Home الاقتصاد والسياسةفي مرمى الاستثمار

في مرمى الاستثمار
ARFREN

يقظة سوريا غير الآمنة ومعركة الاستقرار

by Marie Murray & Maryam Alaouie

تُظهِر محاولة تقييم الارتدادات الاقتصادية الإقليمية الناجمة عن عامين من النزاع الذي اندلع في 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 أن سوريا تبرز كحالة استثنائية إلى حدّ ما. وبالنظر إلى أن البلاد كانت في العام 2023 لا تزال غارقة في عامها الثاني عشر من النزاع الأهلي وقد تحوّلت أيضاً إلى ساحة حرب بالوكالة بين قوى خارجية متصارعة، يكاد يستحيل فصل الآثار الكلّية المباشرة لحرب غزة عن الصدمات الاقتصادية الناجمة عن أكثر من عقد من الصراع والهجرة ونظام العقوبات الدولية المُنهِك.

وتقود متابعة الحدث الذي انتهى إلى تحوّلات اقتصادية أشدّ وطأة أي سقوط نظام بشار الأسد وصعود مؤسّس جبهة النصرة وزعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني الذي صار الرئيس أحمد الشرع والرفع الجزئي للعقوبات المفروضة بموجب «قانون قيصر» لعام 2019 من جانب الولايات المتحدة إلى التمييز بينه وبين التداعيات الإقليمية لما بعد 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر، من دون أن يُعَدّ منفصلاً عنها. وتُظهِر صحوة النظام المذهلة في سوريا كيف دفع تغيّر الظروف السياسية الداخلية والخارجية بهذا التحوّل، في حين يقود أيّ سعي لتعقّب الخطوة التي قامت بها هذه الجهة أو تلك وفي أي توقيت وبفعل أيّ حدثٍ آخر سريعاً إلى منطقةٍ رمادية يغلب عليها الطابع التكهّني وقد تنزلق بسهولة إلى مستوى نظريات المؤامرة. ويتضح، مع ذلك، أنّ إضعاف حزب الله خلال حربه مع إسرائيل ولا سيّما في مرحلة الحرب المفتوحة التي شنّتها إسرائيل على ما قالت إنّه أهداف للحزب في لبنان بين أيلول/ سبتمبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أضعف النظام السوري وفتح نافذةً لإطاحة الأسد وسقوط نظامه في فترة أحد عشر يوماً انتهت في 8 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025.

وفي ذلك اليوم، وبعد أحد عشر يوماً من إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، خرقت إسرائيل اتفاق فكّ الاشتباك الموقّع في العام 1974 وغزت جنوب سوريا انطلاقاً من هضبة الجولان المحتلّة في عملية وصفها بنيامين نتنياهو بأنها «منطقة عازلة مؤقتة». وضمّت الأرض المحتلّة الموسّعة النقطة الاستراتيجية الأعلى في المنطقة أي جبل الشيخ الذي يزوّد دمشق أيضاً بالمياه عبر نبع الفيجة ونهر بردى وهما مصدران حيويان للمياه العذبة كانا قد هبطا إلى مستويات حرجة بفعل جفاف العام 2024 ما أسفر عن آثار مدمّرة على 70 في المئة من مياه دمشق وفق تقرير عن الجفاف أصدره الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في آب/ أغسطس 2025. ومع ذلك، لا يبدو أن ردّ جبل الشيخ إلى السيادة السورية أمرٌ وارد. وفي 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، صرّح يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي بالقول: «لن ننسحب من جبل الشيخ ولن نغادر سوريا»، ثم جدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي في شباط/ فبراير 2025 تأكيده أنّ «لن يُسمح للقوات السورية بالدخول إلى المنطقة الواقعة جنوب دمشق». وعلى رأس الاستيلاء على المصدر الرئيس لمياه دمشق تحت ذريعة تدعيم الأمن والمصالح الاقتصادية، واصلت إسرائيل شنّ حملة جوية من طرفٍ واحد ضد أهداف داخل سوريا ثم كثّفتها في 9 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025 من خلال تنفيذ نحو 350 غارة جوية خلال فترة 48 ساعة ما دمّر بنى تحتية استراتيجية ودمّر مخازن أسلحة وقواعد جوية ومستودعات صواريخ ومنشآت بحرية.

