإقليميين والدينيين والثقافيين وللمغتربين.
وجاءت الآثار المتكررة للنزاعات على القطاع من اضطرابات ثقيلة في السلام ومن تهديدات الإرهاب في بلاد الشام، وكذلك من أحداث مقلقة بعيدة مثل بعض الوقائع في الوجهات المصرية على البحر الأحمر وعلى الريفييرا الأناضولية. وأكد أثر اشتعال ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ هشاشة القطاع أمام المشكلات الأمنية على نحو انتقامي، حتى مع بقاء مطار بيروت عاملًا.
ومع ذلك، شكّلت تدفقات اللبنانيين المغتربين وغيرهم من الزوار خلال موسمي ٢٠٢٢ و٢٠٢٣ في ذروة سنوات الأزمة طوق نجاة للاقتصاد. وبالرغم من ذلك، لم يظهر من الحكومة الإصلاحية في ٢٠٢٥ لا تخصيص موازنة مُرضيًا ولا استراتيجية سياحية متماسكة.
ونقل ممثلو قطاع الضيافة منذ مطلع ٢٠٢٥ إلى Executive مرة أخرى صورة عن الفرصة، التي لم تُترجم حتى الآن إلى تحسن واضح أو إلى عائدات أعلى على امتداد العام، والمتمثلة في التكامل الإقليمي للوجهات والمعالم، وفي تحسين مواءمة العروض الثقافية والدينية والخضراء والزرقاء والريفية وعروض سياحة المؤتمرات والحوافز والمعارض والاجتماعات، سواء على المستوى الوطني أو عبر الحدود.
وفي المحصلة، تشير توقعات السياحة العالمية في العصر الرقمي إلى مزيد من النمو الكمي وإلى أنشطة تخترق عتبة التريليون دولار مع بداية العقد المقبل. وقد يبقى لبنان قزمًا سياحيًا مقارنة بأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل تركيا ومصر وبالدول العملاقة المقصودة شمال المتوسط. غير أن هذا الخط الأساس لا يفعل سوى تأكيد أهمية الضيافة بوصفها صناعة الخدمات النموذجية في البلد، ويجعل الاستثمار في جودة القطاع وتنوعه أمرًا بالغ الأهمية للبنان.
وفوق ذلك، تُرسخ مواطن الضعف المنهجية والاجتماعية والاقتصادية التي بدأت تُغذي ديناميات تجارة السياحة العالمية رسالة واضحة مفادها أن هذا البلد يحتاج إلى أكثر من وثائق استراتيجية سياحية أنيقة. فهو يحتاج إلى السلامة وإلى هدوء إقليمي، كما يحتاج إلى تكامل إقليمي في العروض، والأهم من ذلك كله، يحتاج إلى مسار تنموي مستدام ومسؤول بيئيًا.