هل يبقى أمام سوريا سوى التصعيد؟

يتّسم المشهد الاقتصادي السوري في مرحلة ما بعد النزاع بنقطة انطلاق شديدة الضعف ومسار ضيّق نحو التعافي. وبعد انكماشٍ قُدِّر بـ 1.5 في المئة في العام 2024، يُتوقّع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لا تتعدّى 1 في المئة في العام 2025، وفق التقييم الماكرو-مالي للبنك الدولي الصادر في حزيران/ يونيو 2025. ويبدو هذا النمو أشبه بقطرة ماء في بحر الخسائر المطلوب تعويضها بعد تراكُم انخفاضٍ تَخطّى 50 في المئة من الناتج منذ العام 2010. وتشير القراءة عينها إلى ارتفاع الفقر المدقع وأنّ الخدمات العامّة تواصل التدهور وأنّ متوسط الدخل القومي للفرد انهار إلى ما يقارب 830 دولاراً أميركياً، بما يضع سوريا بين أفقر اقتصادات العالم.

وعلى الرغم من ذلك، تُظهِر تقديرات البنك الدولي خسارةً في الناتج المحلي الإجمالي تَناهز 800 مليار دولار أميركي على امتداد عقدٍ من النزاع في حين قدّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في شباط/ فبراير 2025 حول أثر النزاع في سوريا الخسائر الاقتصادية والمالية بنحو 923 مليار دولار بحلول نهاية العام 2024. وقدّر البنك الدولي، في ما وصفه بالتقدير «المتحفّظ» لكلفة إعادة الإعمار المتراكمة بين العامين 2014 و2024 وتقدّ الكلفة هذه بحوالي 216 مليار دولار. وتُظهِر الأرقام أن الموقف المالي للدولة منهك بشدة إذ يتراوح عجز الموازنة حول 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فيما تبقى الإيرادات العامّة في حالة ركود. وترتفع الديون العامّة الخارجية غير المبلّغ عنها رسمياً والمستحقة في معظمها لإيران وروسيا إلى ما يزيد عن 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بما يترك للدولة هامشاً يكاد يكون معدوماً للتحرّك المالي. وفي أيار/ مايو 2025، سدّدت المملكة العربية السعودية وقطر ديون سوريا القائمة لدى البنك الدولي البالغة 15.5 مليون دولار ما دفع مؤسسة التمويل الدولية إلى استئناف انخراطها مع سوريا. ثم وافق البنك الدولي في حزيران/ يونيو 2025 على منحة بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء في البلاد.

وتُعيق رسوخ الاقتصاد غير النظامي واستمرار المخاطر الأمنية وشبكات الاقتصاد غير المشروع في زمن الحرب كتجارة المخدرات التي تسبب الادمان وعملية إحياء النشاط الاقتصادي الرسمي وتردع الاستثمارات الخاصة. ويُدخِل النظام الانتقالي الذي يرأسه الرئيس أحمد الشرع إلى المشهد مزيجاً من التفاؤل الاقتصادي والقدر الكبير من الشك والخوف في آن.

وتكشف موجات الاشتباكات العنيفة كالاشتباكات الدامية التي شهدتها اللاذقية في آذار/ مارس 2025 بين مجموعات من الطائفة العلوية وقوات الحكومة الانتقالية التي يقودها الشرع وأسفرت عن قرابة ألفي قتيل أو عملية التفجير الانتحاري في كنيسة في دمشق في حزيران/ يونيو 2025 التي أودت بحياة 25 شخصاً عن شكوك عميقة حيال قدرة هذا النظام على فتح صفحة إيجابية لجميع السوريين. وتشير اشتباكات نيسان/ أبريل 2025 بين القوات السورية وأبناء الطائفة الدرزية قرب دمشق والتي تبيّن لاحقاً أنها اندلعت نتيجة سوء فهم لإضافة الى اشتباكات تموز/ يوليو 2025 في اللاذقية بين القبائل البدوية والقوات السورية ومجموعات درزية والتي انتهت بمقتل أكثر من ألف شخص بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان في المملكة المتّحدة فالكثير منهم من المدنيين الدروز إلى توظيف إسرائيل هذه الأحداث ذريعةً للتدخّل ما أطلق سلسلة من الضربات الجوية والتصريحات التي تبرّر استمرار الاحتلال والردّ العسكري.

وتكشف قرارات الإدارة الأميركية في أيار/ مايو 2025 عن وجه آخر من هذا المشهد إذ أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعفاءً خفّف بموجبه العقوبات المفروضة بموجب «قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا» الصادر في العام 2019 (والذي كان قد وقّعه في ولايته الأولى) ثم مدّد الإعفاء نفسه خلال زيارة الشرع إلى واشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. وأبدى المستثمرون الدوليون ولا سيّما الشراكات المتعدّدة الأطراف قدراً من التفاؤل المشوب بالحذر حيال إطلاق مشاريع لإعادة تأهيل البنى التحتية في حين يمكن لعودة السوريين المشرّدين إلى بلادهم أن توسّع قاعدة اليد العاملة وتعزّز الاستهلاك المحلي. وذكر موقع «سيريا ريبورت» وهو قاعدة بيانات اقتصادية عن سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 أنّ وزير المالية السوري يسر برنيه يتوقّع نمواً في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 12 و15 في المئة في الأعوام القليلة المقبلة.

وتُظهِر الصورة الأوسع أن في غياب الاستقرار السياسي والتمويل الواسع النطاق لإعادة الإعمار والإصلاحات البنيوية، ستبقى مسارات التعافي المتوقَّع سطحية ولن يشهد دخل الفرد تحسّناً ملموساً في الأجل المتوسّط.

الكلفة البشرية للتصعيد الإسرائيلي و”الحملة بين الحروب”

وتُظهِر متابعات النزاع أن منذ بداية الحرب على غزة، صعّدت إسرائيل عملياتها العسكرية العدوانية في سوريا فحوّلتها إلى ساحة رئيسة من ساحات المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، شنّت إسرائيل 104 هجمات على سوريا بين 10 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 و15 آب/ أغسطس 2024، استهدفت في كثير منها مصالح عسكرية مرتبطة بإيران وميليشيات متمركزة في لبنان. وطالت هذه الهجمات مراكز أبحاث عسكرية ومستودعات أسلحة وقواعد إيراني وأدّت إلى مقتل 259 مقاتلاً وإصابة 147 آخرين، معظمهم من المقاتلين السوريين المدعومين من إيران وأفراد من مجموعة حزب الله اللبنانية.

وتُظهِر ضربات أواخر العام 2024 مدى عنف التصعيد إذ دمّر أحد أعنف الهجمات مصنعاً لإنتاج الصواريخ في مصياف في 8 أيلول/ سبتمبر، مخلفاً 27 قتيلاً وفق التقارير. ثم جاء الاختراق الكبير الثاني في هذه الفترة عبر غارة جوية على تدمر في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، أسفرت عن مقتل 108 مدنيين بحسب الأرقام المعلنة. وفي تموز/ يوليو 2025، استهدفت إسرائيل مقرّ وزارة الدفاع السورية في دمشق. وعلى مدى الفترة الممتدة من بداية العام 2025 حتى آب/ أغسطس، سجّل المرصد السوري لحقوق الإنسان 95 ضربة إسرائيلية داخل سوريا قبل أن يرتفع العدد إلى أكثر من ألف ضربة بحلول تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. وأسفرت أحدث الهجمات الإسرائيلية حتى وقت كتابة هذه السطور عن مقتل 13 شخصاً في بيت جن في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، في غارة قيل إنها استهدفت «الجماعة الإسلامية» الفرع اللبناني لجماعة الإخوان المسلمين والتي تؤكّد من جهتها أنها لا تمارس أي نشاط خارج لبنان.

في هذا الإطار، تستعرض العقيدة الاستراتيجية لإسرائيل من خلال اختيارها تنفيذ عمليات محدودة ومركّزة في سوريا بدلاً من خوض حرب شاملة جزءاً من حملتها العسكرية المعروفة باسم Mivtzot Bein-Milhamot (MABAM) أي «الحملة بين الحروب». وتسعى إسرائيل، عبر هذه الاستراتيجية التي تعتمد مروحة من العمليات السرّية والعلنية دون عتبة الحرب الشاملة إلى استنزاف قدرات خصومها من خلال ضرب أهداف تعتبرها تهديدات عملياتية أو عسكرية.

وكشفت متابعة النتائج أنّ هذه الحملة، على الرغم من طابعها الانتقائي، خلّفت آثاراً اقتصادية كبيرة إذ عطّلت عدداً من القطاعات الهشّة أصلاً وأعاقت نشاطها.

فتتراكم عناصر الشكّ حين تتقاطع في العام 2025 ولادةُ حكومة جديدة لا تزال غير مختبَرة اقتصادياً ورفعُ العقوبات التي كانت تشلّ الاقتصاد السوري الحقيقي والشرعي وانطلاقُ سباق نحو عقود تطوير في مجالات البنى التحتية الحيوية للطاقة والنقل والتجارة لا تزال فعاليتها وقدرتها على الصمود في وجه الفساد وغيرها من التشوّهات والاضطرابات الناجمة عن النزاع المسلّح غير واضحة. وتُظهِر قراءة هذا المشهد أن القطاعات التي تبدو حاسمة للتنمية الوطنية في الأجل القصير إلى المتوسّط تشمل الزراعة والصناعات الزراعية القانونية والطاقة والنقل والبنى التحتية فيما تتقدّم في الأجل المتوسّط إلى الأطول أصولٌ حاسمة أخرى هي رأس المال البشري عبر إعادة المهاجرين لكن أساساً عبر مؤسسات تعليمية جديدة والقدرات الرقمية.

وتفتح عملية إنشاء قطاع تكنولوجي وبنية تحتية رقمية أطلق عليها وزير الاتصالات والتقانة عبد السلام هيكل اسم «طريق الحرير الرقمية» في سوريا أفقاً جديداً إذ تشير تقارير إعلامية صادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 إلى أن المشروع يهدف إلى نشر شبكة من الألياف الضوئية وكوابل بحرية بطول 4500 كيلومتر في مسعى لتحويل البلاد إلى «ممرّ بيانات دولي بديل» في الشرق الأوسط. ويُقدّر هيكل كلفة العمود الفقري الوطني وحده بنحو 500 مليون دولار.

لم تعد عاصمة الكبتاغون

وتُظهِر نتائج أكثر من عقد من الزمن أن عائدات الصادرات السورية تعزّزت إلى حدّ كبير بل تكوّنت في السنوات الأخيرة أساساً من تجارة المخدرات غير القانونية المصنعة كيميائياً من مكوّنات رخيصة وسهلة التركيب. ومنذ بدايات الحرب الأهلية في سوريا، خلقت العقوبات والعزلة الاقتصادية فراغاً سمح بازدهار إنتاج الفينيثيلين وهو مسكن أفيوني محظور على نطاق واسع ومعروف باسم العلامة التجارية المتوقفة «كبتاغون». وتركّز الاستهلاك والإنتاج في منطقة الشرق الأوسط مع استهلاك كبير في الدول التي تستورد منتجات المورّدين السوريين وبعضهم ارتبط اسمه بأجهزة الدولة في عهد بشار الأسد وفق تقارير.

وتشير أرقام البنك الدولي في تقريره لعام 2024 إلى أن القيمة السوقية الإجمالية للكبتاغون تراوحت بين 1.9 و5.6 مليارات دولار سنوياً أي ما يكاد يعادل الناتج المحلي الإجمالي المعلن للبلاد في العام 2023. ويُظهِر التقرير كيف تحوّل نشاطٌ غير مشروع صغير نسبياً إلى ركيزة من ركائز «اقتصاد الحرب» في عهد الأسد إذ ولّد إنتاج الكبتاغون وتوزيعه عائداتٍ تَناهز 1.8 مليار دولار سنوياً.

وتقلب التطورات التي تلت سقوط نظام الأسد هذه الصورة رأساً على عقب، إذ أعلن أنس خطاب وزير الداخلية الجديد في حزيران/ يونيو 2025 أنّ جميع المختبرات المسؤولة عن إنتاج الكبتاغون قد صودرت وأُغلقت نهائياً. ومع ذلك، تُفيد تقارير إعلامية سورية محلية بأنّ التجارة لم تتوقّف بالكامل بل تواصل نشاطها في شمال سوريا في مناطق تقع خارج السيطرة المركزية الكاملة ما يدل على أن الشبكات تفتّتت وانتشرت مكانياً بدلاً من أن تُستأصل كلياً. وتُظهِر بيانات نشرتها السلطات العراقية في آذار/ مارس 2025، أكّدت فيها مصادرة 1.1 طن من حبوب الكبتاغون المهرّبة من سوريا عبر تركيا إلى العراق وأن خطوط التهريب لا تزال قائمة.

وبالتالي تشير التطورات إلى أن إنتاج الكبتاغون وإن ضعف وفقد مكانته السابقة بوصفه المموّل الأبرز للنظام، ما زال مستمراً في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة مع استمرار طرق التهريب. وتتصدّر الزراعة والصناعات الزراعية التي شكّلت تاريخياً عماد الاقتصاد السوري الحقيقي وقطاعاً رئيساً لنمو الإنتاج القانوني والصادرات قائمة القطاعات المستهدفة بجهود إعادة البناء بعد أن أصابتها أضرار جسيمة على مدى أكثر من عقد من العنف الداخلي والنزوح.

قطاع الطاقة بين نيران الهجمات ووهج الاستثمارات

يبرز قطاع الطاقة، بما في ذلك إنتاج الكهرباء بوصفه قطاعاً استراتيجياً في عملية إعادة إعمار سوريا. وبعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية والصراعات الداخلية والاعتداءات الإسرائيلية انهارت شبكة الكهرباء في البلاد وترك الدمار معظم البنى التحتية للطاقة في حالة خراب. وتنتج سوريا نحو 2200 ميغاواط من الكهرباء في حين تبلغ حاجتها نحو 7000 ميغاواط، ما يدفع ملايين الأسر إلى الاعتماد على مولّدات خاصة باهظة الكلفة لتلبية احتياجاتها الأساسية من الطاقة.

وتكشف مراجعة تقرير البنك الدولي الصادر في العام 2017 بعنوان «كلفة الحرب» أن نحو ثلثي محطات معالجة المياه ونصف محطات الضخ تعرّضت للتدمير. ويؤكد التقرير أن بنية المياه التحتية في سوريا كانت هشّة أصلاً خلال سنوات الحرب الأهلية قبل أن تنهار بالكامل في السنوات الأخيرة. وفي العام 2025، أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 50 في المئة من البنية التحتية في البلاد قد «دُمِّرت وأصبحت غير صالحة للعمل» بفعل النزاعات الداخلية والهجمات الإسرائيلية على منشآت المياه.

وقدّر غسان الزامل وزير الكهرباء السوري بين العامين 2022 و2024، الخسائر المباشرة للقطاع بنحو 40 مليار دولار والخسائر غير المباشرة بنحو 80 مليار دولار. وبيّن أن أكثر من نصف شبكة الكهرباء الوطنية أصبح خارج الخدمة نتيجة التدمير المتواصل لمحطات التوليد وخطوط النقل. وزادت أزمة نقص الغاز والوقود من حدّة الأزمة؛ إذ أوضح في مقابلة مع صحيفة «عرب نيوز» في أيار/ مايو 2024 أن «الوزارة تحتاج إلى 23 مليون متر مكعّب من الغاز يومياً لكنها لا تتلقّى سوى 6.5 ملايين». وبحلول العام 2025، خرجت أصول رئيسة من بينها محطة مياه علوك وسد تشرين من الخدمة ما سبّب اضطرابات كبيرة في إمدادات المياه.

وتحوّل الحكومة، بعد دمج وزارة الكهرباء مع وزارتين أخريين في كيان واحد هو «وزارة الطاقة» في آذار/ مارس 2025، إلى مسار استثماري جديد إذ وقّعت عقداً بقيمة 7 مليارات دولار مع ائتلاف شركات من قطر وتركيا والولايات المتحدة. ويقضي العقد، بحسب وزارة الطاقة بتطوير أربع محطات توليد عاملة بدورة مركبة تعمل بالغاز في دير الزور وحمص وحماة إضافة إلى مشروع طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في جنوب سوريا. ويُتوقّع أن يضيف الاتفاق قدرة إنتاجية تبلغ 5000 ميغاواط من الكهرباء تعتمد بنسبة 80 في المئة على الغاز الطبيعي وبنسبة 20 في المئة على الطاقة الشمسية. وفي الشهر التالي، حصل «مشروع الطوارئ للكهرباء في سوريا» وهو مشروع للبنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار يهدف إلى إعادة بناء شبكة الكهرباء السورية وإعادة تأهيل خطوط الربط مع تركيا والأردن على الضوء الأخضر.

وتُظهر قراءة دور النفط والغاز أن استخراجهما يشكّل جزءاً من قطاع الطاقة الاستراتيجي في سوريا إلّا أن تدهور الموارد أو نضوبها كان قد بدأ يقلّل من قيمته قبل انفجار الاضطرابات الداخلية إلى حرب أهلية. وفي العام 2010، قبيل اندلاع النزاع، أشارت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن قطاعي النفط والغاز شكّلا ربع الإيرادات العامّة تقريباً. بحسب التقرير المالي للبنك الدولي في العام 2024، منذ العام 2010 وحتى العام 2024، تراجع إنتاج النفط في سوريا بأكثر من 75 في المئة.

وتبرز في العام 2025 مؤشرات جديدة على عودة الحياة إلى إنتاج النفط السوري، وعلى رغبة جهات دولية في أخذ كل منها حصتها. وتشير تقارير إعلامية صادرة في تشرين الثاني/ نوفمبر إلى تكثيف وزارة الطاقة لمساعيها لجذب الاستثمارات الأجنبية إذ تجري محادثات مع شركة Chevron الأميركية العملاقة للطاقة وتوقّع مذكرات تفاهم مع شركتي ConocoPhillips وNovaterra Energy الأميركية المتخصصة في الغاز والطاقة المتجددة بغية إعادة تأهيل أصول الغاز القائمة واستكشاف حقول جديدة. ولا يقتصر هذا الانفتاح على الشركات الأميركية إذ وقّعت شركة Dana Gas الإماراتية أيضاً مذكرة تفاهم للتنقيب عن الغاز الطبيعي، فيما تسعى مجموعة Elixir Group الصربية إلى دخول قطاع الفوسفات. وتُترجَم هذه التحركات مجتمعةً في دفع دمشق باتجاه إحياء قطاع الاستخراج المنهك في ظل الدمار المتواصل للبنى التحتية واستمرار الضغوط الاقتصادية.

انفتاحات جديدة كمرفأ طرطوس ومطار دمشق

ويتقدّم قطاع النقل الجوي والبحري بوصفه مكوّناً حيوياً آخر في استراتيجية التعافي والتنمية في سوريا. وعلى الرغم من التغيير السريع في بنية النظام أوجد مشهداً سياسياً مجزّأ في البلاد فقد فتح أيضاً فرصاً استثمارية جديدة تهدف إلى تثبيت الخدمات الحيوية التي تعرّضت لاضطرابات حادّة خلال سنوات النزاع.

وتُظهِر صفقة مرفأ طرطوس أحد هذه المسارات الاستثمارية إذ وصف المكتب الإعلامي لحكومة دبي الاتفاق بأنه «محطّة مفصلية كبرى». ويقضي عقد الامتياز الممتد لثلاثين عاماً بين سوريا وشركة «موانئ دبي العالمية» الإماراتية باستثمارٍ مخطّط له قدره 800 مليون دولار، يُعدّ من أكبر الاستثمارات التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة. وقد وُقّع الاتفاق في تمّوز/ يوليو، وبدأت «موانئ دبي العالمية» نشاطها في تشرين الثاني/ نوفمبر مع تسلّمها أول قاطرة بحرية.

ويتكامل هذا التطور مع بوابة البلاد البحرية الأخرى وهي مرفأ اللاذقية الذي شهد في أيار/ مايو 2025 توقيع اتفاق شراكة بين شركة الشحن العملاقة CMA CGM (الفرنسية ذات الجذور السورية) والدولة السورية لتطوير محطة الحاويات في هذا المرفأ الواقع على بعد نحو 90 كيلومتراً شمال طرطوس. ويتضمّن الاتفاق استثماراً أولياً قدره 30 مليون يورو يُستتبع بالتزام سريع باستثمار إضافي قدره 200 مليون يورو اتُّفق عليه في آب/ أغسطس إلى جانب دخول شركة AD Port المملوكة لإمارة أبو ظبي بنسبة 20 في المئة. وبموجب الصفقة، تمتلك الشركة امتياز تشغيل محطة حاويات اللاذقية لمدّة 30 عاماً.

وتُظهِر عقود النقل الجوي بعداً موازياً إذ وقّعت «المؤسّسة العامة للطيران المدني في الجمهورية العربية السورية» عقداً بقيمة 4 مليارات دولار في آب/ أغسطس 2025 مع ائتلاف دولي تقوده شركة UCC Holding القطرية المتخصصة في الكهرباء والامتيازات والإنشاءات لتطوير مطار دمشق الدولي وتشييده وتوسيعه. ويضمّ الائتلاف كلاً من شركة Cengiz Insaat التركية وAssets Investments الأمريكية ويُتوقّع أن ترتفع القدرة الاستيعابية للمطار إلى 31 مليون مسافر سنوياً بحسب ما ذكره موقع SaudiGulf Projectsالمتخصص في أخبار المشاريع. وإلى جانب ذلك، يُرجَّح أن توفّر هذه الاستثمارات أكثر من 90 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات البناء والهندسة والتجارة اللوجستية والعمليات الجوية والضيافة.

عودة الهجرة وبداية بطيئة لانتعاش التعليم

تُظهر بيانات الأمم المتّحدة دفع الحرب الأهلية ل 6.1 ملايين سوري إلى الفرار من نظام الأسد بحسب تقرير للمفوضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، فيما ظلّ 7.4 ملايين شخص في العام 2025 في وضع نزوح داخلي. كما يُظهِر سقوط النظام في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024 تحوّلاً نوعياً إذ عاد مئات الآلاف إلى مليون سوري إلى بلادهم منذ ذلك التاريخ. وتُفيد «التحديثات السريعة» للمفوضية الصادرة في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بأن 1.2 مليون سوري عادوا من خارج البلاد منذ كانون الأوّل/ ديسمبر 2024 ومعظمهم من تركيا ولبنان والأردن في حين عاد أكثر من 1.9 مليون نازح داخلي إلى «أماكن منشئهم أو وجهات عودتهم المقصودة». وتتركّز المدن الرئيسة التي شهدت العودة في حلب ودمشق وريف دمشق وإدلب.

وتُظهِر قراءة أخرى لتقرير صادر عن المفوضية في حزيران/ يونيو 2025 يلخّص حركات اللجوء أن الحدود اللبنانية-السورية شهدت أيضاً موجات جديدة من الوافدين من سوريا إلى لبنان ما يشير إلى حركة نزوح في الاتجاهين وذلك جزئياً بفعل موجات العنف ومن بينها مجازر آذار/ مارس 2025 في اللاذقية التي استهدفت سوريين من الطائفة العلوية.

وتكشف معطيات إعادة دمج اللاجئين والعائدين من المنفى حجم المهمة الهائل، إذ تمثّل هذه العملية خطوة حاسمة لضخّ مهارات جديدة وطاقات متجددة في شرايين الاقتصاد السوري. وتبدو إعادة تصميم البنية التحتية التعليمية ومؤسساتها وتطويرها تحدّياً أكبر، إذ يرزح قطاع التعليم في العام 2025 تحت وطأة خسارةٍ كبيرة في البنى التحتية والنزوح والاستثمار المزمن غير الكافي. وتشير تقديرات نُشرت حول اتجاهات التسجيل المدرسي على مستوى البلاد إلى أن 4.2 ملايين تلميذ عادوا إلى مقاعد الدراسة في العام الدراسي 2025–2026، غير أن هذا التعافي الظاهري يخفي حجم الأضرار البنيوية.

وتُظهِر المقارنة أن من بين نحو 19,400 مدرسة كانت قائمة قبل الحرب، بقيت حوالي 7,900 مدرسة مدمَّرة جزئياً أو كلياً، ما جعل قرابة 40 في المئة من المرافق التعليمية غير صالحة للاستخدام. وقدّرت اليونيسف أن 2.4 مليون طفل في سنّ الدراسة ما زالوا خارج المدرسة، وهو رقم يختزل عمق أزمة التعلّم. ورغم هذه الفجوات، وسّعت الوكالات الأممية استجاباتها في مجال التعليم الطارئ إذ أفادت اليونيسف بأنها دعمت 458 ألف طفل في العام 2025 عبر أنماط التعليم النظامي وبرامج التعلّم المعجّل والطفولة المبكرة ومبادرات الاستدراك في حين وصلت برامج التدريب التي تقودها اليونسكو إلى أكثر من 600 معلّم ومدير مدرسة لتحسين السلامة في المدارس وتعزيز الشمولية. ويُظهِر تجميع هذه المعطيات قطاعاً بدأ يتحرك من جديد لكنه لا يزال محكوماً بعدم المساواة في الوصول إلى التعليم وببنية تحتية غير كافية واعتمادٍ كثيف على الدعم الدولي.

185 ألف كيلومتر مربّع من التفاؤل الحذر

تتشكّل ملامح الفصل الجديد من تاريخ سوريا في ظلّ ضغوط استثنائية. وأفضى سقوط نظام الأسد إلى فتح نوافذ للاستثمار وإعادة الإعمار وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة غير أن هذه الفرص ما تلبث أن تُقوَّض باستمرار بفعل الهجمات الخارجية المتواصلة والاشتباكات الداخلية المتكرّرة وبفعل التجزؤ في الحوكمة والعبء الثقيل للانهيار الاقتصادي. وتُظهِر حصيلة العام الأول من عمل الحكومة الدمشقية الجديدة تحقيق اختراقات دبلوماسية مع دول عربية شريكة ومع أوروبا والولايات المتّحدة. ومع ذلك، يتعيّن على اتفاقات التعاون والاستثمار في العام الأول أن تثبت قدرتها على الصمود في وجه شروط غير متكافئة في الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفي عقود الامتياز الطويلة الأمد فضلاً عن التحدّي الهائل المتمثّل في تفعيل قنوات الاستثمار الدولي وشبكات التمويل. ويتوقف انتقال سوريا من منطق البقاء إلى منطق إعادة الإعمار الفعلي ليس فقط على استقرارها السياسي واستمرار الدعم الخارجي بل أيضاً على قدرتها على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع واستعادة الخدمات الأساسية وإعادة دمج ملايين السوريين المشرّدين في اقتصاد جرى تفريغه وتآكله على مدى أكثر من عقد.

You may also like